nawal and sherif

Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata

Home | Books

الأطفال يغنـــــون للحـــب

مسرحية من ثلاث فصول

بقلم

د. نوال السعداوى



الفصل الثانى

المشهد الاول:

الحجرة التى يسكنها منصور أحمد.

 

منصور جالس على ضوء اللمبة يكتب وعلى المكتب زجاجة خمرة فارغة. يفرغ منها آخر كأس.

 

يكور الورق ويلقيها فى سله المهملات

 

أكتب زاى بس وهو واقف فوق دماغى بالشكل دى؟

منصور يكلم نفسه

مش هاين عليه يسبنى ليلة واحدة لوحدى. والإزازة خلصت والحاجات اللى عاوز اقولها كثيرة مش بتخلص.

يفرغ آخر قطرة من الزجاجة.

 

اسمع يا أخ. خلى عندك ذوق الليلة وروح بدرى. بصراحة كده فيه واحدة ست جاية الليلة وأظن يعنى مش معقول تفضل لازق لى بالشكل ده ياللا يا عزيزى من غير مطرود على بيتكم (يدفع الشخص الوهمى حتى الباب). ياللا……

منصور يكلم الشخص الوهمى

تدخل زكية وتراه وهو يطرد الشخص الوهمى

 

والله باين ما فيش فايدة يا منصور.

زكية

ما فيش فايدة ازاى يا زكية. فيه فايدة وفايدة وفايدة.

منصور

فين هى الفايدة دى بس؟

زكية

أصبرى بس الليلة يا زكية. وحتشوفى منصور له فايدة أد إيه. ومن بكرة  الصبح يا زكية حاسدد لك الفلوس اللى خدتها سلف، وحادفع الإيجار المتأخر. خلاص فرجت يا زكية. فرجت. والليلة حاقبض خمسين جنية. فرجت..

منصور

خمسين حنية مرة واحدة. إش. إش. بعت الرواية والا إيه يا منصور.

زكية

إيه.

منصور

إيه معناها إيه دى يا منصور.

زكية

من ناحية بعت أيوة بعت لكن بعت إيه بقه مش مهم

منصور

حتبيع إيه يا منصور؟ هو إنت عندك حاجة غير الرواية.

زكية

طبعا عندى حاجة غير الرواية يا زكية. عندى حاجة مهمة خالص. أهم من الرواية. كنت شايلها فى حتة  مكينة ومخبيها بطريقة جهنمية بحيث ما فيش حد يقدر ياخدها منى وامبارح فى نص اليل فكرت كده وانا قاعد لوحدى ياواد حتفضل شايلها كده لإمته ما تبيعها وتخلص منها بدل ما إنت شايلها كده فوق قلبك زى الهم على القلب، واهو كمان يجيلك من وراها قرشين تسدد ديونك

منصور

بعت إية يا منصور؟ قوللى.

زكية

بعت نفسى.

منصور

نفسك؟ وبعت نفسك ازاى يا منصور؟

زكية

ما تتخضيش قوى يا زكية. الحقيقة إنه مش بيع بيع إنما يعنى كده زى ما يكون بيع مؤقت أو تأجير حاجة زى كده.

منصور

تأجير؟

زكية

لمدة ليلة واحد بس. ويمكن ما يكونش ليلة كاملة يمكن ساعة بس. والساعة يمكن تنقص نص ساعة أو عشرين دقيقة. على العموم أنا وشطارتى.

منصور

أنا مش فاهمة حاجة خالص. إوع تكون يا منصور حتعمل فى نفسك حاجة مش كويسة.

زكية

حاجة مش كويسة يعنى إيه يا زكية؟

منصور

يعنى حاجة مش كويسة.

زكية

برضه مش فاهم مش كويسة يعنى إيه؟ أو مش كويسة فى نظر مين؟ أنا والا الناس؟ إيه رأيك بقه إن كل الحاجات اللى فى نظر الناس كويسة فى نظرى أنا مش كويسة. وكل الحاجات اللى فى نظرى كويسة فى نظر الناس مش كويسة. أبسط مثل إنت يا زكية.. إنت فى نظر الناس ست هربت من جوزها وأهلها وعايشة لوحدها، ومأجرة أودة لراجل غريب، ولها إبن ما حدش يعرف أبوه مين. كل ده فى نظر الناس حاجات كويسة؟

منصور

الناس عاوزة الست تبيع نفسها بورقة الجواز وتعيش زى الجارية تخدم جوزها عشان يوكلها ويكسيها أنا شقيانه وتعبانه وباشتغل ليل نهار لكن حاسة إنى حرة نفسى أنا اللى بوكل نفسى وما حدش له عندى حاجة،  والأودتين البلاط اللى أنا عايشة فيهم أحسن من شقة جوزى المليانة عفش وموبيليا. إيه الفايدة العفش والفلوس والراحة وكل ليلة أحس إنى با بيع نفس لراجل مش عاوزاه.

