nawal and sherif

Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata

Home | Books

أوراقى حياتى : الجزء الثالث

د. نوال السعداوى

 

 

حدث من وراء الوعى


كنت غارقة فى النوم. رأيت أبى جالسا فى الصالة يقرأ. رفع عينيه إلى واندهش قليلا. نوال؟ متى جئت؟ كيف كانت الحفل؟ تساءلت فى دهشة: أى حفل؟ قال حفل نقابة الأطباء. عادت ذاكرتى فى الحلم أربعين عاما إلى الوراء. قلت لنفسى هل يذكر هذه الليلة؟ إنها الليلة التى مات فيها. الخميس 19 فبراير 1959. أراه جالسا فى الصالة يحدثنى وأعرف أنه ميت. إنتهى القرن العشرين أصبحنا فى القرن الواحد والعشرين والألفية الثالثة. الرقم 2000 إلى جوار تاريخ اليوم يبدو غريبا، ياه، سنة 2000؟. لم أكن أعرف أننى سأعيش حتى القرن الواحد والعشرين. كأنما أختلس من الزمن قرنا جديدا وأعود طفلة فى السابعة من العمر. كلما أتقدم فى العمر أتذكر طفولتى، تبدو أقرب مما كانت، وكانت تبدو بعيدة فى الماضى. كان الأمس يبدو كأنه العام الماضى أو القرن الماضى. ثم تغير الزمن مع التقدم فى العمر.  أصبح القرن الماضى كأنه الأمس، أرى وجه أبى الميت قريبا، أكاد ألمسه بأطراف أصابعى رغم مرور نصف قرن. أكاد اسمع وقع قدميه على البلاط فى الصالة. فى المرآة يطالعنى وجهه كأنما لم يغب أبدا. يقول لى شريف أن الحزن على فراق أبى لم يفارقنى. ربما هو يعرف حقيقتى اكثر منى. ربما كان حبى لأبى اكبر حب فى حياتى. لا يفوقه إلا حبى لأمى. قلبى ينوء بحبها بعد أن فرقنا الموت. أيكون الفراق هو شرط الحب؟!

أفقت من النوم على جرس التلفون. صوت سامية يقول أنت نائمة والمظاهرات مشتعلة فى جامعة الأزهر، وقد أذاعوا إسمك ضمن من أهدروا دماءهم من الأدباء، صوتها يأتنى كأنما فى الحلم. ألم يهدروا دمى من قبل؟ ماذا تقولين يا لطيفة؟ أنا لست لطيفة يا نوال، أنا سامية، لطيفة ماتت من ثلاث سنين.

أفقت من النوم. النتيجة فوق الحائط مكتوب عليها التاريخ بخط واضح، 9 مايو عام 2000، سماعة التليفون لا تزال فى يدى، صوت سامية يسرى إلى أذنى، وهى تقول: الشيخ فى الجامع إلى جنب بيتنا عمل خطبة فى الجمعة عليكى يا نوال قال أن كتبك كلها كفر فى كفر، والجماعات الإسلامية حركوا الطلبة فى الأزهر عشان يعملوا مظاهرات ضد رواية نشرتها وزارة الثقافة بيقولوا فيها كلام ضد القرآن، والطلبة فى الأزهر هتفوا ضد وزير الثقافة وضد السيد الرئيس، يعنى المسألة مش رواية المسألة النظام كله، والطلبة غلابة مش عارفين حاجة، بيرو حوا فى الرجلين! وأنت يا نوال يمكن يعملوكى كبش فداء، الشيخ فى الجامع كان بيحرض الناس ضدك، لكن تعرفى إيه اللى حصل؟ أخويا كان فى الجامع بيصلى معاهم، قال لى الناس خرجوا من الجامع بعد الصلاة وراحوا المكتبات يشتروا كتبك! قلت بصوت أبى الميت، رب ضرة نافعة يا سامية. تنهدت بصوت حزين وقالت، يمكن اشتروها عشان يحرقوها مش عشان يقروها.

- يحرقوها يحرقوها يا سامية.

- خسارة الكتب تنحرق يا نوال.

