nawal and sherif

Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata

Home | Books

  أوراقى حياتى : الجزء الثالث

د. نوال السعداوى

 

تضامن النساء


فى طفولتى المبكرة قبل أن أعرف من هو أبى، عرفت أمى، عرفتها بالشكل والرائحة والاسم والجسم، كان جسمها هو جسمى أو يشبه جسمى، كنت أتضامن مع أمى ضد أبى والعالم الخارجى، لكن شيئا ما حدث جعلنى أبتعد عن أمى، كنت طفلة لا أعرف بالضبط ماذا يبعدنى عن أمى، وماذا يبعد أمى عنى، ربما هو أبى كان يقف بينى وبين أمى، أو ربما هو العالم الخارجى كان يخدعنى، يصور لى أن الأب هو كل شىء، الاسم والشرف والاحترام والدين والعلم والماضى والحاضر والمستقبل والدنيا والآخرة.

لم يكن للأم شىء من كل هذا. بدأت أثور ضد أبى والعالم الخارجى من أجل أمى. تصورت أن أمى سوف تفرح وتتضامن معى، لكنها تضامنت مع أبى والعالم الخارجى ضدى. هذه أول صدمة فى طفولتى. كنت فى السادسة من عمرى حين تلقيت الصدمة الأولى فى أمى. رأيتها واقفة تبتسم والأيادى الغليظة تنتزعنى من الفراش، تربط ذراعى وساقى، وتستأصل بالموس عضوا من جسدى.

أصابتنى خيبة أمل فى أمى، أصبحت أتجه نحو أبى، بدا أبى كأنما يحنو علىَّ أكثر من أمى، كأنما يحبنى أكثر من أمى، أى خديعة وأى وهم تسرب إلى عقلى دون أن أدرى.

كم مضى من العمر وأنا أعيش هذا الوهم؟ قبل أن تموت أمى بقليل أو ربما بعد أن ماتت بدأت أدرك الحقيقة. كانت الحقيقة مثل جبل الثلج الغارق تحت الماء. تكشف عن نفسها جزءا جزءا.

حيث بلغت الخمسين من العمر وبعد أن دخلت السجن أدركت أن تضامن النساء أخطر من السلاح النووى. لم يكن يهدد إدارة السجن إلا التضامن بيننا نحن النساء. بعد أن خرجت من السجن أدركت أن تضامن النساء يمكن أن يسقط النظام الحاكم.

ألهذا السبب كان تنظيم النساء من المحرمات فى نظر الأحزاب السياسية جميعا، يمين ويسار، وحكومة ومعارضة؟! منذ بدأنا تجميع صفوف النساء فى مصر عام 1982 تضافرت القوى الحكومية وغير الحكومية على ضرب أى محاولة يمكن أن توحِّد النساء.

النساء أنفسهن كن يضربن المحاولة مثل الرجال. كالأم التى تضرب ابنتها إرضاء للزوج المسيطر أو الأب الحاكم. منذ عام 1982 وحتى هذا العام 2000 كم محاولة ضربت؟ بعد كل ضربة ننهض من جديد ونجمع صفوف النساء. ثمانية عشر عاما نحاول توحيد جهود المرأة المصرية دون جدوى. وفى عام 1999 شكلنا لجنة تحضيرية، أكثر من مائة شخص من أجل تكوين الاتحاد النسائى المصرى. عقدنا الاجتماعات، نشرنا الدعوة بين الجمعيات النسائية. بدأت الفكرة تنتشر. تحمست لها أعداد كبيرة من الشابات والشباب، وجمعيات المرأة فى المحافظات. قررنا عقد إجتماع يوم 22 أغسطس عام 1999 للإعلان عن بدء تكوين الاتحاد النسائى المصرى. قبل موعد الاجتماع بأيام قليلة فوجئنا بحملة صحفية ضد الاجتماع، وتصريحات حكومية أن هذا الاجتماع غير قانونى.