زكية

وتفتكرى يا زكية كام واحدة كده بتتجوز الواحد اللى هى عاوزاه. وتفتكرى  كام واحد بيجوز الواحدة اللى حبته وادته قلبها. الجواز عملية حسابية، زى البورصة، الأشطر يكسب واللى يفكر بقلبه وعواطفه فى البورصة يخسر. وإنت فى نظر الناس يا زكية الخسرانه.

منصور

خسرانة خسرانة بس عندى شرف.

زكية

شرف؟ أيوا هى دى الكلمة اللى ما حدش فاهمها هو الشرف يعنى إية يا زكية؟

منصور

يعنى الواحد يقول الحق.

زكية

آخ. يا نهار اسود. ده إنت مصعباها قوى.

منصور

ده إنت مش مصعباها وبس ده إنت مخلياها كده حاجة زى المستحيلة ده الواحد عشان يقول الحق يا زكية يبقى تقريبا يعنى كده مش موجود أو على الاقل مش فى وعيه. أو يعنى على الاقل مش فى عقله الواعى. يعنى تبقى القشرة (يشاور على راسه) أيوه القشرة المخيه الوقائية دى تبقى متشاله خالص. متشاله خالص. وعشان القشرة دى تنشال يبقى لازم الواحد يجيب إزازة تانية. وثالثة وإنت عارفة يا زكية الأزايز غالية، وناس كتير حالتها المالية ما تسمحش ناس كتير زى حالاتى ما يقدروش نعمل اية يا زكية. الفلوس قليلة والأزايز غالية الناس تجيب أزايز منين يا زكية. منين أقسم لك يا زكية ان لولا أهمية الأزايز عندى أنا ما كانش يهمنى حكاية الفلوس دى أبدا. والأزايز مهمة عندى قوى عشان احافظ على نفسى، وعشان اقدر أقول الحق. عشان ابقى إنسان شريف. عشان ما ابيعش نفسى. إنما ما فيش أزايز من غير فلوس، وعشان اجيب فلوس يا زكية لازم ابيع نفسى، إنما أنا حاطط فى مخى إنى با ابيع نفسى عشان احافظ على نفسى. فاهمانى يا زكية؟

 

فاهماك ومش فهماك يا منصور.

زكية

مش فاهمة إية يا زكية؟

منصور

حتبيع نفسك ازاى ولمين؟ هو إنت لو كنت من اللى يبيعوا نفسهم كنت بقيت فى الحالة دى يا منصور ده إنت ضحيت بوظيفتك وما هيتك عشان ما تكدبش كدبة واحدة وتقول للمدير بتاعك..

زكية

ده كان زمان، أيام الروعنة والطيش. الروعنة والطيش عند المدير بتاعى كان معناها إن الواحد يقول الحق. والاتزان والعقل عنده إن الواحد يقول الحاجة اللى فى دماغ سيادته. بالضبط. بالضبط. بالحرف الواحد وكان دماغ سيادته مترتب زى الدفتر، الحرف جنب الحرف، والكلمة ورا الكلمة، والسطر بعد السطر، نظام دقيق زى الدفاتر تمام، وكانوا زمايلى فى العمل بينصحونى ويقولولى يا منصور سدد دفاترك. سدد دفاترك عشان المفتش لما ييجى يلاقى كل حاجة مضبوطة تمام، الدفاتر وبس. الناس مش تبص غير فى الدفاتر مالهاش غير الحاجة اللى مكتوبة على الورق. عمر الناس تبص غير للورق. إنما إيه اللى اتعمل بصحيح. إيه الى جوه القلب بصحيح ما حدش بيبص جوه القلب. ما حدش بيبص جوة القلب يا زكية. المهم عندهم ورق الحسابات، ورقة الجواز، شهادة الميلاد، شهادة التخرج، دفاتر الوارد والصادر والحساب الختامى. مدام الدفاتر مضبوطة والخانات متسددة يبقى خلاص. كل حاجة تمام. إنما القلب من جوه ما حدش بيبص للقلب من جوه كلهم بيبصوا للواحد من بره؟ شكله إيه، لابس إيه، معلق على ظهره يا فطة شكلها إيه راكب عربية طولها إيه.

منصور

كدابين. كلهم كدابين. والكداب ما يطيقش اللى يقول الحق. لأنه بيكشف كدبه ويعريه زى اللون الأبيض ما ييجى جنب اللون الاسود. الاسود مش بيبان اسود إلا جنب الابيض.

