![]() |
Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata |
|
د.
نوال السعداوى
الصورة
الممزقة
لم
يكن يتركنى أكتب
داخل غرفتى. لا
يكف عن فتح الباب
والدخول. يحاول
قراءة ما أكتب.
لا شئ يجهض الرواية
قبل أن تكتمل إلا
العين الغريبة.
لا أحد يقرأ ما
أكتب إلا بعد النشر.
تعودت أن أكتب
داخل غرفة بابها
مغلق. لا أحب النور
الكهربى الشديد
الإضاءة. يكفينى
الضوء المتسرب
من المصباح فى
الشارع. أو لمبة
صغيرة يسمونها
سهارة، أو لمبة
جاز حين تنقطع
الكهرباء. يكفينى
أن أرى حروفى فوق
الورق، ويغرق
بقية المكان فى
الظلمة. تنمو الرواية
فى خيالى كالظلال
المتحركة فى الأركان.
تبدأ ذاكرتى تصحو
حين ينام الكون.
أجلس فى الظلمة
ساكنة داخل الصمت.
لا تصحو ذاكرتى
إلا بعد ساعتين
أو ثلاث ساعات
أنسى فيها مشوشات
النهار. أنزع قشرة
المخ، الأنا العليا
والكذب، أشدها
بأصابعى مثل خصلة
شعر أو قطعة من
فروة الرأس، أحسها
تحت يدى مثل الندبة،
أو الجرح القديم
المفتوح، يلتئم
فى الظلمة مع مرور
الزمن داخل السكون.
تبدأ ذاكرتى تصحو،
يتحرك القلم فوق
الورق، يندفع
وحده فوق السطور،
صوت فى أعماقى
كالوحى يمليه
الكلمات، تتدفق
الرواية كمياه
النهر الهادئ،
يصبح شلالا الساعة
بعد الساعة. ينتفض
القلم بين اصابعى،
يسرى فى ذراعى
تيار ساخن يصعد
إلى رأسى ويهبط
إلى القدمين،
شحنات من الدم
تتدفق إلى جسدى
كالمصابة بالحمى.
انتفض وأنا جالسة
فى مقعدى وراء
المكتب. لم
يكن يتركنى لأكمل
الكتابة كأنما
الرواية جنين
فى أحشائى من صلب
رجل آخر، يريد
إجهاضها. يفتح
الباب ويدخل. إن
وجد الباب مغلقا
يدقه بقبضة يده.
يفتح الراديو
بأعلى صوت. يطرقع
بالقبقاب فوق
بلاط الحمام،
يجلس فى الصالة
ويتحدث فى التليفون
بصوت يصل إلى الجيران،
أو يتحدث مع الزوار
فى غرفة الاستقبال
ويقهقه بصوت يرج
الجدران. كانت
أمه تزورنا كثيرا.
أسمع صوتهما من
وراء الباب المغلق.
يشكو لها منى. -
"اتجوزت يا ماما
واحدة مجنونة،
تصحى فى نص الليل
تكتب". تمصمص
الأم شفتيها فى
حسرة، "معلش يا
ابنى كل شئ قسمة
ونصيب، وانت اللى
اخترتها، والكتابة
ما فيهاش ضرر،
أحسن ما تخرج زى
النسوان التانية
فى الشوارع وتصرف
الفلوس على مافيش،
كان لازمك يا ابنى
واحدة تانية مكسورة
العين تكون بين
إيديك وتحت رجليك،
لكن خلاص أهى بقت
مراتك، يمكن ربنا
يهديها لما تولد،
ربنا يرزقك بابن
يقولك يا بابا
ويقولى يا نينة،
ياما نفسى أعيش
واشوف ابنك يارب
يا كريم، وأهى
حامل فى شهرين". -
حامل فى شهرين؟ ترن
الكلمات فى أذنى
وأنا منكفئة أكتب.
أرفع رأسى من فوق
المكتب. أتلفت
حولى كمن تصحو
من الحلم. أو كمن
تسقط فى النوم.
صوت يتحدث عن امرأة
حامل فى شهرين.
صوت غريب لم أسمعه
من قبل. والمرأة
الحامل أيضا لا
أعرفها. ليست هى
أنا بالتأكيد.
إن كانت هى أنا
فالامر شديد الخطورة.
كارثة! كيف يحدث
الحمل دون حب ودون
زواج، دون أن أفقد
العذرية؟! ربما
هو حلم. منذ الطفولة
يراودنى هذا الحلم.