وفى عام 1992 نشرت كتابا كاملا بعنوان معركة جديدة فى قضية المرأة، يوضح الكتاب كيف أغلقت الحكومة المصرية جمعية تضامن المرأة العربية بقرار غير قانونى يوم 15 يونيو 1991، رفعنا قضية ضد الحكومة فى المحكمة الإدارية بمجلس الدولة، وانقضى تسعة أعوام دون أن يصدر قرار المحكمة.

وتستمر المعركة حتى اليوم من أجل تضامن النساء. بدأت ظاهرة جديدة هذا العام هى تضامن الأم مع ابنتها ضد الأب أو الأخ. يوم 17 يونيو 2000 دافعت أم عن حياة ابنتها حتى الموت. الابنة الصغيرة تعرضت للاغتصاب وحملت سفاحا. بدأت علامات الحمل تظهر على الفتاة الصغيرة. ذاع الأمر بين أهل قرية "الرواتب" التابعة لمركز أبوطشت بمحافظة قنا فى صعيد مصر. عقد رجال الأسرة مجلسا واتخذوا قرارا. قتل الفتاة لمحو العار. وقع الاختيار على شقيقها (اسمه بدر نور الدين) للإجهاز عليها، ويساعده فى ذلك عمها (عبد الفتاح) وابن عمتها (عبده محمود) وابن عم أبيها (أحمد راشد)، أربعة رجال أشداء يعملون بالفئوس فى الأرض، استدرجوا الفتاة الصغيرة بمفردها لقتلها، لكن أمها الواعية أدركت ذلك، كانت تقف لهم بالمرصاد تحول دون قتل ابنتها، اتفق الرجال على خداع الأم وابنتها، قالوا أن ابن عمتها عبده محمود سوف يتزوج منها تغطية على العار (ربما هو الذى تسبب فى الحمل لا نعرف) ولكنه سيتزوج منها بعد إجهاضها من الحمل السفاح، أصرت الأم على الذهاب مع ابنتها مع بعض سيدات الأسرة لمتابعة عملية الإجهاض، التى تمت داخل عيادة طبيب فى نجع حمادى، ظلت الفتاة ثلاثة أيام تحت الملاحظة بالعيادة، وفى اليوم الثالث طلبت الأم عودة ابنتها، أحست أن مؤامرة تدبر لقتل ابنتها، هددت بإبلاغ الشرطة إذا تعرضت ابنتها لمكروه، تم اصطحاب الأم لمرافقة ابنتها فى العودة بصحبة ابن عمتها عبده محمود، واتفقوا مع سائق أجرة على السير فى طريق زراعى بعيد عن البيوت لتمكينهم من تنفيذ الجريمة، فى ليلة الحادث كان الثلاثة الرجال الآخرون ينتظرون فى الطريق، وهناك حاولوا انتزاع الفتاة من يد والدتها لقتلها، إلا أن الأم تشبثت فى استماتة لحماية ابنتها، وقدمت نفسها فداء لها وهى تستغيث وتستعطفهم بالصفح عنها، لكن طعنات السواطير هوت على جسد الأم يضربها الأربعة رجال حتى أصبحت جثة ممزقة أمام ابنتها، ثم انهالوا على البنت الصغيرة بالسواطير بعد قتل الأم، وتم تمزيق الجثتين إلى اثنى عشر قطعة، ألقوا بها فى الترعة داخل أكياس بلاستيك كبيرة.