يثور فى غضب

وبعد كل ده يا منصور. بعد كل السنين اللى حافظت فيها على نفسك، بعد كل اللى ضحيت بيه عشان ما تكونش كداب، بعد كل ده يا منصور تفكر دلوقت إنك.

زكية

هى كدبة واحدة يا زكية.

منصور

واحدة زى عشرة يا منصور. مش إنت اللى تعمل كده.

زكية

مش أنا مش أنا. هو لازم أبقى أنا على طول يجرى إيه يعنى لو بقيت واحد تانى مرة.

منصور فى حنين

ما تقدرش يا منصور. شوف توفيق متعذب أد إيه.

زكية

وانا يعنى اللى مش متعذب.

منصور

عذاب عن عذاب أرحم.

زكية

أهو كله عذاب وبس. ثم إن الكدبة بتاعتى مش زى كدبه توفيق. لا حد حيعيا ولا حد حيموت ولا حاجة. بالعكس دى كدبة مفيدة خالص. حتنقذ حياة واحدة ست متجوزة من الانهيار. وحتنقذ ثروة راجل غنى من الضياع فى إيدين الناس الغرب وفوق كل ده فيه بنى آدم جديد حينخلق.

منصور

بنى آدم حينخلق؟

زكية

أيوه. إيه؟ صعبة دى. دى أسهل حاجة فى الدنيا. ده كل ثانية من الثوانى فيه بنى آدم جديد بيتخلق. الإحصاءات بتقول كده. وعشان كده يا زكية أسهل حاجة إنى أعمل واحد. يمكن يطلع كويس. حد عارف.

منصور

حتجوز يا منصور وتخلف والا إيه؟

زكية

حتجوز لا. إنما حاخلف آه. مش عارف ليه ربنا خلقنى كده أكره الجواز قوى، واحب الخلف قوى. مش عارف ليه بحب الأطفال مع إنى وانا طفل كنت بكره نفسى. وكنت بأحس إن ما فيش حد بيحبنى. أمى ماشفتهاش. ابويا طلقها وانا عندى ثلاث سنين. وقالولى انها اتجوزت واحد تانى وسافرت معاه الكويت. وابويا كان راجل ما عندوش غير اللى فى دماغه. اللى فى دماغة بس هو الصح تمام زى المدير اللى عندنا.

منصور

يعنى حتبقى أب يا منصور؟

زكية

المفروض إنها تيجى بعد ربع ساعة. لو جت فى ميعادها يبقى المفرووض انى بعد تسع شهور وخمستاشر دقيقة حيكون لى إبن.

منصور ينظر فى ساعته

وحتسميه إيه يا منصور؟

زكية

حسمية محمود على زكريا المحلاوى.

منصور

باين عليك تعبان وعاوز تنام يا منصور. كل ده من السبرتو اللى بتحرق بيه دمك كل يوم. يا ريت يا منصور ربنا يهديك وتبطل الأزايز دى وتفوق لنفسك وتكتب زى ما كنت زمان.

زكية

أقسم لك يا زكية إن دى آخر ليلة. وبعد كده حيكون عندى إرادة حديد. عارفة حديد يعنى إيه بس المهم اليلة يا زكية. اليلة تفوت على خير وعشان تفوت على خير لازم اجيب إزازة. إزازة واحدة يا زكية آخر واحدة أقسم لك إنها آخر واحدة. بكرة الصبح حاسدد لك كل اللى علي. بس المهم ادينى الليلة آخر مرة يا زكية

منصور

زكية تضع يدها فى جيبها وتناوله شيئا من النقود.

 

كل مرة بتقول انها آخر مرة يا منصور.

زكية

لا المرة ده غير كل مرة يا زكية.المرة دى آخر مرة حتشوفى انها آخر مرة حتشوفى يا زكية.

منصور

حنشوف يا منصور.

زكية

زكية تخرج إلى حجرتها.

 

ومنصور يرتدى جاكتة ويخرج من الباب ويتركه مفتوحا.

 

حجرة منصور خالية والباب مفتوح.

 

تظهر حسنية بملابسها الأنيقة الغالية عند الباب المفتوح. تدخل الى حجرة منصور الخالية تتجول وتتلفت حولها. فلا تجد أحدا.

 

لازم غلط فى العنوان.

