![]() |
Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata |
|
د.
نوال السعداوى
الشرفة فى الدور السادس والعشرين
يوم
من أيام يوليو
الحارة عام 2000،
أجلس فى الشرفة
المطلة على النيل
فى الدور السادس
والعشرين، منذ
عودتى من المنفى
وأنا أعيش فى
هذه الشقة الصغيرة
فى حى شبرا القديم،
أعيش المنفى
داخل الوطن كما
عشته فى الخارج،
لم يعد هناك داخل
وخارج، أو شرق
وغرب، أو شمال
وجنوب، أو العالم
الاسلامى والعالم
المسيحى، نحن
نعيش فى عالم
واحد يحكمه نظام
طبقى أبوى منذ
نشوء العبودية،
تغيرت أشكال
العبودية تحت
أسماء جديدة
منها العولمة
وحرية السوق،
والخصخصة والخصوصية،
يتربع على قمة
النظام العالمى
الجديد أقل من
خمسمائة شخص
يملكون أكثر
من نصف ثروة العالم،
ويعيش مليار
ونصف من البشر
تحت خط الفقر،
أغلبهم نساء
وشباب وأطفال،
يعيشون داخل
هذه البيوت على
شكل العشش أراها
من حولى، تمتد
من شبرا إلى امبابة
وبولاق وروض
الفرج، ومن نزلة
السمان عند سفح
الأهرامات إلى
القلعة والسيدة
زينب وسفح المقطم،
تتساند البيوت
القديمة الآيلة
للسقوط إلى جوار
المبانى الجديدة
الفاخرة، يتربع
على العرش فى
بلادنا قلة قليلة
تملك الثروة
والسلطة والسلاح،
والاتصالات
بالخارج، من
حولها نخبة مثقفة
تعيش فى كنفها،
تحول جرائمها
إلى بطولات،
تحت اسم الديموقراطية
يتم ذبح الديموقراطية،
تحت إسم حقوق
الانسان يتم
ذبح حقوق الانسان،
تحت اسم حقوق
المرأة يتم ذبح
حقوق النساء.
من يختلف فى الرأى
عن الفرد الحاكم
أو الأفراد الحاكمين
يجد نفسه فى السجن
دون محاكمة،
أو محاكمة شكلية
تختفى فيها العدالة،
يفقد الإنسان
سمعته الادبية
أو الوطنية،
يتحول من مدافع
عن حقوق الفقراء
والنساء إلى
خائن للوطن،
يتم اختزال الوطن
إلى أفراد قلائل
أو فرد واحد يجلس
على العرش، مثل
فرعون القديم
الحاكم والإله
فى آن واحد. حين
يبلغ الحزن مداه
تعجز العين عن
الدمع. تكف الحواس
الخمس عن الإحساس.
لا يبقى إلا الحاسة
السادسة. المجهولة
الغائرة فى أعماق
الجسد والعقل
والتاريخ. القادرة
وحدها دون الحواس
الأخرى على إدراك
أن الأرض تدور
رغم السكون. أن
الزمان يلتحم
بالمكان. لا شئ
يفصل الروح عن
الجسد أو الإله
عن الشيطان أو
المرأة عن الرجل. منذ
أيام قليلة أصابنى
غثيان شديد وقئ.
رقدت فى الفراش
لا أستطيع الحركة.
تصورت أنها النهاية
طلبت حضور إبنتى
وإبنى لأراهما
قبل مغادرة الدنيا.