هذه هى الأم الجديدة التى أصبحت تتضامن مع ابنتها الحامل سفاحا حتى الموت. وكانت الأم فى الماضى القريب تتضامن مع رجال الأسرة فى قتل ابنتها لمحو العار. لا يمكن أن أنسى هذه الأم التى كانت تمشى فى الشوارع تزغرد بالفرح، إلى جوارها يمشى ابنها الأكبر حاملا رأس ابنتها الصغرى على سن السكين بعد أن فصل رأسها عن جسمها، لم تكن الفتاة قد حملت سفاحا، بل كانت تحب زميلها فى العمل وتفكر فى الزواج منه، رآها أخوها تمشى فى الشارع مع زميلها، فانقض عليها بالسكين، وراحت الأم تزغرد بالفرح، وتمشى إلى جواره مرفوعة الرأس بعد أن غسلت العار بالدم. أى عار وأى دم؟ أى خديعة وأى وهم كان يعشعش فى عقول الأمهات كما كان يعشعش فى عقلى منذ الطفولة.

كان صوت أمى يخفت إلى جوار صوت أبى. كان أبى يقول هذا العالم فاسد يا ابنتى قائم على دعامتين الظلم والكذب. مع ذلك كان أبى يرى أن أخى أعلى منى درجة لأنه ذكر، يعطيه ضعف ما يعطينى من مصروف، ويقول، للذكر مثل حظ الأنثيين.

كنت أتطلع لأمى لتقول شيئا، كان أبى يدعم كلامه بكلام الله، لم يكن لأمى أن تعارض كلام الله.

منذ عام 1957 حين كنت طبيبة القرية بدأت الحكومة تطاردنى بهذه التهمة، معارضة كلام الله. لم أقترف إثما إلا التضامن مع فتاة مريضة حملها البوليس بالقوة إلى بيت زوجها، كان يكبرها بواحد وخمسين عاما، يضربها كل ليلة ويغتصبها جنسيا من الخلف وهى ساجدة تصلى لله، كنت الطبيبة المسئولة، واجبى حماية الفتاة من زوجها، لكن قوة البوليس كانت أقوى منى، انتزعوا الفتاة وأعادوها إلى زوجها، ألقت نفسها فى النيل بعد أسبوع، وأنا أصبحت متهمة بالعمل ضد الدين، دخل أسمى القائمة السوداء، تحت إسم عدوة الله. هل التضامن بين النساء يعنى عداوة الله؟

منذ عام 1957 أصبحت متهمة بعدم الإيمان بالله، وفى عام 1962 أضيفت إلىَّ تهمة جديدة هى، عدم الإيمان بالثورة المجيدة، كان زملائى وزميلاتى فى نقابة الأطباء قد انتخبونى لأكون عضوا فى المؤتمر الوطنى للقوى الشعبية، عقد فى قاعة جامعة القاهرة عام 1962، جلس جمال عبد الناصر فوق المنصة يتوسط الوزراء وكبار رجال الدولة. تبارى أعضاء المؤتمر فى تعريف من هو الفلاح ومن هو العامل. فجأة تلاشت البديهيات والظواهر الواضحة كالشمس. لم يعد أحد يعرف من هو العامل الحقيقى ومن هو الفلاح الحقيقى. كنت شابة صغيرة حديثة العهد بألاعيب السياسة. حين جاء دورى للكلام قلت الفلاح هو الذى بوله أحمر.

فى طفولتى كانت جدتى تقول أن البول الأحمر دليل الصحة والعافية، لم أكن أعرف أنه الدم حتى سمعت أبى يقول أن كل الفلاحين فى مصر يمرضون بالبلهارسيا، وفى كلية الطب عرفت أن أبى كان صادقا، ومات أبى قبل المؤتمر الوطنى للقوى الشعبية بثلاث سنوات، لم يشهد المباراة حول تعريف من هو الفلاح ومن هو العامل، ولا هؤلاء الذين خلعوا البدل الإفرنجية وارتدوا الجلاليب أو العفاريت الزرق ودخلوا البرلمان أو مجلس الشعب تحت اسم الفلاحين أو العمال.

فى فبراير 1958 بدأت الوحدة بين مصر وسوريا، وفشلت فى سبتمبر 1961. ظلت أسباب الفشل مجهولة. لا يعرف الشعب شيئا عما يدور فى الدوائر العليا. تمتلئ الصحف بالأكاذيب وتسرى الإشاعات.

