nawal and sherif

Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata

Home | Books

 

 

الحاكم بأمر الله

رواية تمثيلية من فصلين

 

بقلم

د. نوال السعداوى


 

تقديم

قد يصدم معنى من معانى هذه المسرحية بعض القراء أو المشاهدين.. وخاصة ذلك الذى يتعلق منه بالنواحى الحساسة فى العلاقات الإنسانية وبالذات علاقة الرجل والمرأة ولكنى أعترف بأن الأفكار والحوادث التى وردت فى المسرحية ليست بالجديدة وليست من خيالى، فقد أخذتها من التاريخ. وأنا لست من حفظة التاريخ لكن الذى يرجع إلى قراءة التاريخ يجد أن الإنسانية مرت بأزمنة غريبة. كان هناك زمن الرقيق والعبيد.. وكان هناك زمن يخصى فيه العبد ليخدم حريم السلطان بغير خشية على الحريم.. وكان هناك زمن الحاكم بأمر الله الذى أدعى الألوهية وقدسه بعض الناس وكان هو يقدس الحمار.

وقد استهوانى التاريخ بحوادثه الغريبة التى تكشف عن بعض الخبايا والتناقضات التى تنطوى عليها النفس المعقدة لذلك المخلوق – الإنسان- ورغم دراستى للطب والجراحة وإدراكى العلمى لجسم الإنسان إلا ان فكرة إخصاء العبيد التى حدثت فى التاريخ ظلت بالنسبة لى غامضة وشاذة توحى إلى بان إخصاء الرجل ليس هو الجراحة أو ما ينتج عنها من عقم مادى بقدر ما هو الإخصاء الفكرى أو النفسى وما ينتج عنه من عقم فى الفكر أو النفس.

نوال السعداوى                



الشخصيات:

رجل فى الأربعين. ضخم الجسم غليظ الملامح. صوته رفيع نوعا.

:

الحاكم بأمر الله

امرأة شابة فى الخامسة والثلاثين. فارعة القوام ممشوقة الجسم. لها وجه معبر وعينان قويتان. فيها حيوية ولها شخصية قوية جذابة. صوتها قوى عذب.

:

الملكة جنات

شاب فى الخامسة والثلاثين. طويل فارع القوام. قوى البنيان. ملامحه قوية فيه وسامة ونبل وطيبة. صوته قوى ممتلئ.

:

الرجل الغريب (ربيع)

امرأة عجوز فى الخمسين أو الستين.

:

الأم العجوز

شاب فيه قوة وطيبة

:

الجندى عبيد

شاب قوى الجسم. شرس العينين.

:

الجندى عثمان

رجل عادى.

:

رئيس الجند مروان

تمثال لحمار يبدو كأنه حقيقى.

:

الحمار (مولود)

رجل فى الستين أو الخمسين

:

رجل الكوخ العجوز

عدد من الجنود والعبيد والجوارى من النساء

طفل صغير

 



الفصل الأول

المشهد الاول

يفتح الستار عن صاحب الجلالة "الحاكم بأمر الله" وهو جالس على كرسى العرش المرتفع وتستند قدماه على قاعدة خشبية وتكونان فى مستوى رؤوس العبيد الذين يجلسون على الأرض.

عن يمين صاحب الجلالة الحاكم يجلس واحد من العبيد يحمل فى حجره ورقة وقلم وعن يساره جندى من العبيد يحمل سيفا. هو رئيس الجند.

الصمت يخيم على الجميع. صاحب الجلالة ينظر إلى العبيد نظرة متعالية شرسة وهم جلوس على الارض مطأطئين الرؤوس.

صاحب الجلالة يقف على قاعدة الكرسى الخشبية.

يهب كل العبيد وقوفا.

يظل صاحب الجلالة واقفا يتفرس فيهم.

ثم يجلس فيجلس العبيد.

صاحب الجلالة يقف مرة أخرى.

الجميع يقفون ما عدا رجل واحد يظل جالسا.

تدور عينا صاحب الجلالة على كل الناس لتستقر على هذا الرجل الذى لم يقف.

كل الرؤوس تتجه إلى هذا الرجل الجالس.

يلكزه الرجل المجاور له ليقف لكنه لا يقف ويظل جالسا يتطلع إلى صاحب الجلالة بعينين لا ترمشان.