الله أرسل إلىّ
مندوبه فى الليل
وارتفع بطنى بالحمل.
فى السابعة من
عمرى كنت أتحسس
بطنى تحت الغطاء،
أخشى أن يرتفع
بالحمل. كانت البنات
فى المدرسة يتهامسن
بكلمة لا أفهمها.
الحمل السفاح.
تشرحها لى البنات
دون جدوى. الشيطان
إبليس هو وراء
الحمل السفاح.
قبل أن أنام أسد
شقوق النافذة
بالصحف القديمة
حتى لا يتسلل منها
إبليس. صديقتى
القبطية إزيس
لم تكن تسد شقوق
نافذتها. كانت
تؤمن بالحمل المقدس،
وليس الحمل السفاح،
تشرح لى الفرق
بينهما. ستنا مريم
العذراء، تسلل
إليها مندوب الله
فى الليل وحملت
بسيدنا المسيح.
هذا هو الحمل المقدس.
لم أعد أسد الشقوق
فى نافذتى. مثل
صديقتى إزيس أحلم
بمندوب الله فى
الليل. أتحسس تحت
الغطاء ارتفاعة
بطنى. كنت فى السابعة
من عمرى أنشد المثالية
فى كل شئ حتى الحمل. -
حامل فى شهرين؟! الصوت
الغريب يخرق اذنى
مثل رصاصة. أنتفض
فى مقعدى وراء
المكتب. يسقط القلم
من يدى. أرفع وجهى
من فوق الأوراق.
أرى أمامى امرأة
عجوز تلف رأسها
بطرحة سوداء. بشرتها
بيضاء وجهها سمين
مستدير. عيناها
صغيرتان غائرتان
فى اللحم. ترمقنى
بنظرة الحدأة.
نظرة فاحصة مدققة
تهبط إلى بطنى
تخترق جدار الرحم.
تستكشف الجنين
فى أحشائى، تفتح
فخذيه تبحث عن
عضو الذكر. تريد
التأكد أنه طبق
الاصل من صلب أبيه
وليس من صلب رجل
آخر. منذ
تزوجت كان الغثيان
يصيبنى كل صباح.
أغلق الباب وأفرغ
معدتى فى الحوض.
فى طفولتى سمعت
جدتى تقول أن الزواج
يصد النفس عن الأكل.
وقالت أمى أنه
الحمل وليس الزواج.
عرفت أن الحمل
يعنى انقطاع الدم. حملت
فى الزواج الأول
وأنجبت طفلة جميلة.
كانت إبنة الحب
وليس الزواج. لم
أكن أومن إلا بالحب.
تصورت أن الزواج
بدون حب ينتج عنه
أطفال مشوهون.
أتحسس بطنى وأنا
جالسة وراء المكتب.
فى أحشائى حمل
غير مقدس. جنين
مصنوع من الكذب.
نطقت كلمة أحبك
لرجل لا أحبه. يقاسمنى
الفراش تحت إسم
الزواج. بشرته
بيضاء، وجهه سمين
ممتلئ مثل أمه
وأنا أحب الوجوه
النحيفة الرشيقة.
قامته قصيرة،
جسمه مربع مكتنز
باللحم وأنا أحب
القامة الطويلة
الممشوقة. يداه
صغيرتان بيضاوتان
ناعمتان خجولتان
أصابعهما قصيرة
مضمومة، وأنا
أحب اليد الكبيرة
الشجاعة المفتوحة. كل
صباح أفتش عن قطرة
حمراء فى ملابسى
أو فوق الملاءة.
أفتح عينى كل يوم
ابحث عن نقطة دم.
تظل الملاءة نظيفة
بيضاء ناصعة البياض.
يصدمنى اللون
الابيض. يذكرنى
بالموت والمرض
والكفن الحريرى
ومعاطف الاطباء
والأسرة البيضاء
ورائحة المستشفى. بدأت
أرى فى الحلم ملاءة
حمراء بالدم. منذ
طفولتى كرهت دم
الحيض. الأذى من
عند الله. ويسألونك
عن الحيض قل هو
أذى، ولا تقربوا
النساء حتى يطهرن.
كان الغثيان يصيبنى
منذ الطفولة حين
أرى بقعة الدم
فى ملابسى أو فوق
الملاءة. أصبحت
أنشدها فى النوم
واليقظة. أحلم
بها، أستحضرها،
أشدها من براثن
القضاء والقدر،
أضرب بطنى بقبضة
يدى، أقفز من فوق
السور فى الشرفة.