الإثنان الغاليان
هما قطعة من جسدى
وعقلى. ثالثهما
شريف رفيق العمر
منذ خمسة وثلاثين
عاما. الأسرة
الصغيرة الدافئة
العواطف، تختلف
عن أغلب الأسر
الخاضعة لسيطرة
رجل واحد، أسرتنا
لا يسيطر فيها
أحد، لا رجل ولا
امرأة ولا إبن
أو ابنة، كلنا
سواسية يدور
بيننا الجدل
حتى نصل إلى القرار
الأصوب. قالت
إبنتى ماذا أكلت
بالامس يا أمى؟
قلت لم آكل إلا
بطيخ مع جبنة
بيضاء قريش. قال
شريف هناك حالات
تسمم بسبب البطيخ
أو الخيار أو
الخوخ، يرشونها
بالمبيدات الحشرية،
أو يحقنونها
بالهرمونات،
يستوردون أغذية
من الخارج غير
صالحة للبشر،
يرسلونها إلى
بلادنا الافريقية
بمثل ما يرسلون
النفايات النووية
لتدفن فى صحرائنا
الشرقية أو الغربية،
أصيب بعض الفلاحين
فى قرية ميت حلفا
بمحافظة القليوبية
بإشعاع نووى
وماتت أسرة بكاملها
ويعيش سكان القرية
تحت رعب الإشعاع،
وهناك تكتم شديد
على هذه الأخبار
الأخيرة، لا
نعرف بالضبط
ماذا حدث لكن
بعض الحقائق
تتسرب إلى الصحف. إشتد
الغثيان والدوار.
قلت لشريف ولابنتى
وابنى، لا أريد
أن أدفن فى مقبرة
تحت الارض ليأكل
جسدى الدود،
أريد أن أتبرع
بجسدى إلى مشرحة
عادلة، تشرح
جسدى وتعرف الأسباب
الحقيقية لهذا
التسمم الغذائى،
وأرجو محاكمة
المسئولين الكبار
عن مشروعات التنمية
والإصلاح الاقتصادى،
التى أدت إلى
مزيد من الفقر
والجهل والمرض
أحدها التسمم
الغذائى. سمعت
صوتى يصرخ وأنا
فى الفراش، لازم
الناس دى تتحاكم
محاكمة علنية
عشان الناس تعرف.
رأيت حولى ثلاثة
من الاطباء،
شخصوا الحالة
تسمم غذائى،
أخذت العلاج
ثم تماثلت للشفاء
بعد أن فقدت شهيتى
لجميع أنواع
الفاكهة فى مصر. أجلس
فى الشرفة العالية
أطل على أسطح
البيوت القديمة
الآيلة للسقوط،
جسمى لا يزال
ضعيفا بعد النقاهة
من المرض، أشعر
بالدوار كلما
حركت رأسى، كأنما
سأفقد الوعى،
فكرة الموت تلوح
قريبة منى، أتذكر
أمى حين ماتت
ويدها فى يدى،
أكاد أحس يدها
تمسك يدى، رغم
مرور أكثر من
أربعين عاما
على موتها، وجه
أبى يلوح أمامى
كأنما مات بالامس،
كنت فى أول الشباب
أتفتح كالزهرة
المغلقة الأوراق.
لا أعرف شيئا
عن جرائم الإله
المتنكر فى زى
فرعون، لا أحد
يحاسب الإله،
يعيش ويموت ملفوفا
بالعلم المقدس،
ويساق إلى المقصلة
كبش فداء من عامة
الشعب، يطلقون
عليه إسم الشيطان،
رجل فقير نطق
الحقيقة دون
أن يدرى، أو فتاة
صغيرة غريرة
حملت سفاحا ولم
تعرف من الذى
اغتصبها فى ظلمة
الليل. ربما هو
الإله ذاته المتنكر
فى ثوب رب العائلة
الكبيرة أو الصغيرة،
تسقط عنه الجريمة
بحكم القوة أو
القدسية، وتساق
الفتاة إلى الموت
أو إلى الزواج
ممن اغتصبها،
حماية لشرف العائلة. تغيرت
الاشياء عبر
أربعين عاما،
تضامنت النساء
المقهورات تحت
إسم الشرف مع
الرجال المقهورين
تحت إسم الفقر،