تصيب صاحب الجلالة نوبة غضب شديدة. يشير إلى رئيس الجند الواقف إلى يساره. يسرع رئيس الجند للمثول بين يدى الحاكم بعد أن يؤدى بسيفه التحية التقليدية.

مولاى.

رئيس الجند

يصيح صاحب الجلالة بصوت غاضب ويتضح أن صوته رفيع وحاد كصوت النساء ويبدو صوته متناقضا مع ضخامة جسمه وشراسة عينيه.

 

يشير إلى الرجل الجالس.

 

من هذا الرجل يا مروان.

الحاكم

لا أعرفه يا مولاى. هذه أول مرة أراه هنا.

رئيس الجند

أحضره إلى هنا.

صاحب الجلالة

سمعا وطاعة يا مولاى.

رئيس الجند

يسرع رئيس الجند فيقبض على الرجل الجالس ويسوقه إلى الحاكم.

 

العبيد كلهم واقفين يراقبون المشهد فى صمت ورؤوسهم محنية فى ذل وخوف.

 

اقترب

صاحب الجلالة (مخاطبا الرجل)

الرجل يقترب من الحاكم بخطوات ثابتة رافعا رأسه.

صاحب الجلالة يشتد غضبه فينزل من فوق كرسيه العالى ويقترب من الرجل وينظر فى عينيه بقوة وتحدى.

الرجل يقف أمامه لا يتحرك وعيناه ثابتتان فى عينى الحاكم.

 

أخفض عينيك!

صاحب الجلالة فى غضب شديد

الرجل لا يرد ولا يخفض عينيه.

يشتد غضب الحاكم ويضرب الارض بقدمه ويصيح بصوت أكثر حدة:

 

أخفض رأسك.

 

الرجل لا يرد ولا يخفض رأسه.

 

ينتفض الحاكم من الغضب ويلتفت إلى رئيس الجند صائحا:

من هذا؟ مجنون؟ أم أصم؟ إلا يسمع ما أقول؟

 

أنا أسمع جيدا ولكنى لا أفهم تماما ما هو المطلوب منى!

الرجل (بصوت قوى شجاع)

لا تفهم؟ ما معنى أنك لا تفهم؟

الملك (يثور)

المطلوب منك أن تخفض رأسك فى حضرة مولانا الحاكم هيا أخفض رأسك وبسرعة..

رئيس الجند (يخاطب الرجل فى شدة)

لا أستطيع أن أخفض رأسى

الرجل

ألا ترى الناس من حولك.. أفعل مثلهم بسرعة.. لا تقف هكذا منصوب القامة..

رئيس الجند

هذا أعجب كلام سمعته فى حياتى.. لا أقف منصوب القامة؟!! لماذا؟

الرجل

(فى دهشة)

ألا تعرف لماذا؟ ألا تعرف أن هذه هى المادة الاولى من دستورنا؟ كل الناس تعرف فكيف لا تعرف أنت؟

رئيس الجند

الجهل بالقانون لن يحميك من العقاب الذى ستناله!

الملك فى (غضب)

الجهل بالقانون؟ وكيف لى أن أعرف أن هناك قوانين فى أى مكان من العالم يمكن أن تنص على الوقوف بدون نصب القامة؟

الرجل (ساخرا)

أتجهل القانون؟! أتجهل دستورنا؟

الملك

وكيف أعرفه وأنا لم يبق لى فى هذه المدينة سوى ساعات؟

الرجل

كأنك لست من هنا؟ لست من مدينتنا؟

الملك

فى دهشة وغضب

لا يا سيدى..

الرجل

الملك يبدو عليه الذعر ويأمر بصرف العبيد ويبقى معه فقط مروان رئيس الجند والرجل..

 

وما الذى أتى بك إلى هنا؟

الملك

فى شئ من الذعر

الصدفة وحدها هى التى اتت بى إلى هنا.. كنت سائرا فى طريقى فإذا بى أجد نفسى على حدود هذه المدينة.

الرجل

الصدفة وحدها؟ هذا شئ عجيب؟ ومن أين أتيت؟ ما هى بلدك؟ ما اسمك؟ من أنت؟

الملك

فى ذعر وغضب

إسمى أعرفه وهو ربيع أما بلدى فلم أعرفها بعد.

الرجل

ليس لك بلد؟

الملك

ليس لى بلد حتى الآن.. أنا رجل كثير السفر والترحال..

