nawal and sherif

Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata

Home | Books

 

 

الحاكم بأمر الله

رواية تمثيلية من فصلين

 

بقلم

د. نوال السعداوى


 

تقديم

قد يصدم معنى من معانى هذه المسرحية بعض القراء أو المشاهدين.. وخاصة ذلك الذى يتعلق منه بالنواحى الحساسة فى العلاقات الإنسانية وبالذات علاقة الرجل والمرأة ولكنى أعترف بأن الأفكار والحوادث التى وردت فى المسرحية ليست بالجديدة وليست من خيالى، فقد أخذتها من التاريخ. وأنا لست من حفظة التاريخ لكن الذى يرجع إلى قراءة التاريخ يجد أن الإنسانية مرت بأزمنة غريبة. كان هناك زمن الرقيق والعبيد.. وكان هناك زمن يخصى فيه العبد ليخدم حريم السلطان بغير خشية على الحريم.. وكان هناك زمن الحاكم بأمر الله الذى أدعى الألوهية وقدسه بعض الناس وكان هو يقدس الحمار.

وقد استهوانى التاريخ بحوادثه الغريبة التى تكشف عن بعض الخبايا والتناقضات التى تنطوى عليها النفس المعقدة لذلك المخلوق – الإنسان- ورغم دراستى للطب والجراحة وإدراكى العلمى لجسم الإنسان إلا ان فكرة إخصاء العبيد التى حدثت فى التاريخ ظلت بالنسبة لى غامضة وشاذة توحى إلى بان إخصاء الرجل ليس هو الجراحة أو ما ينتج عنها من عقم مادى بقدر ما هو الإخصاء الفكرى أو النفسى وما ينتج عنه من عقم فى الفكر أو النفس.

نوال السعداوى                



الشخصيات:

رجل فى الأربعين. ضخم الجسم غليظ الملامح. صوته رفيع نوعا.

:

الحاكم بأمر الله

امرأة شابة فى الخامسة والثلاثين. فارعة القوام ممشوقة الجسم. لها وجه معبر وعينان قويتان. فيها حيوية ولها شخصية قوية جذابة. صوتها قوى عذب.

:

الملكة جنات

شاب فى الخامسة والثلاثين. طويل فارع القوام. قوى البنيان. ملامحه قوية فيه وسامة ونبل وطيبة. صوته قوى ممتلئ.

:

الرجل الغريب (ربيع)

امرأة عجوز فى الخمسين أو الستين.

:

الأم العجوز

شاب فيه قوة وطيبة

:

الجندى عبيد

شاب قوى الجسم. شرس العينين.

:

الجندى عثمان

رجل عادى.

:

رئيس الجند مروان

تمثال لحمار يبدو كأنه حقيقى.

:

الحمار (مولود)

رجل فى الستين أو الخمسين

:

رجل الكوخ العجوز

عدد من الجنود والعبيد والجوارى من النساء

طفل صغير

 



الفصل الأول

المشهد الاول

يفتح الستار عن صاحب الجلالة "الحاكم بأمر الله" وهو جالس على كرسى العرش المرتفع وتستند قدماه على قاعدة خشبية وتكونان فى مستوى رؤوس العبيد الذين يجلسون على الأرض.

عن يمين صاحب الجلالة الحاكم يجلس واحد من العبيد يحمل فى حجره ورقة وقلم وعن يساره جندى من العبيد يحمل سيفا. هو رئيس الجند.

الصمت يخيم على الجميع. صاحب الجلالة ينظر إلى العبيد نظرة متعالية شرسة وهم جلوس على الارض مطأطئين الرؤوس.

صاحب الجلالة يقف على قاعدة الكرسى الخشبية.

يهب كل العبيد وقوفا.

يظل صاحب الجلالة واقفا يتفرس فيهم.

ثم يجلس فيجلس العبيد.

صاحب الجلالة يقف مرة أخرى.

الجميع يقفون ما عدا رجل واحد يظل جالسا.

تدور عينا صاحب الجلالة على كل الناس لتستقر على هذا الرجل الذى لم يقف.

كل الرؤوس تتجه إلى هذا الرجل الجالس.

يلكزه الرجل المجاور له ليقف لكنه لا يقف ويظل جالسا يتطلع إلى صاحب الجلالة بعينين لا ترمشان.

تصيب صاحب الجلالة نوبة غضب شديدة. يشير إلى رئيس الجند الواقف إلى يساره. يسرع رئيس الجند للمثول بين يدى الحاكم بعد أن يؤدى بسيفه التحية التقليدية.

مولاى.

رئيس الجند

يصيح صاحب الجلالة بصوت غاضب ويتضح أن صوته رفيع وحاد كصوت النساء ويبدو صوته متناقضا مع ضخامة جسمه وشراسة عينيه.

 

يشير إلى الرجل الجالس.

 

من هذا الرجل يا مروان.

الحاكم

لا أعرفه يا مولاى. هذه أول مرة أراه هنا.