بدأ الترابط
بين القهر الجنسى
والقهر الاقتصادى،
أخطر ما يهدد
النظام الحاكم
هو هذا الترابط،
بين الجنس والاقتصاد،
منذ نشوء العبودية
حتى اليوم، كيف
يغتصب الإله
الفتاة العذراء
فى الظلمة وكيف
يسرق قوت الفقراء
من الشعب، كيف
ينجو من العقاب
تحت إسم السيادة
أو القدسية. ربما
يحاكم بعد الموت،
ربما ينقلب عليه
بعد الموت أحد
أعوانه ويكشف
جرائمه تحت اسم
"عودة الوعى". قبل
أربعين عاما
كنت فى ربيع الشباب،
اليوم أنا فى
مكان آخر وزمان
آخر، أشعر بشىء
من الوهن بعد
النقاهة من التسمم
الغذائى، أشعر
بشىء من التفاؤل
كلما زاد الترابط
بين المقتولات
تحت إسم الشرف
والأخلاق والدين،
وبين المقتولات
والمقتولين
تحت اسم التنمية
والاصلاح الاقتصادى،
رغم المحاولات
لضرب التضامن
بين هؤلاء وهؤلاء
فإن المقهورات
والمقهورين
لا يكفون عن التمرد
والثورة والاستمرار
فى الكفاح ضد
النظام الحاكم
وأعوانهم من
النخبة المثقفة. يحدث
هذا فى مصر وفى
بلاد العالم
الاخرى، تتكرر
المظاهرات الشعبية
فى عواصم الغرب
والشرق، والشمال
والجنوب، ضد
الآلهة فى واشنطن
ولندن وباريس
ودمشق والرياض
والقاهرة والخرطوم
وبغداد وتونس
والرباط وموسكو
وطوكيو وبكين
وغيرها وغيرها.
يتجمع الآلهة
فى اجتماعات
القمة هنا وهناك
تحت اسم العولمة
والديموقراطية
وحقوق الإنسان
وحقوق النساء،
ويتجمع الشياطين
المقهورين والمقهورات
فى مظاهرات فى
الشوارع تحت
اسم العولمة
من أسفل، يضربون
الآلهة بالحجارة
والطوب والزلط،
يرد الالهة بالقنابل
النووية والمسيلة
للدموع حسب قوة
الشياطين وقدرتهم
على الصمود. قرأنا
عن المظاهرات
فى سياتل فى خريف
1999، ومظاهرات أخرى
تتكرر، آخرها
المظاهرات فى
جنوب فرنسا فى
أول يوليو 2000،
تجمع الرجال
والنساء والشباب
والأطفال وضربوا
معاقل الآلهة،
منهم ماكدونالد
الإله القوى
الذى يلد نفسه
فى جميع بلاد
العالم، و"سينسبرى"
الإله الجديد
المنافس للآلهة
القدامى، وفى
شارعنا الذى
يسمونه شارع
معهد ناصر فتح
سينسبرى محلا
ضخما، أطلق عليه
اسم سينسبرى
أغاخان، ليست
منطقة أغاخان
الثرية المجاورة
لنا، ولكن منطقة
حى شبرا القديم
الفقير، جاء
هذا السوبر ماركت
البريطانى الجديد
ليضرب محلات
البقالة الصغيرة
والمنتجات المحلية
المصرية، وليملأ
شارعنا بالصناديق
الفارغة والقمامة
والذباب دون
أن تحاسبه وزارة
البيئة المصرية،
رغم أنها تحاسب
المحلات المصرية
الفقيرة حسابا
عسيرا، قد تأمر
بإغلاقها إن
لم تتخلص من قمامتها
أو ما يسمونها
النفايات. حاولنا
أنا وشريف مع
سكان الحى الفقير
أن نعترض على
النفايات المتراكمة
فى شارعنا، التى
يلقى بها السوبر
ماركت اللامع
البلاط "سينسبرى"
إلى عرض الشارع
الذى نعيش فيه،
ذهبت محاولاتنا
حتى اليوم عرض
الرياح لم يتحرك
مسئول واحد فى
الحكومة المصرية