حسنية تكلم نفسها

تقترب من المكتب. تنظر فى بعض الأوراق عليه

 

خطه تمام. لكن دى أودة دى يسكن فيها. (تقترب من الكنبة) ودى إية دى. معقول انى أنام على الفرش الوسخ ده. أنا عارفة إية اللى خلانى اقل عقلى وآجى. وكمان يا ريته هنا. لازم نسى الميعاد. لكن ينساه ازاى. مش معقول يمكن حاجة طارئه جت له. (تقترب من المكتب) سايبلى ورقة والا حاجة. تنظر فى الأوراق تقرأ فيها باهتمام شديد. يبدو عليها الذعر والضيق والغضب,

حسنية تكلم نفسها

يا خبر اسود. بقه ده كلام يكتبه عنى. بقه ده رأيه فى. بقه أنا؟ أنا. حسنية يوصفنى بالشكل ده؟

تكلم نفسها

تقرأ بانهماك شديد ويزول الغضب تدريجيا ليحل مكانه شعور بالأسى والحزن.

 

إخص عليك يا منصور إنت كمان بتظلمنى. إنت كمان مش قادر تفهمنى وتفهم الحاله اللى أنا فيها. لكن من إمته فيه راجل يفهم الست. ما فيش راجل يقدر يفهم الست. الرجاله أنانيين. كل واحد يفكر فى نفسه بس. حتى إنت يا منصور كنت فاكراك تقدر تفهم. كنت متصورة إن مخك أحسن شوية وتفكيرك متحرر. لكن اتاريك زى كل الرجاله. زيهم كلهم بوشين. وش قصاد الناس برئ ومحترم وآخر أدب، ووش من ورا الناس لا براءة ولا أدب. الخيانة فى دمهم، والكدب. بقه انا يا منصور اللى كدبت؟ والا الدنيا كلها هى اللى ما عنديش قلب والا الدنيا كلها هى اللى كدبت على من يوم ما اتولدت لغاية النهاردة. بقه أنا اللى ما لهاش قلب والا الدنيا اللى مالهاش قلب ولا عمرها ترحم البنت أو الست. والدنيا هى مين غير الرجالة اللى فى ايديهم كل حاجة، كل حاجة حتى الجنين اللى جوه جسمها واللى بيعيش على دمها. إنت كمان بتظلمنى يا منصور؟ مش كفاية ظلمونى كلهم من أول ابويا وامى لغاية جوزى.. (تبكى فى ألم وتمسح دموعها) بقه أنا ما عنديش قلب يحب؟ يا ما قلبى حب واتهان فى الحب. كان عندى سبعتاشر سنه باحب الدنيا وبحب الناس، واديت قلبى لقنديل كل قلبى لقنديل. لكن قنديل زى كل الرجاله. يضئ المسرح فى الركن وتظهر حسنية وهى فى سن السابعة عشر ومعها قنديل الشاب الذى تحبه

تكلم نفسها

لكن إنت قلت لى انك بتحبنى يا قنديل، وانا حبيتك واديتك كل قلبى.

حسنية

أيوة يا حسنية، أنا قلت لك انى بحبك، لكن ما جبتش سيرة الجواز.

قنديل

والجنين يا قنديل؟ أعمل إيه فى الجنين؟

حسنية

ما فكرتيش ليه فى كل ده قبل ما……

قنديل

ما إنت اللى اصريت يا قنديل. إنت اللى قولتلى لو كنت بتحبينى صحيح تدينى كل حاجة من غير حسابات ومن غير شكوك ومن غير هدف غير الحب.

حسنية

كنت باختبر أخلاقك واشوف حتوافقى والا لا.

قنديل

يعنى كنت بتكدب على يا قنديل.

حسنية

كنت باختبر أخلاقك؟

قنديل

ده كدب. كدب. كدب. أنا حبيتك بكل قلبى صدقت كل كلمة قلتها لى. صدقت حبك. عمرى ما شكيت فيك. لكن إنت كنت طول الوقت بتشك في. أصل اللى بيكدب لازم يشك.

حسنية

البت الى أخلاقها كويسة ما تديش نفسها من غير جواز يا حسنية.

قنديل

أنا أخلاقى أحسن من أخلاقك. لأنى مش بكدب. لأنى اديت قلبى بحب وصدق من غير شروط مكتوبة على الورق. ومن غير مقدم ولا مؤخر ولا فلوس تندفع. أنا مش بابيع نفسى بالفلوس يا قنديل.

حسنية

البنت الشريفة ما تخرجش مع الراجل من غير جواز.

قنديل

واحد زيك مش مفروض يتكلم عن الشرف. إنت فاهم الشرف بالعكس يا قنديل. الشرف انك ما تكدبش على حد. لكن إنت كداب. كداب. وانا باحتقرك باحتقرك.