- الحريق يأكل الورق وليس الكتب يا سامية!

- الكتب مصنوعة من الورق وإلا إيه؟

- ايوه فى القرن الماضى، لكن إحنا فى القرن الواحد والعشرين، يا سامية والكتب أصبحت غير قابلة للحرق، تعبر القارات عبر الأثير دون الحاجة إلى ورق أو مطبعة.

-     ممكن يحرقوا الكمبيوتر.

-     الكتب ليست فى الكومبيوتر.

- أمال فين يا نوال؟

- فى اللوح المحفوظ من مادة غير قابلة للحرق.

- واللوح المحفوظ ده فين؟

- فى السماء يا سامية.

- عند ربنا؟ (ضحكة قصيرة مكتومة تنم عن عدم الأيمان فى الطفولة والأيمان فى الكهولة).

- لأ  يا سامية.

- أمال فين يعنى؟

- اللوح المحفوظ ده اسمه " الديسك " من مادة صلبة قوية، وفيه ملايين النسخ، بلايين النسخ، تنتشر فى الكون زى الفيروسات فى الجو وتتكاثر عبر الإنترنت والويب. والقوى الإلكترونية المعروفة والمجهولة.

- وإيه القوة المجهولة؟

- فيه حاجة جديدة إسمها الكوارك أصغر من الإلكترون ويحمل طاقة أكبر، فيه قوى مجهولة داخل الذرة، وداخل خلية المخ، لازال المخ مجهول يا سامية، مخ الإنسان، والخلية الحية والجينوم والذرة والكواكب والشمس والقمر والنجوم، لكن أهم حاجة أن الكتب لم تعد قابلة للحرق!

 

*    *    *    *

 

كانت جدتى آمنة والدة أمى ترمقنى بغضب وأنا فى السابعة من عمرى. تقول عنى إننى لا أطيع مثل البنات فى عائلة شكرى بيه. كلما كانت جدتى تقول شيئا غير مقنع اسألها ليه؟ تلسعنى بالعصا الخرزان وتصرخ: مش عاوزة اسمع منك كلمه ليه دى أبدا يا بنت فاهمة؟!

لم أكن أبكى كما تبكى البنات. أدق الأرض بقدمى بغضب، وأقول ليه تضربينى؟! يشتد غضب جدتى حين ترانى أدق الأرض بقدمى، وحين تسمعنى أردد كلمة ليه، أكثر ما يغضبها أنها لا ترى فى عينى أى دموع. إنها جدتى زوجة جدى شكرى بيه مدير القرعة العسكرية. عاشت مقهورة وماتت مقهورة حبيسة البيت كالقصر وقبر من الرخام، لم يكن لها أن تنفس عن غضبها المكتوم إلا بلسع الأطفال بالعصا الخيزران، لم أعرف فى طفولتى ماذا كان يغضبها، حتى همست أمى فى أذنى بالثالوث المقدس، الرب و الأب والزوج، كنت أراها ترمق السماء بغضب وتقول: يا رب! لم تكن تنطق الكلمة الثانية ولا الثالثة. وسألت أمى، ليه مش بتنطق اسم جدى، وضعت أمى يدها على فمى وقالت: اسكتى.

فى الليل أصحو مختنقة بالدموع الحبيسة. تتجمع فى حلقى كالغصة. اسمع شخير جدتى وهى غارقة فى النوم. ملامحها تبدو مستسلمة بلا حول ولا قوة. فى النهار تبدو قوية قاسية أتمنى موتها. فى النوم تبدو ضعيفة مستسلمة. أكره قوتها بمثل ما اكره ضعفها. أود ألا تصحو وتموت وهى نائمة. أعود إلى النوم واحلم أن جدى هو الذى مات. اكره جدى اكثر من جدتى. أدعو الله أن يأخذه. أراه فى الحلم نائما يشخر، أود أن أطبق بأصابعى حول عنقه. أنتفض من نومى مذعورة.أنهض من السرير وأمشى على أطراف أصابعى. أجلس فى الفرندة الواسعة. أتذكر أن جدى مات منذ سنوات، التى ترقد إلى جوارى فى السرير هى خالتى فهيمه، وهى التى أسمعها تشخر فى الليل، وهى التى أريد أن أطبق على عنقها بأصابعى.