كان صديقى رجاء الشاعر يعرف ما يدور. كتب قصيدة حذفت الرقابة أهم أجزائها، كشف فيها عن أن الوحدة لم تقم إلا لإنقاذ سوريا من خطر الاشتراكية، وراء قيام الوحدة كان رجال حزب البعث والأثرياء فى سوريا. لم ينفذ جمال عبد الناصر ما أرادوه، طردوه من سوريا وحدث الانفصال.

أصبح رجاء الشاعر مطاردا من البوليس. لم يكن رجاء ينتمى إلى حزب اليسار أو اليمين، كان شاعرا يكتب القصائد، أصبح متهما بالشيوعية، لم يكن أمامه طريق للحياة إلا الهجرة خارج الوطن.

بعد هزيمة عام 1967 لم يعرف أحد سبب الهزيمة. امتلأت الصحف بالأكاذيب. جاءتنى رسالة من رجاء الشاعر، يقول فيها، أعيش فى باريس مع أديب من سوريا وشاعر من العراق، لم يعد الوطن العربى يحتمل وجود الشعراء والأدباء، نتابع هنا ما يحدث فى بلادنا، ما حدث فى مصر يوم 5 يونيو ليس نكسة بل هزيمة كبرى، خططت له الولايات المتحدة مع إسرائيل، أبلغوا الاتحاد السوفياتى كذبا أن إسرائيل تستعد للهجوم على سوريا، أبلغت موسكو هذا الخبر إلى القاهرة، قام عبد الناصر بتهديد إسرائيل إذا اعتدت على سوريا، كانت الخطة هى استدراج مصر إلى الحرب. لم يكن جمال عبد الناصر مستعدا للحرب، لكن المستشارين الامريكيين فى الجيش المصرى غرروا به، شجعوه على طرد القوات الدولية من شرم الشيخ، خرجت القوات الدولية بسرعة دون اعتراض الثالوث المشارك فى الخطة: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ألا يذكرك هذا بالاعتداء الثلاثى على مصر عام 1956؟ ورابعتهم إسرائيل؟ ما أن خرجت القوات الدولية من شرم الشيخ حتى بدأت إسرائيل هجومها على مصر، ضربت الطيران المصرى كله وهو نائم فوق الأرض صباح يوم 5 يونيو 1967، واحتل الجيش الإسرائيلى سيناء بالكامل.

وفى عام 1973 جاءتنى رسالة من رجاء الشاعر، يشرح لى كيف وقعت الثغرة فى حرب أكتوبر 1973، وخسائر الجيش المصرى، كانت الصحف تنشر الأكاذيب ولا أحد يعرف الحقيقة. كتب رجاء الشاعر يقول، لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورا مشابها لما حدث فى حرب 1967، أقنعت أنور السادات أنه يمكن أن يحرك القضية السياسية بمعركة عسكرية محدودة، لكن الجيش المصرى بعد أن أسقط خط بارليف أراد أن ينطلق إلى المضايق ومنها إلى تل أبيب، هنا أصدر السادات أمره بإيقاف إطلاق النار، انتهز الجيش الإسرائيلى هذه الفرصة وطوق الجنود المصريين، هكذا وقعت الثغرة.

أعقب هذه الهزيمة استدراج السادات لتوقيع المعاهدة مع إسرائيل فى كامب ديفيد عام 1976، أكبر مسمار فى نعش الوحدة العربية. وجاءت حرب الخليج عام 1991 لتمسح من الخريطة أسم العالم العربى، وتضع بدلا منه اسم الشرق الأوسط تحت سيطرة إسرائيل.

منذ تزوجت شريف عام 1964 لم تكف الحكومة عن مطاردتنا. حصل شريف على عمل فى الهند وغادر مصر عام 1973. عاش وحده فى المنفى أربعة أعوام. أغرق نفسه فى العمل والكتابة وأحب الهنود. بقيت فى مصر لأرعى الابنة والابن، يرتبطان بحياتهما فى المدرسة، الزملاء والزميلات والأهل والأصدقاء والصديقات، لم يكن لنا أن نخلعهما من جذورهما فى هذه السن المبكرة ليعيشا الغربة.

