nawal and sherif

Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata

Home | Books

  أوراقى حياتى : الجزء الثالث

د. نوال السعداوى

 

لحظات سقطت فى العدم

القلم بين أصابعى والصفحة تحت يدى بيضاء. يتحرك القلم دون أن يكتب شيئا. ترمقنى الصفحة البيضاء بسخرية. كأنما لم أكتب فى حياتى سطرا. تبدو اللغة غريبة كلماتها مبنية للمجهول. حروفها مقدسة تخاطب المرأة بصيغة المذكر. كل شئ مذكر فى اللغة حتى الإله والشيطان والموت. الصفحة الخالية من الكتابة لونها أبيض بلون الموت. الكفن أبيض وسرير المستشفى أبيض. معاطف الأطباء والطبيبات ومرايل الممرضات والممرضين. عيناى مفتوحتان لا أعرف إن كنت الطبيبة أو المريضة. الكاتبة أو الصفحة البيضاء غير المكتوبة. المساحات الخالية بين السطور. اللحظات الساقطة من حياتى والسنون. تسرب الروح من الجسد وغياب العقل.

هل عجزت عن الكتابة أم أشرفت على الموت؟ كانت هناك علاقة دائمة بين الموت وعدم الكتابة. فوق فمى كمامة. رائحة الإثير تملأ الجو. ربما هو المخدر. يلجأون دائما إلى المخدر فى مواجهة الوعى.  جسدى مصلوب فوق منضدة الجراحة فى غرفة العمليات. أو ربما هى منضدة المشرحة فى كلية الطب. مربوطة الذراعين والساقين بخراطيم من المطاط. أسمعهم يتكلمون عنى بضمير الغائب. كلمة الضمير فى اللغة مذكرة مثل كلمة إنسان. لا يوجد فى اللغة مؤنث كلمة ضمير. أصواتهم متشابهة ملابسهم بيضاء رائحتهم واحدة. مزيج من الإثير وصبغة اليود ودخان سجائر. صوت ينادى إسمى وإسم أبى، لم يكن لى أب واحد، هناك دائما أكثر من أب، إسم الأب الواحد أسطورة، فى التاريخ يحجب الأصل تحت صورة أب رمزى، لغة تجعلنا كائنات مذكرة أو لا نكون. صورة مقدسة تعيش على كبت الحقيقة. تحت تأثير المخدر تطل الحقيقة المكبوتة من تحت الماء مثل رأس جبل من الثلج.

- وأين هى أمى؟

أتلفت حولى أبحث عن وجه أمى بين الوجوه. أصابع حديدية تثبت رأسى فى المنضدة. تزحف الأصابع إلى عنقى تضغط عليه. أيحاولون خنقى لأنى أسأل عن أمى؟ أين اختفت أمى؟ قتلوها؟ دفنوها فى مقبرة ومعها إسمها؟ شطبوا على إسم أمى. مسحوه بالأستيكة. قالوا ربما بعد الموت تحملين إسم أمك، لأن الحقيقة بعد الموت تظهر، ويختفى إسم الأب المزيف.

الصوت ينادى إسمى مرة أخرى. يرن الاسم فى أذنى مألوفا. سمعته مرارا فى مراحل حياتى السابقة. رأيته فوق أغلفة كتبى ورواياتى. الصوت ينادينى بلهجة خشنة ذكورية. صوت رجل ملامحه غريبة. هذا الرجل لا أعرفه مع ذلك يمسك يدى المثبتة فوق المنضدة، يقول للأطباء والطبيبات أنه زوجى.

- متى تزوجت هذا الرجل؟!

ارفع يدى لأمسك رأسى. يدى لا تتحرك. الصداع يقسم رأسى قسمين. ذاكرتى لا تسعفنى. لحظات فى حياتى سقطت فى العدم. أحاول استعادتها دون جدوى. هذا الإثير يخدرنى، يستخدمون المخدر لقتل الذاكرة. اقاوم، أفتح فمى لأصرخ. صوتى لا يخرج.  