فى ضوء مصباح الشارع كتبت فى مفكرتى السرية: حين تراودنى فكرة القتل أمسك القلم واكتب، أرى كلماتى فوق السطور تنتفض، لولا الكتابة لأمسكت الساطور وقتلتها أو قتلت نفسى.       

(بيت المرحوم جدى، ضاحية الزيتون، 19 أبريل 1945)

بعد ستة وثلاثين عاما من هذا اليوم، وجدت نفسى داخل زنزانة فى سجن النساء بالقناطر، كانت لى مفكرة سرية أخبئها تحت الأرض كما كنت افعل فى بيت جدى وأنا فى الرابعة عشر من عمرى، يدى ترتعش بالغضب وأنا اكتب هذه الفقرة فى مذكرات السجن: تتطلب الكتابة شجاعة مثل القتل. لو لم تعرف أصابعى القلم ربما عرفت الفأس أو الساطور. يدها، فتحية القاتلة، حين أمسكت الفأس وقتلت زوجها تشبه يدى وهى تمسك القلم. لا شئ فى حياتى اثمن من القلم. الكتابة تتطلب شجاعة مثل القتل واكثر.

                    (سجن النساء بالقناطر، 14 نوفمبر 1981)

 

*    *    *    *

 

كنت جالسة أكتب تلك الليلة من شتاء عام 1960، حين دخل زوجى إلى غرفتى. أمامى فوق المكتب تراكمت الأوراق، رواية طويلة سهرت عليها طوال الليالى والشهور والسنين. كانت تنمو فى أحشائى كالجنين. أحوطها بذراعى. أهدهدها فى سكون الليل. رأسى يسقط وينام فوقها وأنا جالسة. اهبط معها إلى بطن الأرض حيث الصمت داخل الصمت.

كانت الرواية تأخذنى إلى عالم آخر. انسى فيه نفسى وابنتى واخوتى واقرب الناس من دمى ولحمى. فما بال رجل ليس من دمى ولا لحمى ولا يربطنى به شئ، إلا ورقة زواج.

حين اقتحم غرفتى فجأة لم أتعرف على ملامحه. هذا الوجه الأبيض السمين المتورد لم يكن يجذبنى فى الرجال. هذا الجسم المربع الممتلئ باللحم ينفرنى فى النساء فما بال الرجال. والعينان ليس فيهما ما ابحث عنه، والأنف ليست له الارتفاعة التى أحبها، والصوت ليست فيه النبرة التى تجذب أذنى، كل شئ فيه ليس ما أريد فى الرجل، فما بال أن يكون زوجى ؟!

لابد أنها امرأة أخرى تقمصت جسمى واسمى وذهبت معه إلى مكتب المأذون ووقعت العقد. امرأة غيرى ساخرة عابثة لا تؤمن بالحب، ترتدى معطف الأطباء دون أن تؤمن بالطب، تكره الرجال والأمراض ورائحة المستشفيات، لم تدخل كلية الطب إلا من اجل أبيها الميت وأمها الميتة، تكره الزواج منذ الطفولة، لم تتزوج للمرة الثانية إلا لتمسح من ذاكرتها المرة الأولى.

كان زوجها الأول فدائيا. مات بعد أن عاد من الحرب لم يبق منه إلا خيال رجل. وهذا الخيال أيضا راح وسقط فى العدم. قبل الزواج بدأت رواية طويلة، بعد الزواج كفت عن الكتابة، رقدت الاوراق فوق مكتبها مثل جثه هامدة.

كل ليلة حين انام اظن إننى لن أصحو. فى الصباح تعود إلى ذاكرتى مع ضوء الشمس. ارتدى ملابس الخروج. احمل حقيبتى الجلدية السوداء تشبه حقائب الأطباء، أتذكر إننى تخرجت فى كلية الطب واصبحت طبيبة، الساعة فوق معصمى تشير إلى الثامنة، اسرع الخطو فى الطريق إلى المستشفى، اتوقف لحظة التقط انفاسى، أتذكر أننى تزوجت ولى طفلة تحتاج إلى كوب لبن وزوج يحتاج فخذ دجاجة محمرة.