الرجل

هذا غريب جدا! وما الذى أتى بك إلى هنا؟!

الملك

الصدفة وحدها.. لابد أننى ضللت طريقى.

الرجل

ضللت طريقك؟! وما هو طريقك؟

الملك

طريقى طويل وشاق.. أننى متجه نحو وطنى.

الرجل

ولكنك قلت أنك ليس لك بلد.

الملك

نعم ليس لى بلد ولكنى ولدت فى مكان ما من الأرض..

الرجل

ألا تعرف أيضا أين ولدت؟

الملك

لا

الرجل

ألم تسال أمك أو أباك؟!

الملك

ليس لى أب أو أم

الرجل

الملك يبدو عليه شئ من الاضطراب.. يطلب من الرجل أن ينتظر بالخارج يبقى الملك ومروان على المسرح وحدهما

 

هذا غريب جدا.. وكيف ولد إذن؟! هل يمكن أن يولد أحد بغير أب أو بغير أم؟

الملك (فى غضب واضطراب)

(يخاطب مروان رئيس الجند) هل تصدق هذا يا مروان؟

 

قد يولد بغير أب ولكن بغير أم هذا مستحيل يا مولاى!

مروان

هذا رجل غريب كيف جاء إلى هنا ولماذا؟

الملك

ربما ضل الطريق يا مولاى

مروان

اتصدق كلامه؟ أنا لا أصدقه.. إنه يكذب.. فى عينيه شئ غريب لا يبعث على الراحة أو الطمأنينة.

الملك

وماذا نفعل به؟

الملك

مولاى أنت صاحب الأمر والنهى

مروان

فلننفذ عليه فورا القانون العام..

الملك

سمعا وطاعة يا مولاى..

مروان

يتحرك مروان لكن الملك يبدو مترددا يناديه مرة اخرى ويتشاور معه فى قلق.

 

ولكن أتظن أنه سيخضع بعد العملية؟

الملك

كل الرجال خضعوا بعد العملية يا مولاى فلماذا لا يخضع هو

مروان

نعم لماذا لا يخضع هو.. لماذا لا يخضع هو.. انه كالآخرين تماما.. خذه يا مروان ونفذ فيه القانون العام..

الملك

يتحرك مروان لكن الملك يظل مترددا ويستبقى مروان

 

ولكنى لا أظن أن هذا كاف.. لا أظن أن إخصاء هذا الرجل يكفى لإخضاعه.. فى عينيه شئ غريب لا أرتاح اليه.. إنه ليس كالآخرين.. لا.. لا.. إنه ليس كالآخرين..

الملك

نعم يا مولاى.. إنه ليس كالآخرين

مروان

وما العمل يا مروان؟

الملك

أأمر تطاع يا مولاى.

مروان

نتخلص منه وبسرعة.

الملك

سمعا وطاعة يا مولاى

مروان

يتحرك مروان. الملك يستبقيه

 

إلى أين أنت ذاهب. كيف سنتخلص منه؟

الملك

نقتله فى الحال يا مولاى.

مروان

نعم.. نعم اقتله فى الحال.. (مترددا مرة اخرى)

ولكن كيف ستقتله؟

الملك

(فى سرور)

إرفع السيف فى وجهه واضرب راسه.

مروان

هذا جميل! هذا جميل..  (مترددا مرة اخرى)

ولكن لماذا وجهه يا مروان.. لماذا لا يكون فى ظهره.. إنه رجل غريب.. رجل خطير.. ليس من السهل أن نضربه فى وجهه.. ربما تكون له حيل لا نعرفها.. ربما يكون قويا جدا.. ربما يقاوم.. ربما.. ربما يستطيع أن.. لا أعرف تماما ما الذى يمكن أن يفعله مثل هذا الرجل الشاذ.. إنه نوع غريب من البشر.. ربما يتقمص روحا شريرة.. الأفضل أن نخلص منه فى هدوء ودون أن يعلم.. لابد من مؤامرة.. لابد ان نخدعه بشئ ثم نطعنه فى ظهره..

الملك

(فى سرور)

نعم يا مولاى لابد أن نخدعه بشئ ثم نطعنه فى ظهره..

مروان

هذه فكرة جميلة.. رائعة.. والآن دعه يأتى هنا مرة اخرى.