رئيس الجند

أحضره إلى هنا.

صاحب الجلالة

سمعا وطاعة يا مولاى.

رئيس الجند

يسرع رئيس الجند فيقبض على الرجل الجالس ويسوقه إلى الحاكم.

 

العبيد كلهم واقفين يراقبون المشهد فى صمت ورؤوسهم محنية فى ذل وخوف.

 

اقترب

صاحب الجلالة (مخاطبا الرجل)

الرجل يقترب من الحاكم بخطوات ثابتة رافعا رأسه.

صاحب الجلالة يشتد غضبه فينزل من فوق كرسيه العالى ويقترب من الرجل وينظر فى عينيه بقوة وتحدى.

الرجل يقف أمامه لا يتحرك وعيناه ثابتتان فى عينى الحاكم.

 

أخفض عينيك!

صاحب الجلالة فى غضب شديد

الرجل لا يرد ولا يخفض عينيه.

يشتد غضب الحاكم ويضرب الارض بقدمه ويصيح بصوت أكثر حدة:

 

أخفض رأسك.

 

الرجل لا يرد ولا يخفض رأسه.

 

ينتفض الحاكم من الغضب ويلتفت إلى رئيس الجند صائحا:

من هذا؟ مجنون؟ أم أصم؟ إلا يسمع ما أقول؟

 

أنا أسمع جيدا ولكنى لا أفهم تماما ما هو المطلوب منى!

الرجل (بصوت قوى شجاع)

لا تفهم؟ ما معنى أنك لا تفهم؟

الملك (يثور)

المطلوب منك أن تخفض رأسك فى حضرة مولانا الحاكم هيا أخفض رأسك وبسرعة..

رئيس الجند (يخاطب الرجل فى شدة)

لا أستطيع أن أخفض رأسى

الرجل

ألا ترى الناس من حولك.. أفعل مثلهم بسرعة.. لا تقف هكذا منصوب القامة..

رئيس الجند

هذا أعجب كلام سمعته فى حياتى.. لا أقف منصوب القامة؟!! لماذا؟

الرجل

(فى دهشة)

ألا تعرف لماذا؟ ألا تعرف أن هذه هى المادة الاولى من دستورنا؟ كل الناس تعرف فكيف لا تعرف أنت؟

رئيس الجند

الجهل بالقانون لن يحميك من العقاب الذى ستناله!

الملك فى (غضب)

الجهل بالقانون؟ وكيف لى أن أعرف أن هناك قوانين فى أى مكان من العالم يمكن أن تنص على الوقوف بدون نصب القامة؟

الرجل (ساخرا)

أتجهل القانون؟! أتجهل دستورنا؟

الملك

وكيف أعرفه وأنا لم يبق لى فى هذه المدينة سوى ساعات؟

الرجل

كأنك لست من هنا؟ لست من مدينتنا؟

الملك

فى دهشة وغضب

لا يا سيدى..

الرجل

الملك يبدو عليه الذعر ويأمر بصرف العبيد ويبقى معه فقط مروان رئيس الجند والرجل..

 

وما الذى أتى بك إلى هنا؟

الملك

فى شئ من الذعر

الصدفة وحدها هى التى اتت بى إلى هنا.. كنت سائرا فى طريقى فإذا بى أجد نفسى على حدود هذه المدينة.

الرجل

الصدفة وحدها؟ هذا شئ عجيب؟ ومن أين أتيت؟ ما هى بلدك؟ ما اسمك؟ من أنت؟

الملك

فى ذعر وغضب

إسمى أعرفه وهو ربيع أما بلدى فلم أعرفها بعد.

الرجل

ليس لك بلد؟

الملك

ليس لى بلد حتى الآن.. أنا رجل كثير السفر والترحال..

الرجل

هذا غريب جدا! وما الذى أتى بك إلى هنا؟!

الملك

الصدفة وحدها.. لابد أننى ضللت طريقى.

الرجل

ضللت طريقك؟! وما هو طريقك؟

الملك

طريقى طويل وشاق.. أننى متجه نحو وطنى.

الرجل

ولكنك قلت أنك ليس لك بلد.

الملك

نعم ليس لى بلد ولكنى ولدت فى مكان ما من الأرض..

الرجل

ألا تعرف أيضا أين ولدت؟

الملك

لا

الرجل

ألم تسال أمك أو أباك؟!

الملك

ليس لى أب أو أم

الرجل

الملك يبدو عليه شئ من الاضطراب.. يطلب من الرجل أن ينتظر بالخارج يبقى الملك ومروان على المسرح وحدهما

 

هذا غريب جدا.. وكيف ولد إذن؟! هل يمكن أن يولد أحد بغير أب أو بغير أم؟

الملك (فى غضب واضطراب)

(يخاطب مروان رئيس الجند) هل تصدق هذا يا مروان؟

 

قد يولد بغير أب ولكن بغير أم هذا مستحيل يا مولاى!