حسنية

 

ظلام

يضئ ركن المسرح مرة أخرى. يظهر شارع خال فى منتصف الليل. وفتاه ترتدى شالا وتخفى جسمها ورأسها وتحتضن طفلا وليدا وملفوفا فى لفائف كثيرة. تتلفت حولها فى خوف. تضع الطفل بجوار الرصيف وتتركه بسرعة وتجرى مختفية وراء جدار تنتظر وتراقب الطفل وهى تبكى فى ألم.

 

ظلام

 

يعود المشهد حيث كانت حسنية جالسة الى مكتب منصور تمسح دموعها فى أسى وحزن.

 

يدخل منصور يمسك زجاجة خمر فى يده ويدندن بلحن أغنية الأطفال الشحاتين ويغنى إحدى فقراتها:

 

عاوز آكل

منصور يغنى

عاوز ادفى

 

فى قلب حنين

 

مليان حب

 

فين القلب

 

فين الحب

 

فى دنيا فاضية ما فهاش حد.

 

ينتبه الى وجود حسنية فى حجرته فتبدو عليه المفاجأة.

 

حسنية؟ إنت هنا؟

منصور

إنت نسيت ولا إيه يا منصور. مش عارف انى جايه.

حسنية

أيوة صحيح. معلهش يا حسنية. متأسف انى اتأخرت أنا اصلى اليومين دول فى حالة كده مش ولا بد. ثم إنى وانا جاي فى السكة قابلت شوية أطفال شحاتين وعمالين يغنوا غنوة حلوة، وصوتهم حلو، وتصورى يا حسنية إن واحد زى كده محترم برضه يدخل فى وسطهم. مش أنا محترم برضه يا حسنية؟

منصور

عاوز آكل

منصور يغنى مرة أخرى

عاوز ادفى

 

فى قلب حنين

 

مليان حب

 

فين القلب

 

فين الحب

 

فى دنيا وحشه مالهاش قلب.

 

هى الدنيا اللى وحشة والا الناس هى اللى وحشين يا منصور.

حسنية

عاوزة رايى الاثنين أوحش من بعض. وما فيش حد بينظلم فيهم غير الأطفال، الأطفال الصغيرين المساكين اللى بيجوا للدنيا غصب عنهم، ما حدش بياخد رأيهم ويسألهم عاوزين تيجوا ولا لأ. أنا متأكد لو حد سألهم حيقولوا لا. لو ابويا وامى سألونى قبل ما يخلفونى عاوز تيجى الدنيا يا منصور أنا متأكد انى كنت حقول لا. إنما نعمل إيه يا حسنية؟ نعمل إيه إذا كان ما حدش بياخذ رأينا فى حاجة أبدا. ما حدش بيحترمنا يا حسنية. الاحترام مفقود. مفقود خالص.

منصور

تقصد إيه بالاحترام يا منصور؟

حسنية

أقصد بالاحترام الاحترام. هو فيه كام احترام؟

منصور

إنت بتسال السؤال ده يا منصور؟ يظهر وحد ثانى اللى كاتب الكلام اللى على المكتب أو إنت زى كل الرجالة، يكتبوا حاجة ويقولوا حاجة ويعملوا حاجة تانية خالص.

حسنية

إنت شفتى الكلام اللى مكتوب هنا يا حسنية.

منصور يتجة ناحية مكتبه واراقه

شفته وقريته كلمة كلمة.

حسنية

منصور يجلس ويمسك رأسه بيده ويصمت فترة.

 

يعنى مش قادر تقول حاجة.

حسنية

حقول إيه يا حسنية. الحقيقة أصلها مفزعة لما الواحد يشوفها لأول مرة. الحقيقة مخيفة لما تتعرى قصاد عنينا لأول مرة. وعشان كده الناس بتخاف من الحقيقة. الناس بتهرب منها. وأنا كمان زى كل الناس أهرب من الحقيقة. تعرفى يا حسنية، أنا بخاف من الورق اللى ع المكتب ده. باخاف اقراه تانى، ومتصور أد إيه إنت خفتى لما قريتيه.

منصور

أنا ما خفتش ولا حاجة يا منصور. أنا عارفة نفسى كويس. وعارفة أنا بعمل إيه. صحيح زى ما إنت كاتب عنى الدنيا هزمتنى وكل الناس فرضوا على الكدب وهزمونى لكن أنا ما انهزمتش قصاد نفسى. مفيش حد يقدر يهزم حد يا منصور. الإنسان بينهزم يوم ما ينهزم قصاد نفسه.

حسنية

وامتى الواحد ينهزم قصاد نفسه يا حسنية؟

منصور

لما يكدب على نفسه.

حسنية

وإنت مش بتكدبى على نفسك يا حسنية.