*   *    *    *

مربوطة الذراعين والساقين، فوق فمها كمامة، تفتح فمها نصف فتحة وتقول لهم: لا اريد مخدر! لا أريد أن أفقد الوعى! أنا طبيبة ولست مريضة وإسمى نوال وأمى إسمها زينب أما جدى السعداوى فأنا لا أعرفه مات قبل أن أولد.  

*   *    *    *  

الصوت يناديها بإسمها وهى لا ترد. زوجها يقول لهم أنها ليست نائمة وليست غائبة عن الوعى. إنها فقط تكتب. وهى حين تكتب تصبح غائبة عن هذا العالم. لا تسمع أحدا ولا ترد على أحد.

قالت لزوجها بعد ليلة الزفاف المؤلمة سأكتب مالا يكتب. كل يوم تجلس إلى مكتبها من أول النهار حتى آخر الليل. القلم بين أصابعها والصفحة تحت يدها بيضاء. تمزق الورقة وراء الورقة. تمزق شعرها. تفتح فمها عن آخره تطلب الهواء. تختنق. تشد الكمامة فوق فمها. تعض بأسنانها الأصابع الملفوفة حول عنقها.

جسمها فوق المقعد اصبح جزءا من المقعد. مربوطة إلى المقعد بالحبال. نصفها الأسفل مربوط لا يتحرك. النصف الأعلى لا نرى منه إلا الرأس المطرق فوق المكتب. القلم بين أصابعها الطويلة السمراء يرسم على الورقة حروفا سوداء مبتورة. يحتك سن القلم بالصفحة البيضاء. يصنع صريرا خافتا. أذناها تلتقطان الصوت داخل الصمت. ينتصب رأسها وعيناها نصف مغمضتين.

كأنما لم أكتب فى حياتى. لم تمسك أصابعى القلم. لا أعرف اللغة، واللغة لا تعرفنى. هذه الحروف ليست حروفى، لم أتعلمها من أمى، يقولون عنها لغة الأم، وهى لغة رجل غريب مات قبل أن أولد، أحاول النهوض من مقعدى وراء المكتب. قدماى وساقاى مربوطة بالحبال. أسير نحو السرير بجسدى المربوط. أستغيث فى النوم بلا صوت. شريف نائم إلى جوارى مستغرق فى النوم.

أرمقه بشىء من الحسد. منذ تزوجنا عام 1964 وهو ينام بسهولة. يضع رأسه فوق الوسادة وينام فى نصف ثانية. ضوء خافت يسقط فوق الجدار من خلال شقوق النافذة. نسمة خفيفة تحرك النتيجة المعلقة، التاريخ يشير إلى العام الجديد 2000، يبدو الرقم غريبا، يفتح شريف عينيه، يرمق الرقم بدهشة، يا خبر بقينا فى سنة 2000 كده بسرعة؟ أطفو فوق السرير كأنما اعوم فوق الزمان والمكان.  

*    *    *    *  

الزمن يمضى وأنا متجمدة تحت الغطاء. أحاول النوم دون جدوى. كأنما نسيت كيف كنت أنام، أحاول الكتابة دون جدوى، كأنما نسيت اللغة، شريف نائم إلى جوارى. ترك سريره فى غرفته وجاء إلى غرفتى. تحدثنا قليلا قبل النوم. يكتب رواية جديدة وأنا عاجزة عن الكتابة. كأنما لم أكتب أبدا. عيناى مفتوحان كأنما لم أنم أبدا. يفتح شريف جفونه يرانى محملقة فى السقف.

- مالك يا نوال؟

- مش عارفة أكتب يا شـريف، لا يمكن حاكتب أبدا أبدا، كل مرة تقولى كده يا نوال وتكتبى، المرة دى هى الاخيرة يا شريف، كل مرة تقولى هى دى الأخيرة، لأ خلاص هى دى الاخيرة ولا يمكن حاكتب، خلاص فقدت القدرة على الكتابة، حاولى تنامى يا نوال، مش عارفة أنام خلاص فقدت القدرة على النوم.  

*    *    *    *  

أنهض من السرير وأمشى فى الظلمة. على أطراف أصابعى أمشى حتى لا يشعر بى شريف. أسير إلى الشرفة. نحن فى الدور السادس والعشرين، فى القرن الواحد والعشرين، أمد قدمى إلى السور واقفز فى الهواء.