كنا نسكن فى الدور
الأول فى بيت أبيض
كبير من دورين.
لم يكن ارتفاع
الشرفة كافيا
لإسقاط الجنين.
إنه جنين شرس يتشبث
بجدار الرحم كالقملة
تلتصق بجلدة الرأس.
جنين مكتنز الوجه
عيناه صغيرتان
غائرتان فى اللحم
مثل أبيه وأم أبيه. حاولت
طرد الجنين الغريب
من جسدى. ابتلعت
حبوبا سامة لأقتله
داخل الرحم. حقنت
نفسى بعقاقير
الإجهاض. قفزت
من الشرفة فانكسرت
ذراعى اليمنى
دون أن يسقط الجنين.
أخذتنى بطة بسيارتها
البويك إلى مستشفى
قصر العينى. أصبح
زوجها الدكتور
حمدى رئيس أحد
اقسام الأمراض
الباطنية. صورة
الأشعة كشفت عن
كسر فى عظمة "الريدياس".
علق الدكتور حمدى
ذراعى فى عنقى
برباط من الشاش،
أخذتنى بطة إلى
قسم الجراحة لعمل
جبيرة من الجبس
حول ذراعى. سرت
إلى جوارها فى
الممر الطويل،
النوافذ الكبيرة
المطلة على النيل،
وجوه الممرضات
الشاحبة، وجوه
المرضى والمريضات
الأكثر شحوبا،
وجوه الأطباء
ممتلئة باللحم
رغم الشحوب، تعرفت
على بعض الأساتذة
وزملاء الدراسة.
توقف أحدهم وهتف: -
مش معقول! دراعك
ماله يا نوال؟ تذكرت
صوته الناعم الرقيق،
حين كان يقول عن
الطالبات الآنسات
الكوارير "القوارير"
يقلب القاف إلى
كاف كنوع من الرقة.
إزيك يا ست بطة
وازى الدكتور
حمدى. إيه الحكاية
يا نوال دراعك
فيه إيه؟. كنت
فى حالة من الإعياء.
الألم والحزن
وغثيان الحمل
غير المقدس. ثلاث
سنوات مضت منذ
جاء إلى بيتنا
يطلب يدى من أبى.
كان يوما حارا
مليئا بالغبار.
وكانت أمى فى فراش
المرض. فى غرفة
الصالون جلس مع
أبى يتحدثان فى
السياسة. كانت
له سيارة شيفروليه
زرقاء طويلة،
يرتدى بدلة بيضاء
لامعة من الشاركسكن،
شعره لامع، حذاؤه
لامع، الدبوس
فى الكرافتة لامع،
الفص اللامع فى
الخاتم حول اصبعه،
النظارة الزجاجية
تلمع فوق عينيه،
كل شئ فيه يلمع.
لا شئ فيه منطفئ
إلا العينين. كان
يرمقنى من تحت
النظارة بنظرة
فاحصة. يرمق ذراعى
المعلق فى عنقى
برباط الشاش. لابد
ان وجهى كان شاحبا،
لأنه قال: إنتى
عيانة والا إيه
يا نوال؟ تطوعت
بطة بالرد نيابة
عنى، عندها كسر
فى الريدياس يا
دكتور رشاد. -
ورايحين على فين
يا بطة؟ تعالوا
معايا ع القسم
لازم دراعك يتجبس
يا نوال؟ كان
ذلك منذ اربعين
عاما. التقيت بالدكتور
رشاد عدة مرات
أخرى. فى اجتماع
بوزارة الصحة،
أو نقابة الاطباء.
أصبح له منصب كبير
فى الجامعة وفى
الدولة وفى المجلس
الأعلى للبحوث
الطبية. يرمقنى
من تحت النظارة
بنظرة مخلبية.
كان من أعوان عبد
الناصر، ثم أصبح
من أعوان السادات،
حين دخلت السجن
عام 1981 قال لصديقتى
بطة: نوال تستاهل
السجن عشان تبطل
كتابة!، وفى عام
1993 حين عرف أننى
أعيش فى المنفى
خارج مصر قال لصديقتى
بطة: تستاهل عشان
الكلام اللى كتبته
ضد حرب الخليج!