منصور

لا. أنا بكدب على الناس. بس مش با كدب على نفسى. الناس عاوزانى أكدب. واذا قلت الحق يدبحونى. لكن أنا ما كدبتش عليك يا منصور أنا قلت لك كل حاجة. وشرحت لك كل ظروفى. لكن إنت زى كل الناس. كنت عاوزنى أكدب عليك كنت عاوزنى امثل عليك دور واحدة بتحبك. لكن أنا قلت لك أنا مش بحبك يا منصور. وكل اللى عاوزاه منك طفل. طفل يعوضنى عن ابنى اللى راح وما عرفش هو فين. طفل يدى حياتى طعم ومعنى. حياتى اللى ضاعت مع راجل عجوز عقيم واللى شجعنى على كده انك قلت انك بتحبنى ومستعد تعمل أى حاجة عشان تسعدنى. لكن الكلام اللى إنت كاتبه

حسنية

إنت مش قولتيلى ان جوزك نفسه فى عيل عشان يورثه وانه ليل نهار يقولك نفسى فى عيل يا حسنية يحمل إسمى ويورث أرضى. وإنه بالأمارة حتى مسميه محمود. محمود على زكريا المحلاوى. وكل شوية يقولك مش حتجبيلنا محمود يا حسنية؟

منصور

امتى حتجيبى محمود يا حسنية.

يقلد صوت زوجها

أيوة صحيح. جوزى عاوز عيل يحمل اسمه ويورث أرضه لكن أنا لا عندى إسم ولا أرض. الست غير الراجل يا منصور. الست بتعوز الطفل عشان تحبه وتديه قلبها. لكن الراجل ما يعرفش يعنى إيه حب. كل همه مين اللى حيورث مين اللى حيحفظ إسم العيله. الراجل بيعوز الأطفال عشان يملكهم ويعملهم زى ما هو عاوز. الراجل تعود إنه ياخد ياخد ياخد. وما يعرفش يعنى إيه يدى. لكن الست بتدى على طول.، بتدى قلبها وحياتها، بس يا خسارة فى دنيا ما تستهلش.

حسنية

انا اديتك قلبى يا حسنية. لكن إنت مش بيهمك القلب ورحت اتجوزت واحد غنى عشان يفرش لك بيت حلو، ويركبك عربية ويلبسك فورير ودستى على قلبى يا حسنية. دست على عشان أنا راجل فقير. ولولا انى لسه باحبك ما كنتش اقدر اديك قلبى وجسمى وابنى كمان. لكن إنت يا حسنية؟ ازاى تدى نفسك كل ليلة لراجل مش بتحبيه؟.

منصور

الدنيا عاوزة كده يا منصور. الست لما بتحب حق وحقيقة بتضيع يا منصور. والكل يدوس عليها وأولهم الراجل اللى هى حبته. الدنيا عاوزة الستات يكدبوا عشان يعيشوا ويا ويل اللى تقول الحق، يا ويلها.

حسنية

ويعنى تفتكرى الدنيا عاوزة مين يقول الحق، الدنيا مش عاوزة حد يقول الحق. لا ست ولا راجل.

منصور

ويعنى الدنيا هى مين., ما الدنيا هى الرجالة يا منصور الرجالة هم للى ما لكين كل حاجة فى الدنيا.

حسنية

اللى ما لكين. لكن فيه رجاله لا لهم لا فى الطور ولا فى الطحين.

منصور

اللى ما لهمش بيفضلوا يصارعوا عشان يبقى لهم. واللى لهم بيفضلوا يصارعوا عشان ما حدش ياخد منهم حاجة وكلهم رجالة فى رجالة. إنما الستات بره اللعبة دى خالص الستات زى البيوت زى الأطيان زى الأطفال زى العقارات ضمن التركة اللى بيورثها دول أو دول. يبتخانقوا عليها، وكل واحد عاوز يملك أكثر و اأكثر، اللى مالك واحدة ست عاوز اثنين واللى عنده اثنين عاوز ثلاثة واللى مالك أرض عاوز عمارة واللى مالك عمارة عاوز اثنين. واللى ما عندوش طفل عاوز طفل واللى عنده طفل عاوز اثنين……. الرجالة هم اللى بيملكوا وكل حاجة باسمهم. وعشان كدة كل الرجالة مغرورين والواحد من دول يبقى حافى وما حلتوش حاجة وما يعرفش يفك الخط إنما لما يمشى جنب مراته يتنفخ زى الديك الرومى ويسبقها بعشر خطوات ولما تيجى تكلمه ولا تناقشه فى حاجة يحط مناخيره فى السما ويقولها بغطرسة (تقلد صوت الرجل) أنا الراجل مش فاهمة يعنى إيه أنا الرجل. تعرف يا منصور الراجل جوزى عجوز واتجوز قبلى اثنين ولا خلفش وكل واحدة اتجوزها يقولها العيب منك ويبعتها للدكاترة تكشف، وللمشايخ عشان يعملوا لها احجبه عشان تخلف وبرضه ما فيش. ولما اتجوزنى عمل معايا كده. وواحد من الدكاترة قالى هاتى جوزك يكشف. ورحت قلت له. تعرف حصل إيه؟

حسنية

حصل إيه؟

منصور

يضئ المسرح فى الركن.