ثم أفتح عينى، أرى جسمى ممدودا فوق السرير. إلى جوارى القلم والصفحة البيضاء تعلوها خطوط متعرجة بلا كلمات، بلا عبارة واحدة ذات معنى.

يفتح شريف عينيه. يرانى صاحية شاخصة إلى السقف. يربت على كتفى: نامى يا نوال، أهمس بصوت خائر: تفتكر يا شريف إن فيه تناقض بين الزواج والإبداع؟ يضحك شريف، جايز يا نوال، لكن خلاص نعمل إيه بعد خمسة وثلاثين سنة؟!  

*    *    *    *  

الكتابة فى حياتى كانت تأخذنى إلى بئر عميق فى بطن الأرض. إلى مكان يخلو من البشر. إلى مساحة لا يشاركنى فيها أحد. لا أسمع صوتا. لا شئ يتحرك. صمت مطبق كالموت. كنت أحمل قلمى وأوراقى وأغادر البيت. أمشى وأمشى دون توقف. أتلفت حولى كأنما أبحث؟ اتطلع إلى الأرض والسماء والبيوت والشوارع والعمارات والأزقة. أبحث عن شق أهرب فيه. أختفى داخله وأغلق ورائى سبعة أبواب. لا يكفى باب واحد لطرد الأصوات. ابحث عن الصمت داخل الصمت. أتلفت حولى لا أعرف إلى أين أذهب. اسير بحذاء نهر النيل. اتوقف لحظة أحملق فى المياه أمد قدمى فوق السور واقفز.

اصحو من النوم مبللة بالعرق. الأوراق مبعثرة فوق السرير والقلم فى يدى. إلى جوارى رجل نائم.

النتيجة فوق الجدار مكتوب عليها التاريخ، اليوم والشهر والسنة. أحملق فى الرقم، 1956، هل عادت عقارب الساعة إلى الوراء أربعة وأربعين عاما وأنا  غارقة فى النوم؟ الرجل النائم يفتح عينيه. الظلمة شديدة لا أرى من ملامحه إلا العينين. من خلال الضباب الأسود يبرز الأنف. عظمة كبيرة تتوسط الوجه مقوسة قليلا. تحت الأنف شارب أسود كبير.

لا شئ ينفرنى فى الرجال مثل الشعر فوق وجوههم، يذكرنى بالفصائل السابقة لنشوء الانسان.

كان نائما على جنبه الأيسر، ظهره ناحية الحائط وجهه ناحيتى. التاريخ فوق الحائط يشير إلى عام 1956. قشعريرة باردة تزحف إلى جسدى. ذاكرتى تعود إلى السطح بالتدريج أخرج من بطن الأرض جزءا جزءا، أصحو فوق شئ يهتز، جفونى ثقيلة افتحها بصعوبة التاريخ فوق الحائط ثابت عند عام 1956. النافذة مفتوحة بدون زجاج ولا شيش. الهواء البارد ينفذ إلى جسدى وأنا  راقدة فوق ظهرى. أسنانى تصطك ارتجف بالحمى. فى حلقى غصة وفى انفى رائحة دم. عيناى تدوران فوق الجدران. المكان غريب لم أره من قبل. الحائط بلا طلاء لونه اسود تعلوه بقع أكثر سوادا. الشقوق فى الجدران تشبه الشقوق فى الارض يتدلى من السقف سلك كهربى مات فوقه ذباب أسود. الرجل نائم إلى جوارى فوق السرير العريض من الصاج الأسود. عيناه مغمضتان والزمن لا يتحرك. التاريخ ثابت عند عام 1956، بالضبط يوم 23 يوليو 1956. أشد جفونى لأصحو. عيناى مفتوحتان من قبل. لم أغمضهما لحظة واحدة طول الليل. كنت افكر فى الهروب، كيف أهرب والى أين؟

الليل كان طويلا بلا نهاية. مسمار فى الحائط يتدلى منه معطف أبيض تعلوه بقعة دم، حقيبة صغيرة من الجلد الأسود، ملقاة فى وسط الغرفة، من حولها تبعثرت أدوات طبية، سماعة لها خرطوم اسود طويل، حقنة لها ابرة طويلة، اربطة شاش وقطن ، وصورتى فوق  بطاقتى ممزقة ومعها أسمى.