لحماية حى شبرا
الفقير من نفايات
الإله البريطانى
الجديد. يدور
الصراع غير المتكافئ
بين الآلهة الكبار
القليلين المالكين
للإعلام والسلاح
والمال، وبين
الملايين من
الشعوب الفقيرة
المعدمة من النساء
والرجال، يلعب
الإعلام دورا
أمضى من السلاح
العسكرى، بالأمس
قرأت فى بعض الصحف
المصرية تشويها
للمظاهرات الشعبية
الأخيرة فى جنوب
فرنسا، كتب أحد
رؤساء تحرير
صحيفة حكومية
مصرية يقول فى
1 يوليو 2000 التالى:
شهدت فرنسا مظاهرات
شعبية مؤيدة
للشذوذ الجنسى
ضمن الهتافات
ضد العولمة،
تحولت هذه المظاهرات
إلى ما يشبه الظاهرة
العالمية لتشجيع
الشذوذ الجنسى
تحت إسم محاربة
العولمة والشرعية
الدولية، وقد
قطع الرجال والنساء
فى الغرب شوطا
كبيرا فى قبول
الشذوذ الجنسى
كأنما هو شئ طبيعى
مع أنه انحراف
أخلاقى خطير،
وقد شارك فى هذا
المظاهرات مئات
الألوف من الشعب
الفرنسى تتقدم
صفوفهم الأحزاب
السياسية المختلفة
ومنظمات حقوق
الإنسان، فهل
يمكن لنا أن نؤيد
مثل هذه المظاهرات
المنتشرة فى
الغرب اليوم؟
نحن بلاد شرقية
لنا خصوصية دينية
وقيم نابعة من
تراثنا وثقافتنا
وهويتنا الأصلية،
ولا نقبل أن ننساق
وراء هذه الإباحية
والشذوذ الجنسى
الخطير!. هكذا
تم الربط بين
المظاهرات الشعبية
ضد العولمة وضد
كافة أشكال القهر
الاقتصادية
والجنسية إلى
مجرد مظاهرات
ضد القيم والأخلاق
والخصوصية والهوية. جسدى
ينتفض بالغضب
وانا أقرأ الصحف،
اكتشف الزيف
بحكم خبرتى ومشاركتى
فى بعض هذه المظاهرات
الشعبية العالمية،
التى كسرت الحواجز
بين الناس، حواجز
الدين أو الجنس
أو الجنسية أو
العرق أو اللون
أو المهنة أو
غيرها، كنت اجد
نفسى بين آلاف
البشر بصرف النظر
عن اختلافاتنا
نهتف معا ضد هؤلاء
القلة من الآلهة
الذين يتربعون
على العروش فى
جميع البلاد،
وأسمع صوت شريف
يقول: هذا الغضب
يا نوال مضر بصحتك،
وأنت لازلت فى
دور النقاهة
بعد هذا التسمم
الغذائى، علينا
أن نحافظ على
صحتنا، وأقول
له معك حق يا شريف،
لكن كيف لا أغضب
وأنا أقرأ هذا
التزييف اليومى
تحت اسم الهوية
والخصوصية واحترام
الاختلافات
الثقافية. يضحك
شريف ويقول تحت
اسم احترام الاختلافات
المحلية يشجعون
الفتن الطائفية
والإثنية، وتحت
اسم الخصوصية
الثقافية يشجعون
الخصخصة وضرب
الاقتصاد المحلى،
وتحت اسم العولمة
من أعلى يضربون
العولمة من أسفل. كان
معنا تلك الليلة
صديق قديم لشريف،
اسمه عادل أمين،
وهو محامى معروف،
تولى الدفاع
عنى حين دخلت
السجن عام 1981،
جاء فى زيارة
لنا تلك الليلة
يحمل زجاجة نبيذ
وكتابا جديدا
سجل فيه وقائع
محاكمة الشيوعيين
عام 1953، ضحك عادل
أمين وهو يجلس
معنا فى الشرفة
العالية، يرشف
من كأسه على مهل،
وقال: لابد لنا
من نبيذ عمر الخيام
يا دكتور شريف
حتى نتذكر هذه
المحاكمات منذ