الملك

(فى سرور شديد)

مروان يخرج ثم يعود ومعه الرجل

 

أننى أعتذر عما بدر منى من غضب كنت أظنك واحد من الناس هنا ولكن حيث أنك غريب عن هذه البلد وأنك ضللت الطريق فسوف آمر جنودى بأن يرشدوك إلى طريق الحدود ولا يتركوك حتى تكون خارج هذه البلد وفى أمان وسلام..

الملك (بصوت هادئ وتودد)

شكرا يا سيدى. هذا فضل كريم منك.

الرجل

الملك يخاطب مروان بهلجة آمره.

 

مروان. أحضر هنا أحد الجنود

الملك

حاضر يا مولاى

مروان

يخرج مروان ويعود ومعه جندى مسلح

 

سترافق هذا الضيف الكريم حتى يخرج سالما آمنا من هذه البلد هل فهمت؟

الملك (يخاطب الجندى بلهجة آمره)

سمعا وطاعة يا مولاى

الجندى

أشكرك كثيرا.. أشكركم..

الرجل

مع السلامة

الملك

يخرج الرجل ومن خلفه الجندى المسلح

 

من هو أشجع جنودك؟

الملك

(يخاطب مروان)

وحدهما على المسرح

عثمان يا مولاى

مروان

أحضره إلى

الملك

سمعا وطاعة يا مولاى

مروان

يمثل الجندى عثمان بين يدى الحاكم وبعد أن يؤدى التحية

 

أرايت الرجل الغريب؟

الملك

نعم يا مولاى وقد أخذه عبيد إلى طريق الحدود كما أمرت يا مولاى

عثمان

جميل. الآن أريد منك أن تسير ورائهما من على بعد.. فاذا ما خلى الطريق وأظلمت السماء اقترب منه دون أن يراك واطعنه فى ظهره بسرعة.. إياك أن يلتفت وراءه قبل أن تصيبه الطعنة القاتلة..

الملك

سمعا وطاعة يا مولاى..

عثمان

يتحرك عثمان.. الملك يناديه مرة اخرى

 

اسمع.. لا تاخذ الأمر ببساطة ككل مرة.. إنه ليس كهؤلاء الذين تقتلهم.. إنه مختلف.. إنه شاذ.. هل رأيته؟

الملك

نعم يا مولاى

عثمان

هل رأيته وجها لوجه. أعنى هل نظرت فى عينيه؟

الملك

لا يا مولاى..

عثمان

هذا أفضل لك.. هذا يسهل عليك مهمتك.. أعنى أنك لو نظرت فى عينيه ربما.. ربما كنت تشعر بشئ من الخوف.. لا لا.. لا أقصد الخوف ولكن شئ آخر.. ارتياب مثلا.. قلق.. ذعر.. لا لا.. ليس ذعر على الإطلاق.. على أى حال أنا مطمئن لشجاعتك وقوتك.. هيا انطلق ولا تعود إلا برأسه..

الملك

سمعا وطاعة يا مولاى

عثمان

يخرج عثمان

 

الملك يجلس مفكرا.

 

هل يريدنى مولاى؟

مروان

لا إذهب أنت يامروان؟

الملك

الملك وحده على المسرح يبدو عليه القلق والتفكير. يتمشى على المسرح ذهابا وإيابا يكلم نفسه: لا يستطيع أن يخفض رأسه؟ ليس له بلد.. ليس له أب ولا أم.. أيمكن لمثله أن يضل الطريق؟!

 

تدخل الملكة جنات. يبدو عليها الاضطراب.. تتلفت حولها فى ذهول

الملك تبدو عليه الدهشة.

 

ما الذى أتى بك إلى هنا فى هذه الساعة؟

الملك

لا أدرى تماما.. ولكنى كنت أجلس فى الحجرة المجاورة..

الملكة

(فى اضطراب)

كنت فى الحجرة المجاورة؟ وماذا كنت تفعلين فى الحجرة المجاورة.. لماذا خرجت من الحرملك؟

الملك

(فى اضطراب)

كان الجو حارا وأردت أن أطل من النافذة..

الملكة

الملكة تتجه نحو النافذة.. يبدو عليها الاضطراب.. كأنما تبحث عن شئ..

 

ماذا دهاك.. عم تبحثين؟

الملك (فى دهشة)

لا شئ.. لا أدرى تماما ولكنى سمعت صوتا..