لايزال نائما على جانبه الايسر، وجهه ناحيتى، ذراعه اليمنى ممدودة فوق السرير. كنت أترك مساحة كبيرة بيننا، مسافة طويلة أطول من ذراعه الممدودة، يده ضخمة كبيرة، أصابعه غليظة، لم أر فى حياتى أصابع غليظة بهذا الشكل. أتلفت حولى أبحث عن مكان الباب. الظلمة شديدة لا أرى الباب، كأنما الغرفة بدون باب، اربعة جدران عالية سوداء، ولا منفذ للهروب.

هذه الليلة صيف عام 1956 تعود إلى ذاكرتى، ومعها ليلة اخرى فى صيف عام 1941، بالضبط 30 أغسطس 1941. أردت الهروب من بيت أبى وأنا  فى العاشرة من العمر. لم تكن الليلة مفزعة مثل تلك الليلة 23 يوليو 1956. اللحظات المنسية فى حياتى تطفو فوق سطح الذاكرة. عيون سوداء صغيرة تلمع وسط خضم من السواد. نجوم تظهر فى الليل من وراء سحابة كثيفة سوداء. الهروب من بيت الأب اقل إفزاعا من الهروب من بيت الزوجية. كلمة "زواج" تعنى باللغة العامية "الجواز"، كانت جدتى تقول: “ربنا كتب علينا الجواز يا بنت إبنى، مصيرك الجواز زى كل البنات، القدر والمكتوب ع الجبين لازم تشوفه العين، جوازتى كانت جنازتى يا بنت إبنى، نحمدك يارب على كل المصايب ولا يحمد على مكروه سواك.

منذ السادسة من عمرى وأنا  أحفظ هذه الكلمات الثلاثة عن ظهر قلب، انطقها فى نفس واحد: "ربنا. المصائب. الجواز".  

*    *    *    *

كلمة الحب لم تكن هى الجواز. كنت أغنى مع الراديو للحب. لم نكف نحن البنات عن الغناء للحب. لم اسمع فى حياتى أغنية واحدة عن الزواج.

الحب مصيدة الفئران تدخلها البنات آمنات مغمضات العيون مثل القطط المغمضة. يفتحن عيونهن مفزوعات. تحول الحب إلى أربعة جدران سوداء فى بناء آيل للسقوط هو بيت الزوجية.

فى العاشرة من عمرى خفق قلبى بالحب الأول. لم أكن أرى من الرجل إلا عينيه. كان يمكن أن أموت من أجله. إختفى الرجل لحسن حظى قبل أن أهرب من بيت أبى. سافر ولم يترك إلا صورة ضوئية إختفت هى الأخرى وسقطت فى العدم. التقيت به صدفة بعد ثلاثين عاما. رأيت وجها غريبا له أنف طويل مدبب وشفتان رفيعتان إلى حد التلاشى. أيمكن أن يقبل بهما امرأة؟! عيناه صغيرتان غائرتان بلا بريق ولا ضوء. كيف كانت عيناه تغرقنى كالشمس، لم أستطع الحملقة فيهما، كنت أسقط فيما يشبه الإغماءة إن رنت حروف إسمه فى الجو.

فى العشرين من عمرى خفق قلبى بالحب الثانى. عيناه كالحب الأول كانت هى الشمس. هربت من بيت أبى وأمى. تركت كتبى وأوراقى واقلامى وملابسى وصور طفولتى. سرت فى الطريق اليه لا التفت ورائى. تحول الحب لسوء الحظ إلى زواج. فتحت عينى على الجدران الاربعة السوداء، داخل مطبخ فى بيت قديم آيل للسقوط فى حى بمدينة القاهرة إسمه المنيل.  