ذاكرتى مثل جبل الثلج تحت الماء، لا أكاد اعرف الزوج الاول من الثانى، كلاهما كان يحب فخذ الدجاجة المحمرة، صديقتى بطة تكركر بالضحك وتقول: حين ينطفئ النور يتساوى جميع الرجال، تعترض صفية وتقول، لا يفرق بين الرجل والرجل إلا الحب. لم تكن سامية تؤمن بالحب، تقول عنه رومانتيكية طفولية، الحب وهم كبير يانوال، الحب قبل الزواج يفسده، والحب بعد الزواج ينتهى بالطلاق، تزوجيه يا نوال لأنك لا تحبيه، لا يصلح للزواج إلا رجل لا يخفق له قلبك، على الاقل لما يخونك مع واحدة ثانية لا تشعرى بالألم!

وامتلأت عيناها بدموع محبوسة. كانت تنتفض بالغضب. صوتها يتقطع وانفاسها تلهث: تصورى يا نوال…… تكرر هذه العبارة مع اللهاث: تصورى!

-            اتصور إيه يا سامية؟

-            شئ لا يمكن اصدقه!

-            إيه يا سامية؟

-            تصورى يا نوال

صوتها يختنق تكف عن الكلام. تنشج بصوت مكتوم، انفاسها تتقطع مع كلماتها، تصورى يا نوال مش قادرة اتصور يا نوال تصورى رفاعة جوزى، الرجل المثالى ذو المبادئ، الرجل اللى دخل السجون عشان المبادئ، تصورى رفاعة، هل ممكن حد يصدق أن رفاعة يعمل كده؟! من يوم ما مسكوه ودخل السجن وأنا زى النحلة رايحة جاية عشان يطلعوه.

-            عمل إيه رفاعة يا سامية؟

-            تصورى انه له علاقة بواحدة تانية!

-            وعرفت ازاى؟

-            وقع فى ايدى جواب كتبه لها باين مسكوه قبل ما يبعت لها الجواب.

-            مجرد جواب يا سامية.

-            رسالة حب يا نوال!

-            مجرد حب عذرى حب طاهر رومانتيكى.

-            رفاعة رجل مادى جدلى ماركسى لا يمكن يؤمن بالكلام الفارغ ده!

حين سمعت بطه القصة اطلقت ضحكتها الساخرة وقالت: كل الرجالة خائنين يا سامية يمين ويسار ووسط وكل النساء خائنات بنات حواء أو بنات مريم العذراء، الفرق الوحيد بينهم أن الرجل خيانته مكشوفة، لكن المرأة بير من جوه بير، والعلاج الوحيد انك تخونيه زى ما خانك، وربنا قال العين بالعين والسن بالسن والبادئ اظلم. وكمان من حظك السعيد انه محبوس فى السجن!  ترددت صفية فى التعليق، اطرقت قليلا تفكر، ثم رفعت الينا وجهها شاحبا وقالت: الطلاق عندى احسن من الخيانة، لأنك يا سامية حتخونى نفسك مش أى حد تانى.

صوت صفية كان يرتعش قليلا، وهذا الشحوب بدا غريبا. اتعيش صفية المأساة نفسها؟! لم تكن صفية مثل سامية وبطة. تميل اكثر إلى الكتمان. كان ذلك فى شتاء عام 1960، وكان لا بد من مرور أربعين عاما حتى اسمع صفية تقول: خلاص يا نوال أنا قررت الانفصال عن مصطفى.

 

*   *    *    *

 

كنت اقول لنفسى لا يمكن اتزوج دون حب. كيف يجمعنى فراش واحد مع رجل لا احبه. وتسألنى بطه، وليه مش بتحبيه يا نوال، رجل محترم من رجال القانون مركزه مرموق وعنده عربية وشقة وفلوس وواقع فى غرامك لشوشته، ليه ترفضيه؟ عيبه ايه يا نوال؟

هذا السؤال "عيبه إيه" ظل يحيرنى نصف قرن. كنت اسمعه من أبى وامى وجدتى وخالاتى وعماتى. عيبه إيه العريس يا نوال؟ سؤال لم اعرف جوابه، وبطة تلح فى السؤال.