الملكة

صوت؟ أى صوت؟

الملك

(فى اضطراب)

لا أدرى تماما.. ولكنى سمعت صوتا غريبا

الملكة

صوتا غريبا؟ لم يكن هنا أى صوت غريب..

الملك

لم يكن هنا صوت؟ شئ غريب.. شئ غريب جدا.. ولكنى سمعت صوتا.. سمعت صوتا لم تسمعه أذناى من قبل..

الملكة

صوت لم تسمعه أذناك من قبل؟ وماذا يمكن أن يكون هذا الصوت؟

الملك

لا أدرى..

الملكة

لا تدرى.. لابد أنك تخرفين

الملك

أخرف؟!

الملكة (فى شى من الغضب)

لا أقصد تخرفين ولكن ربما كنت جالسة إلى جوار النافذة ثم غفوت لحظة وحلمت..

الملك (يتراجع)

حلمت؟!

الملكة

(فى ذهول)

نعم.. ربما حلمت بأنك سمعت صوتا.. إلا يحدث أحيانا أن تنامى وأنت جالسة وتحلمين..

الملك

أكان حلما؟!

الملكة

هل نسيت ذلك الحلم الغريب الذى حكيته لى منذ ايام.

الملك

ولكن هذا شئ غريب.. هذا صوت لم أسمعه من قبل.. لم أكن نائمة.. أبدا أبدا لم أكن نائمة!!

الملكة

الملكة يبدو عليها الاضطراب.. تتلفت حولها كانما تبحث عن هذا الصوت.

 

أنت لست فى حالتك الطبيعية يا حبيبتى.. ربما لم تنامى نوما كافيا.. أو لعل أعصابك مرهقة.. لأننى..

(يقترب منها فى تودد شديد وهى تبتعد عنه).. لأننى لم.. أقصد لأننا لم نجلس معا ليلة الأمس جلستنا الغرامية المعتادة.. ولكن ماذا أفعل يا حبيبتى كنت مشغولا جدا ليلة الأمس ولم يكن فى استطاعتى أن أترك مجلس البلاط مجتمعا ثم آتى اليك..

الملك (فى تودد)

الملكة لا ترد ويبدو عليها أنها منشغلة بالبحث عن الصوت الغريب.

 

ولكن هذه هى الليلة الوحيدة التى لم نجلس فيها معا.. الليلة الوحيدة التى مرت من حياتك دون ان تسمعى..

(يقترب منها وهى تبتعد عنه).. الليلة الوحيدة التى لم تسمعى فيها كلام الحب.. ولكن.. ولكنك ستغفرى لى حين أسمعك الآن.. لماذا تبعدين عنى هكذا يا جنات..

الملك (فى رقة)

جنات تجلس بعيدا عنه. الملك يذهب إليها ويجلس إلى جوارها.. يفتش فى جيوبه لحظة ثم يخرج يده من جيبه بقطعة من الورق مطوية.

 

ستهدأين تماما حيت تسمعين هذا الكلام الجميل.. استمعى يا حبيبتى إلى رسالة الليلة..

الملك

(يفتح الورقة)

(يتأهب للقراءة).. حبيبتى جنات.. حياتى ونور عينى..

الملكة تقاطعه بشئ من الضيق.

 

هل ستقرأها ككل ليلة؟

الملكة

نعم يا حبيبتى.. نعم..

الملك

لا أرجوك.. إعفنى الليلة.. لا أستطيع أن أسمع..

الملكة

لا تستطيعين أن تسمعى؟

الملك (مندهشا)

أنا متعبة. أريد أن أبقى وحدى.. لا أريد أن أسمع أى شئ

الملكة

وهل رسائلى أى شئ يا جنات؟

الملك

قلت لك أننى متعبة.. اشعر بالآم فى اذنى.. لا أستطيع أن أسمع..

الملكة

أؤكد لك أن ألم اذنيك سوف يضيع تماما بعد أن تسمعى كلماتى..

الملك

لا.. لن يضيع الالم.. بل لعله سيزيد.. قلت لك لا استطيع أن أسمع.. لا أحب أن أسمع!!

الملكة (تغضب)

لا تحبين أن تسمعى رسائلى؟ أما كنت تحبين هذه الرسائل؟

الملك (فى رقة)

كنت.. نعم كنت.. ولكنى.. ولكنى سمعتها مئات المرات وحفظتها عن ظهر قلب.