ده كلام فارغ! منذ
عامين سألته إحدى
الصحفيات فى حوار
طويل نشر فى جريدة
كبرى، سألته عن
رأيه فى كتابات
بعض النساء، سهير
القلماوى وأمينة
السعيد ولطيفة
الزيات وغيرهن،
قال إنهن نساء
عظيمات تستحق
كل منهن ما حصلت
عليه من جوائز.
ثم سألته الصحفية:
وما رأيك فى كتابات
نوال السعداوى؟
وجاء رده: كتاباتها
تستهين بالقيم
الاسلامية والتقاليد
الشرقية، نحن
هنا فى الشرق نؤمن
بالروحانيات
لكن القيم فى الغرب
مادية وإباحية،
وهى تكتب للغرب. لم
أقرأ هذا الحوار
فى الجريدة. لكن
بطة قرأت لى هذه
الفقرة عبر الأسلاك،
ثم قالت، الدكتور
رشاد لم يغفر لك
أنك رفضتيه، الرجل
لا ينسى المرأة
التى رفضته، يظل
الجرح مفتوحا
لا يلتئم، على
العموم يا نوال
الدكتور رشاد
أحسن من غيره،
إنتى عارفة زكريا،
الدكتور زكريا
اللى كان بيدرس
لنا الفسيولوجى،
الراجل ده هو الوحيد
اللى أشاع انه
عمل معايا علاقة
مع إنى لا حبيته
ولا فكرت فيه يوم
واحد، كان لازم
ينفس عن إحباطه
بالاشاعات، أى
راجل يعلن إنه
عمل علاقة بامرأة
تأكدى إنها الوحيدة
اللى رفضته! والغريب
يا نوال إن الدكتور
زكريا بقه من كبار
الأدباء فجأة،
عملوه عضو فى اللجنة
الأدبية العليا
أو معرفش المجلس
الأعلى للقصة
والرواية، حاجة
زى كده مع إنه عمره
ما نشر كتاب واحد
فى الادب أو كتب
قصة واحدة، المسائل
بقت كلها عك فى
عك، واكبر دليل
على العك إن الدكتور
رشاد كمان بقه
يفتى فى الأدب
النسائى مع إنه
مالوش فى الأدب
ومالوش فى النساء! كركرت
بطة بضحكتها المتقطعة
المرحة لكن صوتها
أصبح مبحوحا مشروخا،
تتخلله بعض الشهقات
من حين إلى حين،
تشكو الشيخوخة
وآلام مجهولة
السبب، وصداع
فى مؤخرة الرأس،
فحصها زوجها الدكتور
حمدى وقال لى أنها
مثل الحصان ولا
شئ فيها مريض إلا
عقلها. -
تصورى يا نوال
صاحبتك بطة اللى
عمرها ما عرفت
ربنا سافرت مكة
ورجعت لابسة طرحة
وماسكة سبحة؟ *
* * * أمام
المرآة فى غرفة
نومى رأيت الوجه
الطويل الشاحب.
الذراع اليمنى
الملفوفة فى الجبس
الأبيض، معلقة
فى عنقى برباط
من الشاش. البطن
المرتفع قليلا
تحت الثوب الواسع.
عادت إلىّ الذاكرة
شيئا فشيئا، مثل
قطرات الماء البارد
يتساقط فوق رأسى. هذه
المرأة داخل المرآة؟
أهى أنا؟ زوجة
لرجل لا تحبه. طبيبة
فى مهنة ليست مهنتها.
تحمل فى احشائها
جنينا ليس جنينها.
تعيش فى بيت ليس
بيتها. تخرج كل
يوم رغم انفها
إلى مرضى لا تطيق
رائحتهم. النتيجة
فوق الحائط ثابتة
عند العام 1960. هذه
الذراع الملفوفة
بالجبس تعود بى
إلى بداية عام
1955. بالضبط أول يناير
1955. صحيت من النوم
مشرقة متألقة
كالشمس فى اليوم
الجديد. إرتديت
ثوبى الجديد بمناسبة
العام الجديد
ونجاحى فى كلية
الطب بتفوق، اصبحت
طبيبة امتياز
فى المستشفى الجامعى
(قصر العينى الجديد)،
ارى نفسى فى المرآة
داخل ثوب أبيض
فيه زهور وردية،
عيناى السوداوتان
يكسوهما البريق،
قلبى يخفق بالحب،
حول إصبعى خاتم
الخطوبة يحمل
إسمه، لمحته من
النافذة قادما
فى الطريق يحمل
باقة ورد، أدخلته
الخادمة إلى غرفة
الاستقبال. كان
هناك باب من الزجاج
يفصل الصالة عن
غرفة الاستقبال،
وستارة فوق الباب
صنعتها أمى بإبرة
التريكو. كان أبى
جالسا فى الصالة
يقرأ. سأل الخادمة
من جاء، قالت الدكتور
أحمد. كانت تعرفه
من الزيارات السابقة،
وحفل الخطوبة
الصغير منذ عامين.