*    *    *    *  

بالامس رأيت فيلما مفزعا مخرجه ستانلى كوبريك. مأساة الجنود الأمريكيين فى حرب فيتنام. مكنة الحلاقة ذات الموسى الحاد تدور على رؤوس الشباب فى ربيع عمرهم، تجتز شعورهم عن فروة الرأس، الخراف يسلخون جلودها فى المذبح. يتحول الشاب الفنان الرقيق إلى قاتل سفاح. يدرب على القتل دون أن يطرف له جفن. يقول له المدرب العسكرى:

- سلاحك فى يدك مثل سلاحك بين فخذيك منبع القوة والرجولة.

تدور الكاميرا على أجسام الشباب فى معسكر التدريب، يمسكون باليد اليمنى البندقية، وباليد اليسرى يمسكون العضو الذكرى اسفل البطن، يسيرون فى صف طويل يشبه القطار الطويل يسير فوق القضبان، كل منهم يمسك قضيبه.

كنت جالسة فوق الكنبة الزرقاء العريضة فى الصالة، إلى جوارى شريف يتابع الفيلم. دخل المدرب العسكرى غاضبا إلى أحد الشباب يأمره أن يسلم سلاحه. نهض الشاب واقفا يرمقه بعينين يختفى سوادهما تحت الجفن. تحولت العينان الى مساحة من البياض بلون الثلج. المدرب العسكرى يقترب منه يأمره أن ينزع سلاحه. الشاب واقف فى مكانه ثابت. البياض فى العينين ثابت. الننى الاسود الصغير اختفى تماما تحت الجفن. اللون الابيض فى العينين كالثلج. تحرك اصبع واحد على الزناد. انطلقت الرصاصة فى صدر المدرب العسكرى. سقط إلى الارض غارقا فى دمه. توقف الشاب يلهث. جلس فوق المرحاض. وضع فوهة البندقية فى حلقه. ضغط بأصبع واحد. تفجر الدم من حوله، فوق الجدار الابيض اللامع من السيراميك، فوق السقف الابيض، وبلاط الارضية الابيض، غرق البياض فى دم احمر.

منذ طفولتى يفزعنى الدم الاحمر فوق الملاءة البيضاء. دم العذرية والحيض والختان، قطعة دم متجلطة تنزلق من جسدى وأنا  امشى فى الشارع. نقطة دم تتركها الابرة فوق ذراعى بعد أن ينزعها الطبيب. وجه الطبيب يشبه وجه المدرب العسكرى فى الفيلم. وجه ممسوح الملامح رمادى اللون كالجرانيت، والعينان ممسوحتان إلا من البياض الابيض بلون الثلج. واقفا أمامى شاهرا الابرة فى وجهى مثل البندقية.

انتهى الفيلم بعد منتصف الليل. أطفأ شريف جهاز الفيديو. ذهبنا معا إلى النوم. اصبح لكل منا غرفة نوم مستقلة. داخل كل غرفة مكتب صغير ومكتبة لها رفوف تحمل الكتب والاوراق والصور وخطابات الحب السرية. تعودت الكتابة والنوم داخل غرفة خاصة لها باب لا يفتحه احد. الكتابة مثل النوم تحتاج إلى الصمت المطبق. الصمت داخل الصمت.

منذ الطفولة تفزعنى الافلام كأنما هى الحقيقة. يفزعنى الظلام فى الليل. اتسلل من سريرى لانام بجوار أمى أو أختى. تجاوزت الستين عاما والطفلة فى اعماقى هى الطفلة. اخاف الظلام حين امشى وحدى فى الليل. منظر الدم فى الافلام يرتعد له جسدى. يسألنى شريف كيف اشتغلت طبيبة وجراحة فى مستشفى الصدر بالجيزة؟ كيف أمسكت المشرط فى يدك وفتحت الصدر والبطن دون أن يطرف لك جفن؟

واقول لشريف إنها امرأة أخرى تلك التى اشتغلت بالطب والجراحة. أو ربما يختلف الدم المراق تحت أيدى الاطباء والطبيبات عن الدم المراق تحت ايدى العساكر والازواج.

*    *    *    *

 

صور من الماضى ماتت وراحت فى العدم. احاول استعادتها دون جدوى. اللون الاحمر القانى يلطخ السطح الابيض. مشهد أراه فى النوم حين يغيب الوعى. حين يتسرب اللاوعى إلى الوعى. منذ الطفولة يرتعد جسدى لمنظر الدم.