الملكة

هذه الرسالة مختلفة عن الرسائل الاخرى.. وعباراتها أكثر جمالا.. اسمعى..

الملك

يتأهب للقراءة مرة اخرى

 

لا أريد أن أسمع.. تعبت من السماع يا هوه!

الملكة (فى ضيق)

 

تضع يديها على أذنيها

 

هل هناك امرأة فى العالم تتعب من سماع عبارات الحب والغرام؟

الملك

(متصنعا الدهشة)

نعم.. إنها أنا..

الملكة

ولكنك كنت تحبين هذه العبارات؟

الملك

كنت أحبها ولكنى سئمتها.. سئمت السماع أريد شيئا آخر غير الكلام..

الملكة

وهل رسائلى كلام يا حبيبتى؟ رسائلى التى أكتبها لك بكل أحاسيسى وجوارحى.. رسائلى التى أنفقت فى كتابتها نصف عمرى.. رسائلى التى تملأ هذا الصندوق الكبير.

الملك

يشير إلى الصندوق الكبير فى الركن

 

هل هناك امرأة فى العالم تلقت من زوجها كل هذه الرسائل؟

 

ولكن الرسائل لا تفعل شيئا.

الملكة

لا تفعل شيئا؟! هذه أول مرة أسمع منك هذه العبارة.. لا يمكن أن تكونى فى حالتك الطبيعية.. لا يمكن.. لست جنات التى كنت أعرفها.. ماذا حدث لك يا عزيزتى؟..

الملك

فى دهشة شديدة جدا

لا ادرى.. ولكنى أحس أننى لست..

الملكة

(تسكت لحظة فى اضطراب).. نعم أحس أننى لست كما كنت..

 

(تسير وحدها بعض خطوات كالحالمة).. لا يمكن أن يختلط على الأمر إلى هذه الدرجة.. انى متأكدة أنى سمعت.. نعم سمعت ذلك الصوت.. وأحسست أننى أرتجف.. كنت أرتجف فعلا.. واختفى الصوت فجأة.. وظننت أنه سيعود لكن وقتا طويلا مر دون أن يأتى..

 

أتعودين إلى هذه الهلوسة يا جنات؟ ألن تنسى هذا الحلم؟

الملك

لن أستطيع أن أنسى.. لقد أحسست أننى.. كأننى كنت مدفونة تحت الأرض وفجأة رأيت شعاعا من النور.. كأننى كنت ميتة وفجأة بدأ شئ حى يتحرك فى كيانى الميت.

الملكة

ما هذا الهذيان الشديد؟! لقد بدأت أسأم هذا الحديث الخرافى.. لم أعد أفهمك.. لم أعد أفهم ماذا تريدين؟.. وما الذى يمكن أن تريديه؟ كل شئ عندك.. كل شئ عندك.. أجمل ملابس. أثمن جواهر.. أشهى طعام.. وفوق كل ذلك.. عندك (يشير إلى الصندوق الكبير) كل هذه الرسائل..

الملك

يبدأ يغضب قليلا

وماذا يفعل لى كل هذا.. ماذا يفعل لى كل هذا؟

الملكة

(فى غضب)

حتى رسائلى يا جنات لا تفعل لك شيئا؟ حتى رسائلى؟

الملك (فى عتاب)

نعم إنها لا تفعل شيئا.. لم تعد تفعل شيئا.. إن الدم ينبض فى عروقى والحياة تسرى ساخنة فى جسمى ماذا تفعل رسائل؟ ماذا يفعل لى كلام كلام كلام!!!

الملكة

تبكى فى حرقة وتخفى وجهها بيديها

 

وماذا تريدين إذن؟

الملك

(متصنعا الرقة)

لا أدرى

الملكة

(تجفف دموعها)

إذا كنت أنت لا تدرين فكيف أدرى أنا؟!

الملك

إنى مرهقة.. أريد أن أستريح..

الملكة

(فى ارهاق)

نعم أنت فى حاجة إلى الراحة.. أنت فى أشد الحاجة إلى الراحة.. لابد أن تذهبى وتنامى فى سريرك..

الملك

(يساعدها على النهوض).. اذهبى ونامى يا حبيبتى..