 

يظهر زوج حسنية (رجل غليظ فظ) يقف أمام زوجته حسنية غاضبا. يصفعها على وجهها صفعة قوية ويقول بصوت غاضب غليظ:

 

ازاى تتجرأى وتقولى كلام زى ده. أنا اروح اكشف؟ أنا راجل. فاهمة يعنى إيه راجل. ومش ممكن العيب من الراجل. روحى دورى على نفسك شوفيلك دكتور عدل يعالجك، والا شوفيلك شيخ من المشايخ، والا زار زى كل الستات اللى زيك.

زوج حسنية على زكريا المحلاوى

كده تضربنى يا على. هو أنا قلت لك حاجة مش بقولك كلام الدكتور.

حسنية

عاوزة تقولى إيه اكثر من كده؟

الزوج فى غضب

أنا باقترح عليك اقتراح يا على.

حسنية

اقتراح؟ اقتراح إيه يا ست؟ عاوزة تقولى انك بتفكرى وعندك مخ. الستات ناقصات عقل ودين يا هانم. الاقتراحات بتاعتك دى خليها فى المطبخ فى تنظيف البيت فى تفصيل الفساتين.

الزوج

اقتراح آل. ستات آخر زمن. ستات ما يعرفوش قيمة الراجل فاتح لهم البيت وبيصرف فلوسه على أكلهم وشربهم وجزمهم وفساتينهم.

بسخرية

يطفأ النور فى الركن.

 

يعود المشهد الى حسنية ومنصور.

 

كل يوم يا منصور يعايرنى بالمصروف اللى يدهولى لما طهقت وعاوزة اسيبله البيت وامشى. لكن اروح فين. ما ليش حد. وما حدش دلوقت بقه بيستحمل حد. وماليش شغله آكل منها عيش. لو كنت كملت تعليمى واشتغلت كنت استغنيت عن راجل بالشكل ده لكن اعمل إيه. يا منصور. ابويا طلعنى من المدرسة وما رضاش يخلينى اكمل.

حسنية

(تبكى فى ألم وأسى).

 

منصور صامت يفرغ كأسا ويشربه ثم يفرغ كأسا آخر.

 

يا ما فكرت انى اتعلم حرفة. أى حرفة: خياطة تفصيل. تطريز. تدليك. تكفين تغسيل. أى حاجة. أى حاجة أحسن ما امد إيدى لجوزى كل يوم وآخذ المصروف. أكثر حاجة بتذل البنى آدم انه عاوز ياكل. وإذا كان أكله بإيد غيره يعمل إيه يا منصور؟

حسنية

كلامك تمام بالضبط، زى كلام واحد صاحبى، دكتور بيقول نفس الكلام. نفس المشكله. هو برضه عايش فى ذل عشان عاوز يأكل ويوكل ولاده. كل يوم يكدب كدبه آد كده هو. ويموت ناس آد كده هو ويقول لى اعمل إيه يا منصور. عاوز آكل واوكل ولادى.

منصور يبتسم فى سخرية

يا خى جته السم يهرى مصارينه ومصارين ولاده. ده الدكاتره دول ما حدش يغلبهم أبدا. كل فلوس البلد فى جيوبهم. ويا ما خدو منى. مرة نفخ ومرة كحت ومرة أشعه ومرة كهربا لما جوزى طق وقالى المشايخ أحسن وأرخص. هو فيه دكتور يخاف على أكله وأكل ولاده. لازم صاحبك ده مش دكتور بصحيح.

حسنية

لا هو دكتور بصحيح لكن أصل حكاية الأكل دى حكاية واسعه قوى. كل واحد بيشوفه شكل. فيه واحد عنده الأكل صنية مكرونة بالباشمل سخنة من الفرن ومعاها حته لحمة أو حتيتين أو حته كبده طرية بصراحة كده يا حسنية أنا مش بافهم حكاية الأكل دى ابدا. وعشان كده لا فهمك ولا فاهم توفيق صاحبى. الأكل عندى مش مشكلة. المشكلة الحقيقية فى نظرى هى الشرب. أنا ممكن اعيش من غير أكل والله يا حسنية أقسم بالله انى أعيش ثلاث أيام أو أربعة من غير أكل أو على رغيف عيش وحته طعمية إنما الشرب يا حسنية أجيب شرب منين؟ أجيب أزايز منين؟ ومن غير أزايز اعيش ازاى يا حسنية؟.