خلع أبى نظارة
القراءة ونهض.
تصورت أنه سيدخل
إلى غرفة الاستقبال
ليسلم على الدكتور
أحمد. لم يكن طبيبا
بعد، طلبة السنة
النهائية فى الكلية
كانوا يحملون
لقب دكتور، كان
أبى غاضبا، تأخر
أحمد عن زملائه
بسبب سفره مع الفدائيين
إلى جبهة القتال
فى القنال. طلب
منى أبى أن أرد
اليه خاتم الخطوبة
وأطلب منه ألا
يزورنا فى البيت.
قال ذلك بصوت منخفض
لا يصل إلى غرفة
الاستقبال. الباب
الزجاجى بين الصالة
والغرفة كان مغلقا.
أبى كان هادئا
بالطبيعة، صوته
لا يرتفع إلا عند
الغضب الشديد.
لم يكن غاضبا هذه
اللحظة. أصدر قراره
فى هدوء كامل. ابنته
الطبيبة لن تتزوج
طالبا فاشلا تخلف
عن زملائه عامين. تطورت
الأمور على نحو
غريب سريع. لا أعرف
ماذا حدث بالضبط.
رأيت أمى تأتى
إلى الصالة مرتدية
ثوبها الأزرق،
فى قدميها شبشب
أزرق تسميه البانتوفلى،
سارت بخطوة سريعة
إلى الباب الزجاجى
وأغلقته بالمفتاح.
وضعت المفتاح
فى جيبها ثم عادت
إلى غرفتها، جاءت
الخادمة وقالت
أن الدكتور أحمد
ترك باقة الورد
فوق المنضدة فى
غرفة الاستقبال
ثم انصرف. كان
لغرفة الصالون
باب آخر يقود إلى
الحديقة الصغيرة
والباب الخارجى
دون المرور بالصالة.
هل سمع صوت أبى؟
هل سمع صوت المفتاح
يدور فى الباب
الزجاجى حين أغلقته
أمى؟! كنت
واقفة فى الصالة
متجمدة، جسمى
متجمد وعقلى متجمد.
إرتدى أبى ملابسه
وخرج. واقفة فى
مكانى لا أتحرك.
رعدة خفيفة أصابتنى
من قمة رأسى إلى
قدمى. كأنما ماء
صاقع ينسكب من
السقف فوقى وأنا
واقفة. الدقات
تحت ضلوعى تتصاعد.
الدموع تتراكم
فى حلقى كالغصة
والغضب المتراكم
منذ ولدتنى أمى
أربعة وعشرين
سنة. كنت أدق الارض
بقدمى حين أغضب
فى السابعة من
العمر. لم أعد أدق
الارض بقدمى. لم
يكن أمامى شئ قابل
للكسر إلا الباب
الزجاجى المغلق.
وجدتنى أندفع
نحوه، أضربه بقبضة
يدى اليمنى ضربة
واحدة هائلة. لم
أفقد الوعى هذه
اللحظة. كنت فى
كامل الوعى. كامل
الانتباه. لم أحس
بأى ألم. فقط دخلت
قبضة يدى فى الباب
الزجاجى وخرجت
من الناحية الاخرى. بقى
معصمى داخل اللوح
المكسور، حركت
ذراعى لأشد يدى
خارج الزجاج. سقط
اللوح الكبير
بكل ثقله فوق معصمى
مثل السكين، سقطت
قبضة يدى إلى اسفل
فجأة. رأيتها تتدلى
لا استطيع رفعها
مهما حاولت. كف
قلبى عن الدق وتفجر
الدم بلون أحمر
يلطخ الباب الأبيض
والبلاط الأبيض
وثوبى الأبيض. اللون
الأحمر القانى
فوق السطح الأبيض
أعادنى إلى الحلم
الطفولى القديم.
رأيت نفسى طفلة
تحبو تمسك أمها
يدها حتى لا تسقط.