 

يخرجها من المسرح

يبقى الملك وحده على المسرح. يبدو عليه القلق والاضطراب فجأة. يكلم نفسه.. لابد أنها سمعته! لابد أنها سمعت صوته! ولكن أيمكن أن تتغير إلى هذا الحد؟ أيمكن أن تحس به إلى هذا الحد؟ وماذا يحدث لو أنها فتحت الباب ودخلت ورأته؟!.. آه ما الذى لأتى به الينا؟! أيمكن أن تكون الصدفة وحدها؟ أمجرد صدفة؟! أيمكن أن يضل هو الطريق؟! لست مطمئن.. لست مطمئن.. هناك إصبع يلعب فى الخفاء. نعم أحسست بمجرد أن نظرت فى عينيه أنه ليس كالآخرين.. إنه مختلف، مختلف.. وهى استطاعت من وراء الباب المغلق أن تحس أنه مختلف؟ كيف استطاعت أن تحس؟! كيف استطاعت هذه المرأة الغبية!!

 

يسكت لحظة فى وجوم ثم يقول: ولماذا لم يعد عثمان برأسه حتى الآن؟! لماذا لم يعد عثمان؟! يصرخ بأعلى صوته فى انفعال وذعر: ماذا حدث يا عثمان؟!! ماذا حدث؟

 

يسدل الستار

*  *  *  *  *


المشهد الثانى

الملك جالس وسط حاشيته وأعضاء البلاط.. مروان وعدد آخر من العبيد.. بعض الجوارى من النساء.. الملك يشرب الشيشة وجارية من الجوارى تشرب شيشة أيضا.. الجو معبأ بدخان البخور مختلطا بالمخدرات والنساء. فى ركن المسرح البعيد حمار من الخشب له عجل.

إنى قلق يا مروان.. قلق

الملك

يتحدث مع مروان

لا داعى للقلق يا مولاى.. عثمان لم يتأخر

مروان

الدنيا أظلمت والليل كاد أن ينتصف وهو لم يعد؟!

الملك

لابد أنه عائد فى الطريق يا مولاى

مروان

أتظن أنه قتله؟

الملك

إننى متاكد من عثمان يا مولاى.. عثمان أشجع جندى عندنا.. لا يهزمه أحد..

مروان

الملك يسكت ويفكر فى وجوم.

 

لا تشغل بالك يا مولاى.. سيدخل علينا عثمان بعد قليل ومعه الرأس..

مروان

ومعه الرأس؟ كلامك مطمئن يا مروان.

الملك (ينشرح قليلا)

سيكون كل شئ كما يبغيه مولاى..

مروان

أعرف هذا

الملك (باسما)

والآن أيرغب مولاى فى بعض الأغانى.. والرقص..

مروان

(ينتهز فرصة انشراح الملك) لابد أن نحتفل مقدما بقدوم الرأس..

 

أجل يجب أن نحتفل.. هيا ابدأو..

جارية  ترقص على وقع الطبول.. جارية أخرى تغنى. الملك يدخن الشيشة ويبدو عليه بعد قليل الانشراح والاندماج الكامل فى الجو. يبدو عليه السكر وهو يتحدث مع مروان.

الملك

يضحك فى سرور

وماذا نفعل يا مروان فى تلك المرأة؟

الملك بصوت مخمور

أى امرأة يا مولاى؟

مروان

زوجتى.. الملكة جنات..

الملك

ماذا حدث لها يا مولاى؟

مروان

لا أدرى.. ولكنى أشك فى أنها سمعت صوت الرجل من وراء الباب.. أو ربما رأته من النافذة ولكنها لا تعترف بشئ.. كل ما تقوله أنها سمعت صوتا غريبا.. صوتا جعل..

الملك

(الملك يحاول أن يتذكر).. لا أذكر بالضبط كيف نطقت بهذه الجمل.. ولكنها قالت أن الصوت جعل شيئا فى جسمها ينبض بالحياة..

 

تصور يا مروان جنون النساء.. النساء ليس لهن أمان.. مهما فعلت فهم كالقطط يشمون الرائحة من بعيد.. الخيانة فى دمهم..

الملك

يضحك مخمورا

سوف تنسى الملكة كل شئ بعد أيام.

مروان

لا أظن.. لا أظن أنها ستنسى.. إنى أعرفها.. لقد تغيرت يا مروان.. تغيرت تماما.. لم تعد هى جنات القطة المغمضة.. بدأت تتذمر.