سبعة وأربعين
عاما، وفى هذا
الجزء من كتابى
نقلت أقوالك
فى التحقيق عام
1953، وأقوال الدكتور
اسماعيل صبرى
عبد الله وغيره
من قيادات الشيوعيين،
وسوف تكتشف الفرق
الكبير بين أقوالك
فى التحقيق وأقوالهم،
أنت يا شريف إنسان
صادق مستعد أن
تدفع حياتك لتعبر
عن رأيك، وهذا
واضح فى التحقيق
معك، لكن بعض
زملائك الشيوعيين
لم يكونوا كذلك،
لقد دخلوا السياسة
لأهداف أخرى
مثل الحصول على
منصب وزير أو
رئيس وزراء أو
جوائز الدولة،
وأنت لم تحصل
على شئ من هذا،
لكنك حظيت باحترام
الجميع وأنا
منهم. تركت
شريف وعادل أمين
يتبادلان الذكريات
عن التحقيقات،
أخذت الكتاب
إلى غرفتى لأقرأ
ماذا قال شريف
حتاتة فى ذلك
التحقيق عام
1953، ذلك العام
كنت طالبة بكلية
الطب، أعانى
ما يعانيه أحمد
حلمى والفدائيين
الذين شاركوا
فى حرب القنال
عام 1951، أصبحوا
كبش الفداء بين
صفقة الحكومة
المصرية والإحتلال
البريطانى،
مات بعضهم على
أرض المعركة،
مات بعضهم فى
المنفى فى الخارج
أو فى الداخل،
من عاش منهم أصابه
المرض النفسى
أو الإدمان من
أجل النسيان.
حتى اليوم لم
يؤرخ أحد لهذه
الفترة من حياة
مصر. سقطت أسماء
هؤلاء الفدائيين
الشهداء فى العدم. تحت
اللمبة الكهربية
فى غرفتى فتحت
كتاب عادل أمين
وقرأت أقوال
شريف حتاتة فى
التحقيق: "ذكر
شريف أنه قبض
عليه فى 3 نوفمبر
1953 الساعة الرابعة
صباحا وأودع
السجن الحربى،
وتم التحقيق
معه يوم 5 نوفمبر
1953، وقيل له أنه
مقبوض عليه بأمر
من مجلس قيادة
الثورة، وعومل
بطريقة غريبة،
السجن الانفرادى
المطلق لمدة
أربعة شهور محروما
من كل شئ، صحف
أو كتب أو الاتصال
بعائلته أو بمحامى،
وضرب عدة مرات
ضربا مبرحا،
وكبل بالحديد
الخلفى والحديد
فى الارجل، وهدده
ضابط المخابرات
أحمد محمود بالشنق،
وبالاعتداء
الجنسى، والانتقام
من أفراد عائلته
إن لم يدل بالأقوال
التى يريدها،
كما هدده عدة
مرات بالاعتداء
عليه وشنقه داخل
زنزانته - لم يصدر
أمر من النيابة
العامة بحبس
شريف حتاتة إلا
فى 15 مارس 1954، ونقل
إلى سجن مصر بأمر
حبس عسكرى، كان
مطلوبا تقديمه
لمحكمة الثورة
وإعدامه مع بعض
زملائه، لولا
أن هذه المؤامرة
أحبطت، كان التحقيق
يجرى فى ظل الأحكام
العرفية، وقال
شريف فى التحقيق
أن الشعب المصرى
يريد الكفاح
المسلح فى القنال
لطرد الاحتلال،
وأن النيابة
مشتركة فى الجريمة
ضده، وأنه يحتج
على هذا الإرهاب،
وأضاف أن التعذيب
أدى إلى إصابة
زميله كمال عبد
الحليم باختلال
فى قواه العقلية،
وعولج بالصدمات
الكهربية فى
المستشفى العسكرى،
ومرض الآخرون
بحالات عصبية
وجسمية يحملونها
معهم بقية العمر. وتم
ضبط مع شريف حتاتة
مطبوعات كالآتى:
ست نسخ من نشرة
صوت الفلاحين،
ستة عشر صفحة
مكتوبة بالآلة
الكاتبة ومطبوعة
بالرونيو فى
شكل كتيب صغير،