رأسى أثقل من جسمى
لا أستطيع أن أرفعه
فوق عنقى. لا أستطيع
أن أرفع يدى. ذراعى
ثقيلة مخدرة. شددت
جفونى لأصحو من
النوم. رأيت وجه
أمى أول ما رأيت
يبرز وسط الضباب.
كان شاحبا رماديا
بلون الضباب. انفرجت
شفتاها عن ابتسامة
خفيفة، سمعت صوتها
يأتى من بطن الارض،
الحمد لله جت سليمة
يا نوال، كانت
ترتدى الثوب الازرق
والبانتوفلى
الأزرق فى قدميها،
ثم رأيت وجه أبى،
كان طويلا شاحبا،
يردد ما قالته
أمى، الحمد لله
جت سليمة يا نوال،
من حولى معاطف
الاطباء البيضاء،
مرايل الممرضات،
الجدران البيضاء،
رائحة المستشفى،
وأنا راقدة فى
السرير الابيض،
داخل ثوب أبيض،
ذراعى اليمنى
ملفوفة بالجبس
الابيض. أفقت
من البنج ورأيت
الدكتور عبد العظيم،
كان أستاذا بقسم
الجراحة فى مستشفى
القصر العينى
الجديد، عاد لتوه
من لندن بعد أن
تخصص فى جراحة
الأعصاب والعضلات
الدقيقة. طويل
نحيف له وجه مبتسم
قال مبروك يا دكتورة
نوال، العملية
نجحت تسعين فى
المائة والباقى
عليكى انت. لم افهم
شيئا مما يقول.
فى اليوم التالى
شرح لى الحقيقة.
العملية كانت
صعبة. استغرقت
أكثر من تسع ساعات.
أنسجة المعصم
تمزقت وأربطة
العضلات. عملت
كل جهدى يا دكتورة
نوال عشان أرجع
كل حاجة زى ما كانت،
انا عملت اللى
علىّ والباقى
على ربنا. وسمعت
أبى يقول، كان
يمكن تفقدى إيدك
اليمين كلها لولا
عناية الله، ومهارة
الدكتور عبد العظيم،
دى أول عملية جراحية
من هذا النوع يجريها
بعد عودته من الخارج،
وقالت أمى، ربنا
بيحبك يا نوال
وإن شاء الله إيدك
ترجع زى ما كانت
مش كده يا دكتور؟ لم
يكن الدكتور عبد
العظيم متأكدا
أن يدى اليمنى
سوف تعود كما كانت،
كان يشك فى الشفاء
الكامل، النتيجة
لن تعرف إلا بعد
التئام الجرح
وإزالة الجبس،
كان الجبس ضروريا
حتى لا يتحرك المعصم. بدأت
أستعيد قوتى فى
اليوم الثالث،
فى اليوم الرابع
رأيت الدكتور
سعيد عبده واقفا
إلى جوار السرير،
كان أستاذا فى
الكلية للصحة
العامة، يجمع
بين الطب والأدب،
يكتب عمودا منتظما
فى الجريدة بعنوان:
خدعوك فقالوا،
قرأ لى بعض المقالات
والقصص فى مجلات
الكلية، سمع كلمتى
فى حفل تأبيد الشهيد
احمد المنيسى
ومناسبات أخرى،
قال الدكتور سعيد
عبده، تقدرى يا
نوال تجهزى كلمة
تلقيها فى حفل
التخرج نيابة
عن الطلبة؟ أنا
شايف إنك فى حالة
كويسة، والصوان
حيكون هنا جنبك
فى حوش المستشفى،
يدوب خطوتين،
ويمكن استخدام
التروللى إذا
كان المشى صعب
عليكى، إيه رأيك؟
إنت الوحيدة بين
طلبة الطب اللى
عندك قلم وممكن
تكتبى كلمة أدبية
كويسة وتلقيها
فى حفل التخرج،
ده حفل مهم جدا
يا نوال، عميد
الكلية حيحضر
ورئيس الجامعة
وكمال الدين حسين
وزير التعليم
غير كل الاساتذة
والطلبة والطالبات. كان
ذلك منذ خمسة وأربعين
عاما، وأصبح فى
درج مكتبى صورة
فوتوغرافية لى
جالسة وراء الميكرفون
على المنصة ذراعى
اليمنى ملفوفة
بالجبس ألقى كلمتى
فى حفل التخرج
بداية عام 1955، عن
يمينى يجلس وزير
التعليم وعن يسارى
رئيس الجامعة
ثم عميد كلية الطب.