ثم انتقل شريف إلى أديس أبابا فى الحبشة. عاش ثلاثة أعوام أخرى فى المنفى. لم يعد إلى مصر إلا عام 1980، قبل أن يكسر رجال البوليس باب بيتنا ويأخذونى إلى السجن يوم 6 سبتمبر 1981.

بعد خروجى من السجن بدأت النساء والشابات يترددن على بيتى فى الجيزة. ظهرت فى الأفق فكرة إنشاء جمعية تضامن المرأة العربية. تكونت النواة الأولى، مائة وعشرين امرأة من ثمانية بلاد عربية منها مصر. أصبح شعارنا: رفع الحجاب عن العقل، المعرفة قوة، والتضامن بين النساء قوة.

فى عام 1982 بدأنا نؤسس الفرع المصرى تحت اسم الجمعية الأم. وقفت الحكومة المصرية ضدنا ثلاثة أعوام، وصلنى خطاب فى 19 أغسطس 1983 بشعار الدولة النسر، يقول الآتى بالحرف الواحد:

"تقرر رفض تسجيل جمعية تضامن المرأة العربية لعدم موافقة مباحث أمن الدولة، بعد الإطلاع على رد مديرية أمن القاهرة، إدارة البحث الجنائى قسم مكافحة جرائم الآداب العامة."

أرسلت صورة من هذا الخطاب إلى جميع الصحف فى مصر أردت أن أكشف كيف تتعامل الحكومة مع المواطنات من الشعب، كيف تنتهك الحكومة القانون والدستور تحت اسم مكافحة جرائم الآداب العامة. بدأت حملة صحفية ضد وزارة الشئون الاجتماعية، قادها كبار الصحفيين من اليمين واليسار ومن الحكومة أيضا، جريدة الأخبار من أكبر الصحف الحكومية فى مصر، مصطفى أمين من أكبر الصحفيين المصريين، يكتب عمودا يوميا فى جريدة الأخبار تحت عنوان فكرة، يوم 23 أكتوبر 1983 نشر ما يأتى بالحرف الواحد:

فكرة!

منذ عام اجتمع عدد من السيدات بعضهن أساتذة فى الجامعة ومدرسات بها وصحفيات وشاعرات وكاتبات وربات بيوت واتفقن على تأليف جمعية "تضامن المرأة" مهمتها النهوض بالمرأة والدفاع عن حقوقها والارتقاء بها.

وأعترض البعض بأنها حركة عنصرية رجعية تعمل على تكتيل النساء ضد الرجال، وتفصل بين مشاكل المرأة ومشاكل المجتمع. ولكن جمعية تضامن المرأة كانت تفادت هذا الاعترض عندما فتحت عضويتها للرجال، وفعلا اشترك بعض الرجال فى نشاط الجمعية.

ومنذ بداية العام والجمعية فى نشاط مستمر، تجتمع مرة كل أسبوعين، وتقيم ندوات ثقافية وفنية وأدبية وتناقش بعض الكتب التى ترتبط بأهداف الجمعية. ونظمت دراسات عن مشاكل المرأة العاملة ونظرة الصحافة والتليفزيون والإذاعة والسينما إلى المرأة المصرية.

وتقدمت الجمعية إلى وزارة الشئون الاجتماعية لشهرها. وإذا بالجمعية تتلقى خطابا من إدارة مكافحة جرائم الآداب العامة ترفض قيام هذه الجمعية!