مروان

هذا رجل غريب كيف جاء إلى هنا ولماذا؟

الملك

ربما ضل الطريق يا مولاى

مروان

اتصدق كلامه؟ أنا لا أصدقه.. إنه يكذب.. فى عينيه شئ غريب لا يبعث على الراحة أو الطمأنينة.

الملك

وماذا نفعل به؟

الملك

مولاى أنت صاحب الأمر والنهى

مروان

فلننفذ عليه فورا القانون العام..

الملك

سمعا وطاعة يا مولاى..

مروان

يتحرك مروان لكن الملك يبدو مترددا يناديه مرة اخرى ويتشاور معه فى قلق.

 

ولكن أتظن أنه سيخضع بعد العملية؟

الملك

كل الرجال خضعوا بعد العملية يا مولاى فلماذا لا يخضع هو

مروان

نعم لماذا لا يخضع هو.. لماذا لا يخضع هو.. انه كالآخرين تماما.. خذه يا مروان ونفذ فيه القانون العام..

الملك

يتحرك مروان لكن الملك يظل مترددا ويستبقى مروان

 

ولكنى لا أظن أن هذا كاف.. لا أظن أن إخصاء هذا الرجل يكفى لإخضاعه.. فى عينيه شئ غريب لا أرتاح اليه.. إنه ليس كالآخرين.. لا.. لا.. إنه ليس كالآخرين..

الملك

نعم يا مولاى.. إنه ليس كالآخرين

مروان

وما العمل يا مروان؟

الملك

أأمر تطاع يا مولاى.

مروان

نتخلص منه وبسرعة.

الملك

سمعا وطاعة يا مولاى

مروان

يتحرك مروان. الملك يستبقيه

 

إلى أين أنت ذاهب. كيف سنتخلص منه؟

الملك

نقتله فى الحال يا مولاى.

مروان

نعم.. نعم اقتله فى الحال.. (مترددا مرة اخرى)

ولكن كيف ستقتله؟

الملك

(فى سرور)

إرفع السيف فى وجهه واضرب راسه.

مروان

هذا جميل! هذا جميل..  (مترددا مرة اخرى)

ولكن لماذا وجهه يا مروان.. لماذا لا يكون فى ظهره.. إنه رجل غريب.. رجل خطير.. ليس من السهل أن نضربه فى وجهه.. ربما تكون له حيل لا نعرفها.. ربما يكون قويا جدا.. ربما يقاوم.. ربما.. ربما يستطيع أن.. لا أعرف تماما ما الذى يمكن أن يفعله مثل هذا الرجل الشاذ.. إنه نوع غريب من البشر.. ربما يتقمص روحا شريرة.. الأفضل أن نخلص منه فى هدوء ودون أن يعلم.. لابد من مؤامرة.. لابد ان نخدعه بشئ ثم نطعنه فى ظهره..

الملك

(فى سرور)

نعم يا مولاى لابد أن نخدعه بشئ ثم نطعنه فى ظهره..

مروان

هذه فكرة جميلة.. رائعة.. والآن دعه يأتى هنا مرة اخرى.

الملك

(فى سرور شديد)

مروان يخرج ثم يعود ومعه الرجل

 

أننى أعتذر عما بدر منى من غضب كنت أظنك واحد من الناس هنا ولكن حيث أنك غريب عن هذه البلد وأنك ضللت الطريق فسوف آمر جنودى بأن يرشدوك إلى طريق الحدود ولا يتركوك حتى تكون خارج هذه البلد وفى أمان وسلام..

الملك (بصوت هادئ وتودد)

شكرا يا سيدى. هذا فضل كريم منك.

الرجل

الملك يخاطب مروان بهلجة آمره.

 

مروان. أحضر هنا أحد الجنود

الملك

حاضر يا مولاى

مروان

يخرج مروان ويعود ومعه جندى مسلح

 

سترافق هذا الضيف الكريم حتى يخرج سالما آمنا من هذه البلد هل فهمت؟

الملك (يخاطب الجندى بلهجة آمره)

سمعا وطاعة يا مولاى

الجندى

أشكرك كثيرا.. أشكركم..

الرجل

مع السلامة

الملك

يخرج الرجل ومن خلفه الجندى المسلح

 

من هو أشجع جنودك؟

الملك

(يخاطب مروان)

وحدهما على المسرح

عثمان يا مولاى

مروان

أحضره إلى

الملك

سمعا وطاعة يا مولاى

مروان

يمثل الجندى عثمان بين يدى الحاكم وبعد أن يؤدى التحية

 

أرايت الرجل الغريب؟

الملك

نعم يا مولاى وقد أخذه عبيد إلى طريق الحدود كما أمرت يا مولاى

عثمان

جميل. الآن أريد منك أن تسير ورائهما من على بعد.. فاذا ما خلى الطريق وأظلمت السماء اقترب منه دون أن يراك واطعنه فى ظهره بسرعة.. إياك أن يلتفت وراءه قبل أن تصيبه الطعنة القاتلة..

الملك

سمعا وطاŸ