هذه الصورة بقيت
فى درج مكتبى عامين
ثم تمزقت مع صورتى
فوق بطاقتى الشخصية
وبطاقة نقابة
الاطباء، وصور
أخرى فى الشباب
والطفولة. كانت
الصور ضمن أوراقى
التى حملتها معى
من بيت أبى. ذكريات
طفولتى لحظات
عمرى غير المنسية
ومفكرتى السرية.
إنقض عليها يمزقها.
أصابعه الغليظة
ترتعد، عيناه
اختفى الننى تحت
الجفن، والبياض
بلون الثلج تخترقه
شعيرات دموية
جاحظة، يمسك الصورة
بين إصبعين ويصرخ،
دى صورتك فى حفلة
التخرج مع العميد
والوزير، طبعا
بقيتى دكتورة
عظيمة وأنا فاشل
مدمن، إزاى تعيشى
مع فاشل مدمن يا
دكتورة؟ لكن فين
كلامك بتاع زمان،
نعيش سوا ونموت
سوا، مش عاوزة
تموتى معايا ليه
يا دكتورة؟ عاوزة
تمشى وتسيبينى
أموت لوحدى؟! مزق
الصورة، ألقى
بها فى صفيحة القمامة،
وانقض على الصور
والاوراق كلها
يمزقها ورقة ورقة،
ثم انقضت اصابعه
الغليظة المرتعدة
حول عنقى، كان
فى حاجة إلى جرعة
جديدة من الماكستون
فورت لا يستطيع
شراءها من الصيدلية،
لم يجد فى حقيبتى
قرشا واحدا، لم
يجد فى البيت شيئا
يمكن ان يبيعه،
لم يعد يؤمن بالله
أو الوطن أو الحب،
يصرخ بصوت يسمعه
الجيران : الثلاثة
وهم، والاخلاص
وهم، كأنما تكشفت
له الحقيقة النهائية
ولم يبق إلا الموت،
لكن قبل أن يموت
الفدائى لابد
أن يقتل، الدرس
الأول تلقاه فى
حرب العصابات،
لا تموت قبل ان
تقتل عدوك. أعداؤه
الثلاثة الملك
والحكومة والانجليز،
أراد ان يقتل هذا
الثالوث غير المقدس،
يحمل سلاحه فوق
كتفه، يهتف بالثالوث
المقدس "الله،
الوطن، الحب"،
عاد من القتال
مهزوما مكسور
القلب، ينزف الايمان
قطرة قطرة مع الدم،
يصرخ كل يوم وهو
يحقن دمه بالسم،
الخونة!، الثلاثة
وهم! الله والوطن
والحب! السم فى
الدم يصعد إلى
رأسه، يتصور أن
الله خائن والوطن
خائن والحب خائن.
لم تصل أصابعه
الغليظة المرتعدة
إلى عنق الله أو
عنق الوطن، كلاهما
رمز بدون جسد ولا
عنق. لم يعد أمامه
إلا عنق المرأة
التى أحبها وأحبته.
التفت اصابعه
حول عنقها تلك
الليلة المظلمة
بعد ان مزق صورها
واوراقها والقى
بها فى صفيحة القمامة.
لم يبق فوق الارض
فى غرفة النوم
الا صورة واحدة
ممزقة فوق بطاقة
نقابة الاطباء.
لمحتها وانا ارتدى
المعطف فوق قميص
النوم. التقطتها
من فوق الارض،
وضعتها فى جيبى،
أصابعى ترتعش،
جسمى يهتز لكن
عقلى ثابت. عظام
العنق تؤلمنى
لكن رأسى فوق عنقى
ثابت، ضميرى مستريح،
الدفاع عن الحياة
مشروع بالعقل
والمنطق والقانون.
استطعت أن أحرر
عنقى من بين يديه.
اصابعى الطويلة
النحيفة كانت
اقوى من اصابعه.
ارادتى فى الحياة
اقوى من ارادته.
عقلى حاضر وعقله
غائب تحت تأثير
السم. كان يرتعد
كأنما بالحمى،
ثم سقط فوق السرير،
سمعت شخيره وانا
امشى على اطراف
اصابعى إلى غرفة
الطفلة. كانت غارقة
فى النوم فوق وجهها
ابتسامة الملائكة.