ودهشت عضوات الجمعية، ما علاقة بوليس الآداب بجمعية هدفها المساهمة فى رفع المستوى الاجتماعى والثقافى للمرأة فى مختلف المجالات وربط مشاكلها بمشاكل المجتمع. وفتح مجالات جديدة أمام المرأة فى العمل، وتنمية الشخصية الأصلية للمرأة المصرية؟

هل الحديث عن الحرية قلة أدب؟ هلى الكلام عن الديموقراطية عمل فاضح فى الطريق العام؟ هل مطالبة المرأة بمزاولة حقها الانتخابى قلة حياء؟ نفهم أن يكون عمل بوليس الآداب محاربة الفساد؟ ولكن ما علاقة بوليس الآداب بأساتذة الجامعة والمثقفات والمؤلفات والشاعرات؟ أى شىء فى أهداف الجمعية فيه قلة أدب أو قلة حياء؟!

إن رئيسة الجمعية هى الدكتورة نوال السعداوى الكاتبة المعروفة وصاحبة المؤلفات العديدة التى ترجمت إلى عدة لغات، وآخر كتاب لها هو "الإنسان". اثنتا عشرة امرأة فى زنزانة واحدة. وهو مهدى "إلى كل من عرف القهر فى البيت أو فى السجن" وهى رواية عن حياة 12 سيدة قبض عليهن فى 5 سبتمبر سنة 1981 بتهمة أنهن خصوم الحكومة! وبينهن عدد من أبرز أساتذة الجامعة ومدرساتها والصحفيات والكاتبات.

فهل أعتبر بوليس الآداب أن هذا الكلام قلة أدب وقلة حياء ولهذا رفض أن تكون جمعية رئيستها مثل هذه الدكتورة طويلة اللسان؟

وسكرتيرة الجمعية هى الدكتورة منى أبو سنة الاستاذ بكلية التربية بجامعة عين شمس. ومن أعضاء الجمعية الدكتورة لطيفة الزيات والدكتورة ليلى عنان والدكتورة عواطف عبد الرحمن والدكتورة عفاف محفوظ وإنجى رشدى المحررة بالأهرام وعائشة أبو النور الكاتبة بأخبار اليوم والأستاذات عطيات الأبنودى وشهيرة محرز ومنى حلمى والدكتورة سهى عبد القادر !..

يقولون أن الدولة تحيل كل شىء يتعلق بالمرأة إلى بوليس الآداب.

وإذا كان هذا صحيحا، فهذا أمر لا يمكن السكوت عليه فى الوقت الذى أصبح فى مصر وزيرات وسفيرات ووكيلات وزارات وعضوات مجلس الشعب!

صدق .. أو لا تصدق!

مصطفى أمين

وفى جريدة الشعب الناطقة فى ذلك الوقت بلسان حزب العمل الاشتراكى، كتب فتحى رضوان من أكبر رجال السياسة فى مصر يقول فى 22 نوفمبر 1983 تحت عنوان:

دولتنا بوليسية

تفضلت الأديبة  الكاتبة الدكتورة نوال السعداوى. فأطلعتنى على خطاب أرسل إليها من السيد المدير العام للمكتب الفنى بالإدارة الإجتماعية بالوايلى بمنطقة القاهرة، مؤرخ فى 9/8/1982 يتضمن قرارا صادرا من سيادته يقضى برفض عدم اشهار جمعية "تضامن المرأة"، وقد ذكر الخطاب المشار إليه كجزء من قرار الرفض ومسبب له ما نصه: عدم موافقة مباحث أمن الدولة.

والحق أننى تولانى عجب لا نهاية له من أن إدارة من إدارات الحكومة، لا تجد حرجا فى أن تعلن ببساطة أنها تعمل لحساب مباحث الدولة، وأنها تتلقى صراحة أوامر وتوجيهات من هذه المباحث فتعمل بها وتطيعها، وتعلن للناس ذلك أى تعلن للناس أنها لا تجد بأسا فى أن تكون ذيلا لإدارة مباحث أمن الدولة. وهذا شىء خطير من كل ناحية فمباحث أمن الدولة هى جهاز من أجهزته العديدة المكونة لجهاز أكبر كثيرا وأضخم، وهو جهاز الدولة الشامل العظيم، ومن ثم فإن هذا الجهاز الجزئى، مهما بلغ من خوف الناس منه وخشيتهم من قدرته على إيذائهم ولا سيما فى ظل قوانين الطوارئ، إلا أنه ليس سيد الحكومة، ولا صاحب الأمر والنهى فيها.