الملك

تتذمر؟ إن كل نساء البلد يحسدونها.. إنها أسعد امرأة فى العالم.

مروان

ولكنه بطر النساء يا مروان.. بطر.. وعين فارغة..

الملك

كل شئ له علاج يا مولاى..

مروان

وما هو العلاج؟

الملك

العلاج عند..

مروان

يشير إلى جارية عجوز تجلس وسط الجوارى..

 

أحضرها إلى هنا

الملك

سمعا وطاعة يا مولاى

مروان

مروان يذهب إلى الجارية ويهمس فى أذنها ببضع كلمات فتنهض الجارية معه ويسيران نحو الملك.

 

أنا تحت أمر مولاى

الجارية

هل شرحت لها يا مروان؟

الملك

نعم يا مولاى

مروان

هل أنت قادرة على اخراج تلك الخزعبلات من رأسها؟

الملك

كن مطمئن يا مولاى. أنا خبيرة بهذه الأمور..

الجارية

خبيرة؟ أين تدربت على هذه الأشياء

الملك

فى الحياة يا مولاى..

الجارية

وإذا لم تخرج الخزعبلات من رأسها..

الملك

أفعل بى ما تشاء يا مولاى.

الجارية

إنها متمرنة يا مولاى

مروان

وماذا ستفعلين؟

الملك

بعد أن تنام مولاتى سأدخل عليها ومعى البخور.. أبخرها سبع دقائق ثم أضع قطعة الشبة فى النار وأقص من شعرها سبع شعرات الفها مع فص لبان دكر وأعمل لها الحجاب وأضعه تحت المخدة.. بعد هذا تفتح مولاتى عينيها فى الصباح فتجد كل شئ قد ذهب من رأسها..

الجارية

أريدها أن تنسى.. تنسى تماما ذلك الصوت الذى هوسها.. تنساه كأن لم يكن..

الملك

لن يبقى منه فى رأسها شئ يا مولاى

الجارية

اطمئن يا مولاى..

مروان

لست مطمئن.. لست مطمئن إلى أى شئ.

عثمان لم يعد حتى الآن..

الملك

سيعود حالا يا مولاى..

مروان

قلت لى هذا مئات المرات ولم يعد..

ينهض

الملك (بغضب)

يبدو عليه القلق والغضب

 

(يطرد المغنيات والراقصات فى غضب): لا أريد أن أسمع غناء لا أريد أن أسمع أصواتكم المنفرة ولا أريد أن أرى وجوهكم العكرة.. هيا انصرفوا بسرعة.. بسرعة..

 

الجاريات يجمعن أشياءهن ويخرجن من المسرح مسرعات مذعورات يبقى الملك ومروان وحدهما على المسرح

 

ما معنى هذا؟ ما معنى هذا يا مروان؟

الملك

لعله قد صنع له كمينا ليطعنه فى ظهره الطعنة القاتلة.

مروان

ولكنه تأخر.. تأخر أكثر من اللازم..

الملك

لم يتأخر كثيرا يا مولاى.. لابد أنه فى طريق العودة

مروان

كفى! لا اريد أن أسمع هذا الكلام المعسول.. اتركنى وحدى..

الملك

سمعا وطاعة يا مولاى

مروان

يخرج مروان.. يبقى الملك وحده على المسرح.. يتمشى قلقا مفكرا.. يقترب من الحمار الواقف فى ركن المسرح.. يربت على الحمار فى رقة وحنان

 

عثمان تأخر يا مولود.. ماذا حدث؟ خبرنى يا مولود.. خبرنى.. لم أعد أطيق الانتظار..

يخاطب الحمار

(يضع أذنه إلى جوار فم الحمار كانه يسمعه).. ماذا تقول.. تريد أن تتمشى فى الصحراء ثم تخبرنى بكل شئ.. لماذا تحب الصحراء بهذا الشكل.. (يبتسم للحمار ويداعبه).. أنا أيضا أحب أن أتمشى فى الصحراء برفقتك.. هيا يا مولود هيا بنا إلى نزهتنا الخلوية معا.. هيا نتحدث معا فى هدوء بعيدا عن الآذان والعيون.. تحكى لى وأحكى لك.. تحكى لى وأحكى لك.. يسوق الحمار ويأخذه خارج المسرح.

 

ستار

*  *  *  *  *


ما بعده

home | books |
Copyright ©Nawal Saadawi & Sherif Hetata