-            مش عاوزة تتجوزيه ليه؟

-            مش عارفة.

-            عيبه إيه؟

-            يمكن

-            يمكن إيه

-            عينيه

-            مالها عينيه؟

-            مطفية.

-            حا تعملى بعينيه إيه فى الجواز يا نوال؟

تكركر بطة بضحكتها المتقطعة، شهقاتها ترن فى أذنى مثل هواء محبوس، يندفع من عنق زجاجة ضيق، ضحكتها معدية. أضحك رغم الثقل فى القلب، رغم أننى لا احبه سأتزوجه، رغم انطفاءة عينيه، رغم أننى أكره رجال القانون، يصبهم القانون فى قالب واحد كالاسمنت. السؤال يدور فى رأسى. لماذا أتزوجه وأنا لا اريد أن اتزوجه؟ قوة فى السماء أو الأرض تدفعنى إلى الزواج رغم إرادتى؟! قوة غامضة كالوهم. كضغط الهواء الجوى. قوة الهيه أو شيطانية تدفعنى إليه رغم انفى وأنا فى كامل الوعى.

تلك الليلة من شتاء عام 1960 تأخرت فى العيادة. جلست إلى مكتبى بعد أن انتهيت من آخر مريض، وضعت رأسى بين يدى الاثنتين وسقطت فيما يشبه النوم. هذه الحالة المتأرجحة بين النوم واليقظة. اللحظة التى يغيب فيها العقل الواعى، تختفى الأنا العليا تحت سطح البحر، يبرز رأس جبل الثلج من تحت الماء. يرمقنى مثل عين فى السماء، عين مفتوحة لا يطرف لها جفن. ساهرة طول الليل لا تنام. أهى عين الله ام عين الشيطان؟! الاثنان كنت اخافهما بدرجة واحدة، امسك القلم واكتب، كلماتى فوق الورق متقطعة، انفاسى تلهث، ذؤابة ضوء يضربها الهواء تكشف عن الشىء المتخفى فى الظلام، لا ينتمى إلى طقوس اللغة أو الكتابة، يتمرد على كل ما هو مألوف. يخلق من حوله  اضطرابا وقلقا وتشكيكا فى كل ما درجت على الإيمان به. يفرض علّّىّ القطيعة مع مفردات اللغة، والاستغناء عن الثواب والعقاب، يدفعنى نحو الجهول خارج المفهوم.

أفقت على صوت سامية. كانت تمر علىّ بالعيادة حين تشتد بها الازمة. زوجها رفاعة فى السجن مع اسعد شقيق صفية. منذ الاحداث الاخيرة فى العراق امتلأت السجون بكل من رأى أن الوحدة الفيدرالية مع العراق افضل من الاندماج الكامل. كان جمال عبد الناصر يرى أن الوحدة الاندماجية افضل، دخل السجون كل المعارضين فى الرأى. جاءت سامية وراحت تشرح لى الفرق بين الوحدة الفيدرالية والوحدة الاندماجية، كان لصوتها نبرة خطابية تؤلم الاذن. إن ارتفع صوتها أو انخفض تظل هذه النبرة المؤلمة، إن فرحت أو ضحكت يظل لصوتها رنين متشائم يوشك على البكاء. منذ المدرسة الثانوية كانت صديقتى. يجذبنى اليها اختلافها عن بطة وصفية وبقية الزميلات. وجهها النحيل الشاحب دون مساحيق. شفتاها الرفيعتان المزمومتان بقوة غير انثوية، احاديثها عن ماركس والفرق بين الدياليكتيكية المادية وغير المادية. ولينين وعبد الناصر. تغيرت سامية قليلا قبل زواجها من رفاعة أيام الحب، بدأت تكحل عينيها قليلا، تضفى على خديها وشفتيها شيئا من اللون الاحمر الشاحب، لم تتغير نبرة صوتها بل زادت حدة، وتواصل حديثها. أستمع اليها ورأسى بين يدى الاثنتين:

- تفتكرى عبد الناصر مخلص للبلد يا نوال؟ الوحدة العربية فشلت بانفصال سوريا عن مصر، والديموقراطية فشلت بدخول المعارضين السجون، والاشتراكية فشلت، لا فيه تنمية ولا فيه تذويب الفوارق بين الطبقات، والاموال اللى عادت لمصر بعد تأميم قناة السويس وتأميم الشركات كلها راحت فى جيوب الطبقة الجديدة من ضباط الجيش واعوانهم، لا يمكن عبد الناصر يكون مخلص للبلد يا نوال!

يزداد صوتها تشاؤما حين تنتقل من حديثها عن عبد الناصر إلى زوجها رفاعة.

- تفتكرى رفاعة مخلص يا نوال؟

كنت منشغلة بسؤال آخر يدور فى رأسى، لماذا أتزوج رجلا لاأحبه؟

- هل عبد الناصر مخلص يا نوال؟ هل رفاعة مخلص؟ هل الاخلاص الزوجى منفصل عن الاخلاص الوطنى؟

- إيه اللى يجبرنى يا سامية انى اتجوز رجل لا احبه؟ أهى خيانة له ام خيانة لنفسى؟

- المناخ العام الفاسد يؤدى إلى حياة خاصة فاسدة.

- الفساد فى الحياة السياسية والثقافية والاقتصاد يؤدى إلى فساد فى الحب والجنس؟! خيانة النفس هى خيانة الآخر.

- يا خسارة يا نوال، كان بينى وبين رفاعة حب جميل قبل ما نتجوز، المشكلة فى مؤسسة الزواج يا نوال؟

- المشكلة فى النظام كله يا سامية.

- عشان كده الراجل منهم ممكن يكون يخون مراته والواحدة فينا ممكن تكذب على نفسها وتقول لجوزها أنا باحبك وهى مش طايقة تشوفه، أو تقوله أنت الرجل الوحيد فى حياتى وهو مش الوحيد!

أطبقت شفتى فى وجوم. تذكرت أننى قلت لزوجى الأول أنه أول حب فى حياتى مع أنه كان الحب الثانى. وسوف اقول لزوجى الثانى إننى احبه مع إننى لا أحبه. قوى غيبية تدفعنى إلى الكذب، تختفى وراء سحابة فى السماء، أو ربما هو عام 1960 عام الهزيمة الصغرى، كما كان صديقى رجاء الشاعر يقول. تنبأ بوقوع هزيمة 1967 قبل أن تقع بسبعة اعوام. وفى احدى الندوات الادبية بالعيادة القى قصيدة مطلعها هذه الابيات:

كل شئ من حولنا ينبئ بالهزيمة.

السحب فى السماء ووجوه الرجال العسكرية.

لا امل فى هذه الطبقة الجديدة ولا فى كتابة الشعر.

الكلية الحربية لا تخرج إلا الجهلاء.

إن اصحبوا هم الوزراء.

فليس امامنا إلا الموت أو السجن.

أو المنفى خارج البلاد.

قوة تشبه اليأس أو الهزيمة تدفعنى إلى الموت أو الزواج. كان العريس صالحا فى نظر الجميع، حتى ام ابراهيم أصبحت تلح علىّ كل يوم، اتجوزيه يا ضكطورة  ده الجواز سترة وعشان تجيبى للمحروسة بنتك اخ أو اخت، وفى حفل الزواج الصغيرة همست صفية فى أذنى، نظره سليم ستة على ستة ومش لابس نظارة نظر زى جوزى، وكركرت بطة بضحكتها وقالت: عينيه مطفية احسن يا نوال عشان ما يشوفش حاجة! ومطت سامية شفتيها فى امتعاض، الواقع يا أخواتى أن الإخلاص انتهى من الوجود!


حدث من وراء الوعى

 

home | books |
Copyright ©Nawal Saadawi & Sherif Hetata