فإذا كانت وزارة الشئون الاجتماعية قد قبلت أن تخضع فى المسائل الخاصة بتأليف جمعيات لتوجيهات إدارة مباحث أمن الدولة وأن تتلقى الأوامر منها فتطيع وتنفذ الأمر، وكأن هذه الوزارة عسكرى من عساكر الشرطة، يوجه فيتجه ويؤمر فيذعن، فقد كان ممكنا أن يتم هذا الأسلوب من الخضوع والطاعة، فى تستر. فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: (إذا بُليتم فاستتروا)، والستر الذى نريد أن نسدله على الوزارة، يقتضيها أن تتلقى خطابات إدارة مباحث الأمن، فتنفذ ما جاء فيها وتتحمل مسئولية القرار الذى أصدرته إدارة المباحث دون أن تعلن أنها تلقت هذا الأمر، تلقت الخطاب الصادر من الوزارة إلى الجمهور المتعامل بوضع هذا الاعتراف المؤذى، فى صدر هذا الخطاب فيعرف الناس جميعا أن حكومتنا هى حكومة بوليسية وأن صاحب السلطة الحقيقية فى تصريف البلاد هو مخبر المباحث الذى يكتب التقرير لإدارة المباحث التابع لها مقترحا عدم الصريح بتأليف تكوين الجمعية التى يطلب تشكيلها عدد من أفاضل أساتذة الجامعة أو عدد من افاضل السيدات والكاتبات وصاحبات الرأى ممن لهن عدد ضخم من التلاميذ والمريدين بدعوى أن هذه الجمعية جمعية شيوعية.

والحكومة البوليسية هى حكومة مكروهة من العالم كله، وبعض الحكومات البوليسية تخفى "بوليسيتها" تحت ستار من المدنية والسرية ولا تفعل ما تفعله وزارة الشئون الاجتماعية علنا وبلا خجل.

فقد سبق أن أخبرنى وكيل تعليم من كليات الجامعة أنه فكر وعدد من زملائه الأساتذة فى تأليف جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان فى إحدى عواصم الصعيد، فجاءهم خطاب مماثل تماما للخطاب الذى وصل السيدات اللواتى فكرن فى تكوين جمعية تضامن المرأة.

والمؤسف حقا أن هذا التصرف الذى يصدر من وزارة ترأسها أستاذة للقانون هى الدكتورة أمال عثمان وهى بحكم ثقافتها، ومهنتها، وعلمها تعرف الحكومة البوليسية، ?تعرف ما يقوله وقاله علماء القانون فى استهجانها، والدعوة إلى وضع حد لخصائصها فى كل بلد.

والطريف الذى يحول الأمر - فى موضوع دس المباحث أنفها فى نشاط الوزارات والمصالح الحكومية إلى مهزلة مبكية ومأساة مضحكة - أن طلب وزارة الشئون الاجتماعية يقول: إن اقتراح منع التصريح بتكوين جمعية تضامن، صدر من إدارة البحث الجنائى لمكافحة جرائم الآداب العامة .. ومعنى ذلك بعبارة واضحة ان تصنيف النشاط الاجتماعى فى وزارة الشئون الاجتماعية اضاف تأليف الجمعيات إلى إدارة تكافح الانحطاط الخلقى، وترويج الفاحشة والعمل على ممارستها، وهو شىء آخر يرينا العقلية التى يحكم بها على نشاط أصحاب الرأى والراغبين فى الخدمة.