الصفحة الأولى
منها عبارة مأثورة
عن فرردريك إنجلز
تقول النظرية
تصبح قوة مادية
عندما تتغلغل
وسط الكتل"،
وعبارة لينين
تقول "بغير نظرية
ثورية لا يمكن
أن توجد حركة
ثورية، وفى
الختام عبارة
تقول رجال الحكم
فى مصر يتعاونون
مع الاستعمار
لا يستطيعون
مواجهة الشعب
إلا بالدبابات
والمشانق ومحاكم
الثورة"، ثم
هذه العبارة
الأخيرة تسقط
جمهورية الدكتاتورية
العسكرية وتحيا
الجمهورية الشعبية
الديموقراطية،
وقد حكم على شريف
حتاتة بعشرة
أعوام سجن مع
الأشغال الشاقة،
أداها بالكامل
داخل سجون مصر،
لم يطلق سراحه
إلا عام 1963، وظل
تحت المراقبة
عدة سنين بعد
ذلك، حتى غادر
مصر عام 1973، ثم
عاد إلى الوطن
عام 1980. وفى
عام 1981 دخلت أنا
السجن وبقى شريف
خارجه، وعشنا
المطاردة عدة
سنوات حتى 1988،
حين دخل إسمى
قائمة الموت،
وفى عام 1991 وجهت
إلينا الحكومة
ضربة كبيرة بسبب
وقوفنا ضد حرب
الخليج، وفى
عام 1992 كان لابد
من السفر خارج
الوطن حماية
لأرواحنا، ثم
عدنا إلى الوطن
بعد ستة أعوام
فى المنفى، وها
نحن نعيش المنفى
داخل الوطن،
فى تلك الشقة
الصغيرة، تكاد
تشبه العلبة
من الأسمنت المعلقة
بين السماء والأرض
فى الدور السادس
والعشرين فى
حى شبرا القديم،
لولا هذه الشرفة
العالية المطلة
على النيل والفضاء
الواسع، لولا
انهماكنا فى
الكتابة الإبداعية،
لولا زيارات
الأصدقاء القدامى
والصديقات الجديدات
من الشابات والشباب
ربما أصابنا
الاختناق أو
الموت بالذبحة
الصدرية أو التسمم
الغذائى. فى
هذه الشرفة نجلس
فى الليل، شبورة
سوداء ترقد تحتها
مدينة القاهرة،
المآذن وقباب
الكنائس تغرق
فى الخضم الأسود
على حد سواء،
أصوات صاخبة
ترتفع من خلال
مكبرات الصوت،
تراتيل دينية
بصوت ذكورى خشن،
وتراتيل غنائية
بأصوات المطربات
وراقصات يطرقعن
بالصاجات، رائحة
الهامبيرجر
الأمريكى تتصاعد
مع قمامة سينسبرى
البريطانى،
فوق الشاشة وفى
الإذاعات تتكرر
الصورة الواحدة
والصوت الواحد
للحاكم الإله،
من حوله رجال
ونساء البلاط. قلبى
ينوء بالحزن
على هذا الوطن،
ستون مليونا
من البشر يعيش
نصفهم تحت خط
الفقر، أغلبهم
نساء معذبات
داخل البيوت،
يعانين إلى جوار
الفقر الاغتصاب
الجنسى داخل
الزواج أو خارجه،
يقهرهن رجال
العائلة بمثل
ما يقهرهن رجال
الدولة. منذ
ولدت فى بداية
الثلاثينات
وأنا غاضبة ثائرة
ضد هذا الظلم،
منذ الطفولة
أحلم بعالم آخر،
أبحث عن شئ لا
أعرف ماذا أسميه.
تعجز اللغة الطبقية
الأبوية عن التعبير
عنه ليس هو الحب
الذى يتغنى به
هذا العالم المزدوج
الوجه، وليس
هو الإله الذى
يعبده الرجال
ويضعهم فى درجة
أعلى من النساء. شئ
أبحث عنه لا أجده
فى هذا الكون.
قد يجذبنى البريق
فى عينيى الإنسان
أو الإنسانة.
أنتبه كالعصب
الحساس العارى.
أبحث تحت البريق
عن الشىء العميق.
