nawal and sherif

Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata

Home | Books

  أوراقى حياتى : الجزء الثالث

د. نوال السعداوى

المشرط والقانون


 أحملق فى المرآة وأنا واقفة فى غرفتى. ذراعى ملفوفة بالجبس. النتيجة فوق الحائط ثابتة عند العام 1960، صورة الأشعة على المكتب والتقرير. كسر فى عظمة الريدياس اليمين. منذ خمسة أعوام كدت أفقد يدى اليمنى بسبب الغضب. عادت يدى كما كانت  إلا من جرح عميق فوق المعصم غائر حتى العظم.

            غضبت من أبى وضربت الباب الزجاجى. اليوم أنا غاضبة من نفسى، من هذه المرأة داخل المرآة، تزوجت بلا حب وحملت بلا حب ثم قفزت من الشرفة لتقتل الجنين، لكن الجنين لم يحدث له شىء، فقط انكسرت ذراعها اليمنى.

            رفعت اليد الملفوفة بالجبس وضربت الوجه داخل المرآة، انكسرت، وانقسم وجه المرأة قسمين، أصبح لها وجهان، فى كل وجه عين واحدة.

            إستدرت لأرى المرأة العجوز ورائى رأسها ملفوف بالطرحة السوداء. ترمق ذراعى داخل الجبس بنظرة الحدأة المستكشفة، "حصل إيه كفى الله الشر يا دكتورة نوال؟"، "أبدا ما فيش حاجة يا طنط رميت نفسى من البلكونة". ثم ضحكتْ، ضحكت هى الأخرى غير مصدقة ما أقول، أدركت أن الحقيقة حين أقولها لا يصدقها الناس، وكان إبنها حين يسألنى "أتحبينى يا نوال؟" أرد بسرعة: لأ، يضحك غير مصدق ما أقول، وقالت أمه فى اليوم التالى، خدى إجازة من المستشفى يا دكتورة عشان صحتك وصحة العيل اللى جوه بطنك، ترمق بطنى بنظرة حانية كأنما ترى حفيدها، إبن ابنها الغالى، تضمه داخل جفونها، تصعد نظرتها إلى صدرى ثم وجهى، تلتقى عيناها بعينى، ترمقنى بنظرة الحدأة.

            لا شىء يربطنى بهذه المرأة أو ابنها إلا الجنين فى أحشائى. قطعة من هذين الغريبين داخل جسدى. فكرت فى التخلص من جسدى. راودتنى فكرة الانتحار. نظرت إلى الأوراق المتراكمة فوق مكتبى. الرواية! تشدنى إليها لأكملها قبل أن أموت، قررت تأجيل موتى إلى ما بعد الانتهاء من الرواية.

 

*    *    *    *

 

            لم أعد قادرة على الكتابة. أمسك القلم بيدى اليسرى. أصابع اليد اليمنى لا تزال ضعيفة بعد إزالة الجبس. لا أستطيع أن أمسك القلم بين أصابعى. ينزلق من بينها كأنما هى فاقدة الحياة. أعيدها إلى الحياة يوما وراء يوم بالتدريب، تمرينات لعضلات الأصابع والمفاصل، تحريك المعصم، تحريك الذراع، تكرار التمرينات عشر دقائق كل ساعة، أهبط إلى الحديقة الصغيرة خلف البيت أمسك فأسا صغيرا، أشتغل به كل يوم نصف ساعة، ثم أجلس تحت شجرة الكافور، ترمقنى عصفورة صغيرة واقفة فوق الفرع بعيون حزينة.

            إنه عام 1960، عام الهزيمة الصغرى. هزيمتى الخاصة وانسحابى من الحياة. حنينى إلى الموت. أيام الحزن العميق والأحداث المؤلمة الساقطة من الذاكرة، لولا النسيان ربما مات الإنسان، داخل خلايا المخ مصفاة تنقى العمر من لحظات الضعف والهزيمة، تلقى بها فى قاع التاريخ، تظل كامنة فى البئر، داخل قوقعة سميكة، جرح مفتوح غائر فى اللحم، نظن أنه إلتأم، فإذا ما حلت بنا هزيمة أخرى أدركنا أنه لم يلتئم، يطل من تحت الجلد مثل رأس الدمل، ما هى إلا هزة واحدة حتى تسقط القشرة وينزف الجرح.

            ثلاثة شهور من الحزن. كنت فى التاسعة العشرين من عمرى أرى نفسى عجوزة فى نهاية حياتى، أنشد الموت وأنا راقدة إلى جواره فى السرير العريض. أحمل فى أحشائى جزءا منه لا أعرف كيف أتخلص منه. أبحث فى أركان البيت عن سم أبتلعه. أفتح العلبة السوداء فى الصيدلية الصغيرة البيضاء فوق الحوض، أبتلع الحبوب السامة حبة وراء حبة ثم أتوقف فجأة. يلوح لى وجه ابنتى الطفلة تبكى على موت أمها. عيون أخوتى الأربعة القاصرات بلا أم ولا أب، ليس لهن فى الحياة إلا أنا، تنهمر دموعى أبكى عليهن قبل أن أبكى على موتى.

            فوق المائدة فى الصالة تتراكم الصحف. تأتينى كل صباح من تحت عقب الباب. أركلها بقدمى. صورة الدكتور حمدى زوج صديقتى بطة تظهر فى الصحف. يدلى بتصريحات عن الديموقراطية. يردد ما يقال عن أعداء الثورة. يدعو الله أن ينزل عليهم الطير الأبابيل، تجعلهم فى بئر سجيل. كل من يعارض جمال عبد الناصر يصبح من أعداء الثورة. كل من يرى أن الوحدة الاندماجية لن تنجح بين مصر والعراق، فشلت الوحدة بين مصر وسوريا. أصبح رجاء الشاعر من أعداء الثورة، طارده البوليس حتى هرب إلى باريس. أسعد شقيق صفية دخل المعتقل ومعه رفاعة زوج سامية. تمط شفتيها وتقول: شوية عساكر يا نوال مسكوا الحكم وعاملين إرهاب فى البلد!