فبماذا ننصح السيدات اللواتى أردن أن يدافعن عن حقوق المرأة التى هى فرع أو ربما أصل لحقوق الإنسانية؟! أننصحهن بالكف عن هذه المحاولة الشريفة السامية، وأن يدعن مجتمعنا بلا محاولة لرفع مستواه.

أم ننصحهن، بإنشاء جمعيتهن دون مراعاة قواعد القانون التى تحتم على من تسول له نفسه تكوين جمعية أن يعرض أمره على إدارة تكافح عيوب الآداب وآفاتها.

إنه مصاب يبكى ويضحك، ولكن لا نجد له حلا، إلا أن تدعوا له أن يأخذ بيد هذا البلد، وأن نقول للسيدة أمال عثمان وزيرة الشئون الاجتماعية أنها لا تخدم السيد اللواء حسن أبو باشا الوزير المشرف على إدارة مكافحة جرائم الآداب العامة، ولا تتلقى منه الأوامر، بل إنها لا تخدم السيد رئيس الجمهورية، إنما هى تخدم القانون الذى تعلمته واصبحت استاذة فيه وبفضل هذه الاستاذية اختيرت للوزارة وانها بسبب تبعيتها للقانون وانتسابها إلى اسرته يجب أن تراجع قواعد واساليب العمل فى وزارتها لتمنع صدور خطاب بهذه الصورة المؤذية الجارحة التى نقلنا صيغتها بالحرف الواحد، ولنمنع من باب أولى، صدور قررا مؤسف محزن كالقرار المانع من تكوين جمعية تضامن المرأة.

فتحى رضوان

وفى جريدة الجمهورية، وهى من أكبر الصحف الحكومية فى مصر، كتب صلاح حافظ فى 8 ديسمبر 1983 مقالا شديد اللهجة ضد منطق أمال عثمان وزيرة الشئون الاجتماعية، واعتبر خطابها الرسمى إلينا فضيحة للحكومة المصرية، وأنه لا يزال على مكتبه يلوثه.

وكتب صلاح حافظ يقول بالحرف الواحد:

نعم تلوثه.

فلا شىء ينقض الوضوء فى اعتقادى قدر ما تنقضه ورقة تقول لنساء يعلمن أولادنا فى الجامعة: أحلنا أمركن إلى بوليس الآداب!

ولا شىء يهين مصر، ويلوثها، ويمتهن ثقافتها وحضارتها، ويشهر بها فى العالم كله .. مثل ما يفعله قرار مختوم بختم الدولة يعترف بأن الجهة المختصة بالتعامل مع الاساتذة والمديرات والكاتبات فى مصر هى بوليس الآداب! صحيح أن فى مصر عقولا ومنظمات تعتبر مجرد تعليم المرأة فسقا ودعارة، ?مجرد وجودها فى حقل العمل العام ضلالة وانحلالا. لكن الدولة لا تكف فى دعايتها عن اتهام هؤلاء الناس بالجهل والضلال. فما بالها تتبنى نفس أفكارهم، وتجعل التعامل مع المثقفات والرائدات من اختصاص البوليس المتخصص فى مقاومة الفسق والدعارة؟!

هل تسللت هذه العقول، وتلك المنظمات، إلى داخل جهاز الدولة؟ وهل سيطرت إلى الحد الذى جعل الثقافة والدعارة فى بلادنا وجهين لعملة واحدة، حسابها ورصيدها عند بوليس الآداب؟

كنت اتصور حتى الان أن الرأى فى شئون الجمعيات الثقافية للجهات الثقافية فى الدولة.

لقد تخلفنا كثيرا فيما يبدو، ودون أن نشعر.

ومن ينقذنا من هذا التخلف إلا أن ننسى بعض الوقت الذين يشهرون بنا فى الخارج. ونتلفت بعض الوقت إلى الذين يشهرون بنا فى الداخل.

الذين يلطخون وجه مصر على راحتهم. ويزينون اللطخ بالتوقيعات وختم النسر، ويقدمون للدنيا كلها وثائق تث&#