أنخدع وأخدع
نفسى المرة وراء
المرة. ثم أفيق
بعد عام أو عامين
أو عشرين عاما.
أكتشف جزءا من
الحقيقة التى
تتخفى مثل جبل
الثلج. يتراكم
الحزن فى قلبى
العام وراء العام.
لا شئ إلا الحزن
حين أواجه الحقيقة
فى هذا العالم
المزيف. مفتوحة
العينين أحملق
فى وجه الموت.
أحملق فى وجه
الزيف. فى وجه
فرعون الإله
حاكم البلاد،
أثبت عينى فى
عينيه وهو جالس
فوق المنصة العالية،
أشير اليه باصبعى
وأقول له: أنت
أول من يحاسب
عن الظلم والفساد
والفقر فى هذه
البلد وليس نائبك
أو مندوبك، لأنك
الوحيد الذى
تقبض فى يدك على
السلطة المطلقة،
ومن يملك السلطة
هو المسئول. لكنهم
يفصلون بين السلطة
والمسئولية،
كلما ازدادت
السلطة اكتسب
الحاكم حصانة
أكبر، مثل الإله
يصبح مسئولا
عن الخير فقط،
أما الشر فهناك
كبش الفداء أو
الضحية يسمونه
الشيطان أو حواء
الآثمة، أى النساء
الفقيرات المغتصبات
جسديا واقتصاديا
تحت سطوة القيم
الطبقية الأبوية. فى
المرآة أرى سحابة
الحزن تكاد تخفى
البريق القديم
فى عينى. أجلس
فى الشرفة العالية
أطل على المدينة،
القاهرة لأهلها
المقهورة بحكامها.
أقاوم الحزن
بالكتابة. أحب
ملمس القلم بين
أصابعى، الأوراق
متراكمة فوق
مكتبى بخط يدى.
تطل من داخل الغلاف
البرتقالى مكتوب
عليه: أوراقى
حياتى، الجزء
الثالث، مفكرتى
الصغيرة غلافها
أزرق تشبه الكشكول
الأزرق فى طفولتى
عام 1942، مكتوب
عليها عام 2000،
ثمانية وأربعين
عاما مضت منذ
بدأت أكتب فى
مفكرتى السرية،
لم يعد عندى أسرار.
كتبتها كلها
ونشرتها على
الناس. تحولت
من ذكريات مكبوتة
تبعث على الخزى
والعار إلى قيمة
علمية وأدبية
يدرسها الطلاب
والطالبات فى
جامعات العالم،
ما عدا الجامعة
المصرية. هناك
مثل شائع يقول
لا كرامة لنبى
وسط أهله. أحيانا
أدرك أن الحظ
يحالفنى، لأننى
أعيش ولم يغتالنى
أحد بعد. أفرد
ذراعى عن آخرهما
وآخذ شهيقا عميقا.
أشعر بحرية الخروج
من دائرة المألوف.
أتذكر أبى منذ
اثنين وأربعين
عاما حين ترك
الحكومة المصرية.
فرد ذراعيه عن
آخرهما وقال،
أخيرا تحررت
بعد ثلاثة وثلاثين
عاما عشتها رهين
المحبسين، الوظيفة
الحكومية وسرير
الزوجية! ضحك
شريف وقال أبى
أيضا مثل أبيك
تحرر من الحكومة
بعد الإحالة
إلى المعاش،
لكنه تحرر من
سرير الزوجية
قبل ذلك بأعوام
كثيرة وتزوج
امرأة فى الخفاء
دون أن تعرف أمى.
قلت يا شريف كان
أبى مخلصا لأمى،
لم يكن يفصل بين
الإخلاص للزوجة
والإخلاص للوطن،
قال شريف انت
مثالية يا نوال،
كل شئ نسبى فى
الحياة، لا يوجد
إخلاص مائة فى
المائة، قلت
كم تستخدم نظرية
النسبية يا شريف
لتبرير كثير
من الموبقات
فى العالم! ضحك
شريف وقال، وكم
من موبقات أكثر
تحدث تحت إسم
المثالية والمطلق. يدور
الحوار بينى
ويبن شريف ونحن
جالسان فى الشرفة.