حملتها فوق صدرى
داخل البطانية
الوردية من الصوف.
فتحت باب الشقة
وخرجت ثم أغلقت
الباب ورائى بلا
صوت. كان
الوقت قبل الفجر
بقليل. سرت من شارع
المنيل إلى بيت
أبى فى الجيزة.
توقفت لحظة فوق
كوبرى عباس أستنشق
عبير الفجر. فوق
هذا الكوبرى كنت
امشى قبل ان يسافر
إلى الحرب. عيناه
كان يكسوهما البريق،
صوته يهمس فى اذنى،
الله، الوطن،
الحب، يرى نفسه
محمولا فوق الأعناق
بعد النصر، يحملنى
فوق الحصان الأبيض
مثل سندريلا. مياه
النيل تجرى تحت
كوبرى عباس بطيئة
حزينة. سقطت دمعة
حبيسة من فوق سور
الكوبرى وذابت
فى الماء. تعكرت
صفحة النيل المتألقة
تحت ضوء الفجر.
صعد الطمى من القاع
إلى السطح. لونه
أحمر مخلوط بالطين
والدم. كأنما
تخففت من الحزن.
ألقيت به فى نهر
النيل، وسرت إلى
بيت أبى احمل طفلتى،
تبتسم فى وجهى
كضوء الشمس، وابتسم
أبى حين رآنى،
وأمى نهضت من فراش
المرض، سمعت ضحكتها
لأول مرة بعد غياب
طويل. فى
جيب معطفى وجدت
صورتى الممزقة.
أعدت أجزاءها
بعضها إلى بعض،
ثبتها بالصمغ
فوق قطعة من الكرتون،
بقيت الصورة فى
درج مكتبى الاسفل،
لا أفتح الدرج،
إن فتحته لا أنظر
اليها، لا أريد
ان اتذكر. النسيان
مقاومة للحزن
ودفاع عن الحياة. لم
أفقد صداقتى بأحمد
حلمى حتى مات. كنت
أعرف أنه راح ضحية
حكومة خائنة وزملاء
خائنين. تخلى عنه
الأصدقاء والأقارب
حتى أمه أغلقت
الباب فى وجهه.
كانت تبكى وتقول،
أخاف منه يا ابنتى
فهو يهددنى بالموت
إن لم أعطيه فلوس
يشترى بيها السم
اللى بيحقنه فى
دمه، قلبى انفطر
عليه يا بنتى،
وخايفة عليكى
منه ربنا يعينك
يارب. *
* * * بقيت
الصورة الممزقة
فى الدرج السنة
وراء السنة خمس
سنوت، حتى عام
1961، دق جرس الباب
ودخلت ثريا حمدان،
كانت تسكن إلى
جوارى فى شارع
الجيزة، تشغل
منصبا كبيرا فى
مبنى التلفزيون
الجديد، سألتنى،
عندك رواية للشاشة
الصغيرة يا دكتورة
نوال؟ قلت لا أكتب
للتلفزيون يا
أستاذة ثريا،
سألتنى، ليه يا
دكتورة؟ قلت لا
أعرف، لم أجرب،
قالت، حاولى تكتبى
حاجة للتلفزيون
عندك قلم مميز
ولك قراء وقارئات،
والشاشة فى حاجة
إلى أعمال أدبية
جيدة وهى نادرة،
هيه قوليلى متى
أتسلم الرواية
منك؟ جلست
فى الليل أفكر.
فتحت الدرج حيث
الاوراق القديمة
والذكريات الطفولية.
لمحت صورتى الممزقة
ضمن الاوراق. تأملتها
طول الليل. قبل
شروق الشمس أمسكت
القلم وصفحة بيضاء،
كتبت عنوان الرواية:
الصورة الممزقة. كانت
هى الرواية الأولى
التى كتبتها لشاشة
التلفزيون. رواية
طويلة عرضت فى
ثمانية حلقات،
كل حلقة اربعين
دقيقة، كنت أتابعها
بعد أن أعود من
العيادة، أم ابراهيم
تجلس عيناها فوق
الشاشة، تمسح
دموعها وتنشج
بصوت مكتوم، فى
درج مكتبى حتى
اليوم دوسيه كبير
مكتوب عليه الصورة
الممزقة. من مائتين
وعشرين صفحة. أفكر
اليوم فى طبعها
داخل كتاب حتى
لاتسقط من التاريخ. |