قطرة حمراء فوق ملاءة السرير البيضاء. من أين يأتى الدم فى الطفولة؟ ولماذا يتكرر دون انقطاع؟ منذ التاسعة من عمرى رأيت الدم فى الفراش. تعودت رؤيته الشهر وراء الشهر، السنة وراء السنة حتى أدبرت طفولتى.

لم تعد البقعة الحمراء فوق الملاءة تفزعنى. أصبح غيابها هو المفزع. افتح عينى كل صباح وأبحث عن البقعة الحمراء فوق الملاءة، فى ملابسى، فى ثنايا النسيج الأبيض أبحث عن قطرة واحدة حمراء.

تمط سامية شفتيها الرفيعتين وتقول، هذه اشياء غير مهمة يا نوال، المهم قضية تحرير العمال والفلاحين من الرأسمالية والامبريالية، ويضحك شريف حين يسمعها تنطق هذه العبارة فى نفس واحد، يعرف انها صديقتى منذ المدرسة الثانوية فى حلوان الداخلية، وقد اصبحت زميلة له فى حزب اليسار منذ اكثر من نصف قرن.

رغم الاختلاف تستمر صداقتى بها، الصداقة القديمة منذ الطفولة تصبح مثل علاقات الدم، حين كتبت عام 1965 عن الختان ومشاكل المرأة الجنسية قالت إننى أخون القضية الوطنية، وفى عام 1972 حين كتبت عن النظام الطبقى الابوى قالت لا يوجد إلا النظام الطبقى فقط أوالمشكلة الاقتصادية، وفى عام 1982 حين بدأنا نشكل تنظيما للنساء اعترضت وقالت لا تمثل النساء طبقة ولا يحق لهن تكوين تنظيم مستقل. ثم نطقت كلمة “فيمنيست” وهى تمط شفتيها الرفيعتين بامتعاض.

لكن سامية تغيرت مع مرور الاعوام، وفى عام 1995 حضرت مؤتمرا للمرأة فى نيويورك، ثم عادت تتحدث عن النظام الطبقى الابوى، وفى عام 1997 اصبحت ترأس تنظيما نسائيا مستقلا، ومجلة للمرأة من النوع الفيمنيست، وفى عام 1998 بعد أن اصدر وزير الصحة قرارا بمنع ختان البنات فتح شريف الجريدة ذات صباح، راى صورة سامية تتلقى الجائزة أو الوسام باعتبارها الرائدة فى مجال النضال ضد منع الختان.  

*    *    *    *

فى المدرسة الثانوية كانت البنات يبحثن فى ثنايا ملابسهن الداخلية عن القطرة الحمراء. كان إختفاء الدم فى حياة البنت يعنى كارثة. تخشى البنات الحمل السفاح.

لا يغسل العار إلا الدم، الرجال يقومون بالغسيل، والنساء يفقدن الدم، يتحول القاتل إلى بطل يحمى الشرف، تدفن البنت فى الخفاء ويدفن معها اسمها واسم امها. يتألق إسم الاب بعد مقتل البنت.

منذ قصة العذراء الطاهرة فى التاريخ تخشى البنات الحمل السفاح. يدور السؤال فى رؤوسهن وهن نائمات: أيمكن أن تتكرر القصة فى التاريخ؟ هناك قصص تكررت وجاء ذكرها فى كتب الله. كم مرة تكرر عصيان بنى اسرائيل لأوامر الله؟ كم مرة تكرر غفران الله لبنى اسرائيل؟ كم مرة أرسل الله إلى البشر رسولا يحثهم على الايمان به؟ كم كان عدد الانبياء والمرسلين؟! كم مرة تكرر نزول الانبياء إلى الناس؟ كم مرة ارسل الله مندوبه إلى سيدنا ابراهيم وسيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا محمد؟! لماذا اذن لا يتكرر نزول مندوب الله إلى احدى البنات لتحمل كما حملت ستنا مريم العذراء؟!