منصور

وبتشرب إيه يا منصور؟

حسنية

أى حاجة الموجود. أنا مش با دقق. أى حاجة تشيل القشرة الفوقانية (يشاور على رأسه) أى حاجة. وانا نفسى حلوة. طول عمرى نفسى حلوة يا حسنية.

يتجول فى الحجرة وهو يترنح.

منصور

تعرفى يا حسنية أنا عمرى ما ذليت نفسى لحد عشان لقمة العيش، عمرى.. أنا منذلتش أبدا يا حسنية إلا لما بقيت اشرب، ما فيش غير الشرب لكن اعمل إيه؟ الشرب بيخلينى اقدر اقدر احتمل.. بيخلينى اقدر يا حسنية.. أقدر احافظ على نفسى. أقدر احافظ على الحتة اللى فاضلة من نفسى.

منصور بصوت يكاد يكون منهارا

إنت إقوى منى يا حسنية. إنت أحسن منى. إنت لسه بتقاومى.. كل الناس فرضوا عليكى الكدب وهزموكى لكن إنت لسة بتقاومى لسه مانهزمتيش قصاد نفسك لكن أنا انهزمت يا حسنية أنا خلاص انهزمت.. ما فيش حد فى الدنيا قدر يهزمنى.. ما فيش حد يقدر يهزم حد زى ما قلتى الإنسان بينهزم لما ينهزم قصاد نفسه.

صوته ينهار

يفرغ آخر كأس من الزجاجة ويشربه.

يفرغ آخر قطرة.

حسنية صامتة تنظر إليه فى تأثر وألم.

 

أنا كنت غلطانة يا منصور.. إنت احسن منى.. أنا بعت نفسى لجوزى عشان آكل كويس والبس كويس واعيش فى بيت كويس.. لكن كل ده مالوش قيمة جنب إن الواحد يبيع نفسه.. كل الكلام اللى إنت كاتبه عنى صح يا منصور.. إنت كتبت الحقيقة.. والحقيقة زى ما إنت قلت مفزعة لما الواحد يشوفها لأول مرة أنا بعت نفسى ولسه لغاية النهاردة بابيع نفسى لراجل ما بحبوش.. لكن إنت يا منصور. إنت عمرك ما بعت نفسك. وعشان كده كنت دايما باهاجمك. كنت با خاف منك يا منصور طول عمرى أخاف منك. اللى باع نفسه دايما يخاف من اللى لسه ما باعهاش. وكل ما يشوفه يحس بنقص. ويتمنى بينه وبين نفسه انه يبقى زيه بس ما يقدرش. ويمكن ده السبب اللى خلانى عاوزة اجيب منك طفل يا منصور. ما كنتش قادرة ابقى زيك. وقلت على الأقل إبنى يكون زيه.

حسنية

تقترب منه وتنظر اليه فى حب.

 

انا باحبك يا منصور. عرفت دلوقت بس انى باحبك وعرفت انك الوحيد اللى حبيتنى. ما فيش حد حبنى غيرك يا منصور. ما حدش ادانى قلبه غيرك يا منصور كلهم كانوا بينهشوا فى زى حتة لحمة ما حدش خلانى احس إنى إنسانة غيرك. إنت اللى اديتنى قلبك. قلبك الغالى اللى زى الذهب.

حسنية

قلب الفقير مهما غلى رخيص يا حسنية.

منصور

القلب اللى يقدر يحب صحيح هو القلب اللى مالوش حاجة اللى مش خايف على حاجة فى الدنيا. القلب اللى مش عاوز حاجة مش عاوز ياخد ولا يملك ولا يتملك وعشان كده بيبقى قلب كبير بيساع الدنيا ويفرد دراعاته ويحس انه مالك الدنيا. اصل الدنيا ما لهاش صاحب يا منصور، واللى مالوش حاجة فيها هو اللى بيملكها. وعشان كده كنت باحسدك واقول يا يرتنى زيك. ويارتنى ابقى زيك. ويكون لى إبن زيك.

حسنية

تقترب منه اكثر.

 

أنا باحبك يا منصور باحبك.

حسنية

تعانقه وتبكى.

 

ظلام

 

 


ما بعده | ما قبله

 

home | books |
Copyright ©Nawal Saadawi & Sherif Hetata