ستة وثلاثين
عاما مرت منذ
تزوجنا ونحن
فى حوار دائم،
نطل من الشرفة
العالية على
القاهرة من أهرامات
الجيزة إلى جبل
المقطم والقلعة،
مساحات من الأسمنت
بلا شجرة خضراء
أو حديقة للأطفال،
قطعوا الأشجار
وزحفت الجدران
على الزرع، جدران
سوداء بلا نوافذ،
أو نوافذ كالشقوق
داخل الشقق،
كالعلب المستوردة،
يحفظون فيها
الفاصوليا وحبوب
الصويا، داخل
كل علبة تكدست
الأجسام، الجد
والجدة والأب
والأم والأولاد
والبنات والأحفاد
والحفيدات،
والأعمام والأخوال
والخالات والعمات
وأولادهم وبناتهم،
يرقد اللحم إلى
جوار اللحم فى
غرفة واحدة،
يدس الواحد منهم
إصبعه فى عين
الآخر دون أن
يراه، يدخل قضيب
أحدهم فى ثقب
مظلم داخل الجدار
أو داخل اللحم،
لا يعرف فى الظلمة
الجدار من الجسد،
لا شئ يتحرك فى
النوم إلا الأشباح
وأرواح الجان،
ورد ذكرهم فى
كتاب الله، كلهم
يؤمنون بالكتاب
وبالأرواح الخفية،
ينامون دون أن
يتكلم أحد فى
النوم، فى النهار
يسيرون بعيون
نصف مغمضة، لا
أحد ينطق بشىء
مما يدور فى عقله،
إنهم يعيشون
تحت حكم قانون
الطوارئ، يشبه
قانون الأحكام
العرفية، إن
نطق أحدهم بما
يدور فى رأسه
يأخذوه إلى السجن
دون تحقيق، بالأمس
وافق مجلس الشعب
على مد العمل
بقانون الطوارئ
ثلاثة أعوام
أخرى حتى عام
2003، وبعدها لا
أحد يعرف الغيب
إلا الله والسيد
الرئيس. بالأمس
اعترض مجلس الشعب
على حق المرأة
فى السفر دون
إذن زوجها، قلت
لابنتى، أنت
اكثر حرية من
أمك لأنك غير
متزوجة. قالت
ابنتى، ولماذا
تزوجت يا أمى،
قلت لم يكن ممكنا
أن انجب أطفالا
منذ أربعين عاما
دون زواج، أنا
لا أومن بورق
الزواج أو شهادة
الطب أو الادب
أو شهادة الميلاد
أو الوفاة، لكنى
تزوجت بعقد مكتوب
ليكتسب أطفالى
الشرعية، لكن
اليوم لم يعد
عقد الزواج الرسمى
صالحا، لم تعد
النساء خاضعات
مكسورات، أغلب
الشابات المثقفات
يرفضن الزواج
الرسمى، بدأت
أنواع أخرى من
الزواج غير الرسمى
تنتشر مثل الزواج
العرفى وزواج
المسيار وزواج
الدم، وكلها
تتحدى الزواج
الرسمى المختوم
بالنسر. فى
هذه الشرفة فى
الدور السادس
والعشرين يدور
الحوار بين أجيال
مختلفة من الشباب
والشابات، من
عمر ابنتى، وعمر
إبنى، أرمقهم
بإعجاب عيونهم
لم تعد منكسرة،
رؤوسهم لم تعد
مطرقة الى الارض،
عيونهم لم تعد
نصف مغمضة، يتحاورون
ويعبرون عما
يدور فى عقولهم
دون خوف. وقال
شريف، سيكون
المستقبل أفضل
من الحاضر يا
نوال، قلت، لكننا
لن نكون هنا يا
شريف، قال لا
يهم أن نكون هنا
بأجسامنا لكن
أفكارنا ستكون
موجودة فى الكتب. وأسأل
بدهشة: أيكون
الورق أطول عمرا
من البشر؟! ألهذا
لجأ الآلهة أيضا
إلى الكتب من
أجل البقاء؟
|