فى المدرسة الابتدائية ورد السؤال إلى ذهنى وأنا  نائمة. كالحلم الآثم كتمته فى أعماقى. ثم اكتشفت أن جميع البنات احلامهن آثمة. وفى المدرسة الثانوية أيضا همست لى الزميلات بما يدور فى عقولهن اثناء النوم. قالت صفية انها منذ قرأت قصة العذراء مريم وهى تحلم بمندوب الله يهبط اليها فى الليل. وقالت سامية انها لا تؤمن بالله مع ذلك يأتيها المندوب فى الحلم. وفى كلية الطب قالت صديقتى بطة، اما أنا يا نوال فقد جاءنى المندوب فى الواقع والحقيقة وليس الحلم. ثم كركرت بالضحك، بالشهقات المتقطعة كهواء محبوس يخرج من عنق زجاجة ضيق.  

*    *    *    *  

كنت غارقة فى النوم حين التفت الاصابع الغليظة حول عنقى. كما يحدث فى الاحلام حاولت أن افتح فمى لاصرخ. صوتى لا يخرج. الاصابع الغليظة قوية، اقوى من اصابعى. افتح فمى طلبا للهواء. اشهق بصوت مكتوم. كان يمكن أن استغيث واوقظ الجيران. لكنى رأيت أن الموت أهون من الفضيحة.

كلمة “الفضيحة” كانت تخرق أذنى منذ ولدت. ولادة الانثى كانت فى حد ذاتها فضيحة تتكتم الاسرة الخبر، تتخفى الام الوالدة عن عيون الناس، يغرق بيت المولودة الانثى فى الصمت.

كلمة "انثى" فى حد ذاتها فضيحة، إن قال لى احد انت انثى أصفعه على وجهه. كلمة جنس ترن فى اذنى نابية، لا استطيع أن انطق كلمة "جوزى" بالعامية، انطقها باللغة الفصحى المحترمة وأقول زوجى. كنت قد تزوجت للمرة الاولى تحت اسم الحب الكبير. قصة طويلة بدأت وأنا  فى العشرين من العمر فتاة عذراء، وانتهت وأنا  فى السادسة والعشرين زوجة عذراء تحولت إلى أم عذراء ثم تحررت بالطلاق.

لماذا لم افقد عذريتى حتى اليوم، بعد أن تجاوزت الستين عاما؟ لكن العذرية مثل القضاء والقدر، مكتوبة على جبين النساء، ليس فى مقدور البشر أن يهتكوا عرض المرأة الصالحة التى تعرف الله، وتعرف انه اصطفى العذراء مريم من نساء العالمين، هى الوحيدة ذكر اسمها فى كتابه الكريم، ولها سورة كاملة فى القرآن باسمها مريم، تتطلع النساء إلى هذا النموذج الامثل للطهر والنقاء؟!

منذ الطفولة أرى السيدة مريم العذراء النموذج الأعلى. أم المسيح. الوحيدة دون النساء أجمعين تم تعريفها بالاسم فى القرآن. جميع النساء الأخريات مجهولات الاسم، حواء زوجة سيدنا آدم، وزوجات سيدنا محمد عليه السلام لم يذكر اسم واحدة منهن فى القرآن حتى السيدة خديجة لم يذكر إسمها.

كان طبيعيا أن يتجه طموح الفتاة المسلمة المثالية إلى مريم العذراء وليس أى امرأة اخرى. منذ أدركنى البلوغ فى سن التاسعة من العمر اقسمت بينى وبين الله، اننى سوف اكون مثل ستنا مريم، وسوف أحمل وألد دون أن امارس الجنس وأصبحت أنتظر كل ليلة مندوب الله.

وطال الانتظار العام وراء العام، ثم جاءنى رجل يتخفى فى الظلام، وهمس فى أذنى أنه مندوب الله. كنت فتاة مثالية يرتعد جسدى حين اسمع كلمة الله اغمض عينى واهمس: يارب ارجو أن تذكر اسمى فى كتابك الكريم كما ذكرت اسم ستنا مريم، ولماذا تصطفيها هى وحدها. ألا يمكن يارب أن تصطفى امرأتين وقد ا