 

*    *    *    *

 

            مسرح الأحداث فى حياتنا الخاصة هو السرير. ربما أيضا مائدة الطعام. يدور كل شىء داخل الأربعة جدران. قد يتسرب شىء خارج الأبواب المغلقة إلى آذان الجيران، ارتطام أجسام بالحوائط والجدران، تكسير الصحون وتطاير الشظايا فى الجو، زعيق متدرج الصوت يعلو وينخفض، ثم يدب الصمت. فى الصباح ينخرط الزوج فى عمله، تنخرط الزوجة فى عملها، يعود الإثنان فى نهاية اليوم إلى مكانهما بين الجدران الأربعة، حيث تتكرر المأساة.

            كانت تحلم كل ليلة بالفرار دون جدوى. لماذا كانت تعجز؟ الخوف من الفشل للمرة الثانية فى الزواج؟ الخوف من ألسنة الناس؟ الخوف من الوحدة؟! رغم أن الوحدة كانت تبدو لها مثل النجمة بعيدة المنال! أهو التناقض التاريخى فى عتمة هذه العلاقة التى يسمونها الزواج؟

            كنت أتفادى الخروج معه إلى حيث يرانا الناس. قامتى أطول من قامته. يدى سمراء محروقة بالشمس أصابعى طويلة رفيعة. أصابعه قصيرة ممتلئة بالراحة وعدم العمل، قدمه صغيرة بيضاء شاحبة لم تلمسها الشمس. خطوتى فوق الأرض واسعة قوية. خطوته ضيقة مترددة مهتزة. لم يكن لى أن أراه يمشى حتى يعترينى المرض. لا أعرف هل أستسلم للقلق أم أسرح فى الأحلام. يمشى بجوارى فى المدينة المكتظة يهز ذراعيه، كأنما له ذراع أقصر من ذراع، جسمه يهتز بحركة تؤلم العين، عضلاته مرتخية من طول الجلوس فى المكتب والبيت، يركب السيارة من البيت إلى المكتب، لا يمشى لا يمارس الرياضة، ذراعه إن تعرت تبدو بيضاء تكشف من تحتها عروق طويلة متعرجة تمشى فيها دماء زرقاء، أرمقها بدهشة مع أنها عروق طبيعية، فالدم الأحمر يبدو تحت الجلد بلون أزرق، كنت أنسى الطب والمنطق، يصيبنى القلق كلما تعرت ذراعه، كأنما يكشف عن عاهة مستديمة، يتباهى بها أمام الرجال، ينافسهم فيما يسمونه الذكورة، أنكمش داخل نفسى خزيا، أبقى فى مكانى مسمرة مذهولة لا أعرف إن كنت فى حالة من اليقظة أو أغط فى النوم.

            ذات يوم جاءتنى صديقة جديدة من الأديبات، دقت الجرس. فتح لها الباب وأدخلها غرفة الاستقبال. سألتنى، "جوزك اللى فتح لى الباب"، ترددت قليلا "لأ مش هو" ثم تراجعت وقلت: "أيوه هو". كان فى نظر العالم رجلا وسيما مملوءا بالرجولة. لكن عين الأديبة تكشف ما تحت الجلد. جلست أمامها فى غرفة الاستقبال أتفادى النظر إلى عينيها. كانت لى هاتين العينين قبل الزواج، كأنما فى حياة سابقة، كنت مثل زرقاء اليمامة أرى ما لا يراه الناس، فما الذى حدث لأفقد البصر؟

            كنت أمسك عقله الابيض المرتخى أدلكه أجادله، لتسرى فيه دماء حمراء بدل الزرقاء، أكنت أقاوم الطبيعة؟ ويصيبنى الإعياء أو المرض، لا يعرف هو ما يعترينى، يتطلع حوله فى الشقة الواسعة لا يعرف لماذا لا أفرح، الأثاث الفاخر، الفساتين الحريرية التى اشتراها لى، والشباشب ذات الوردة الذهبية والكعوب الرفيعة العالية، وفخذة الخروف المشوية فوق المائدة والسيارة الطويلة أمام الباب، وصوته يزعق "عاوزة أيه أكثر من كده؟" أمسح دموعى حائرة مذهولة، أتهم نفسى بفقدان البصر، كيف لا أرى كل هذه النعم؟

            أعود إلى طبيعتى الاولى، وتنقلب النعم إلى النقم، كلمتان متشابهتان رغم التناقض، لا يفرق الواحدة عن الأخرى إلا نقطة أو نقطتين.

            فى السابعة من عمرى ضربنى المدرس على أصابعى بالمسطرة بسبب نقطة حبر سقطت من سن القلم، تحولت كلمة بعل إلى بغل، لم أعرف حينئذ أن كلمة بعل تعنى الزوج. وفى مرة أخرى سقطت نقطتين من الحبر فوق كلمة اللاه، أصبحت اللاة، لم أعرف أنها مؤنث كلمة اللاه، وتعنى الإلهة الأنثى التى كان يعبدها العرب ثم حرم الإسلام عبادتها.

            شطب المدرس بالقلم الحبر الأحمر على الكلمة ولسعنى بالعصا الخرزان.

            كانت الرواية هى هدف حياتى. قررت تأجيل موتى حتى أنتهى منها. دربت يدى اليسرى على الكتابة. أصبحت أكتب باليدين الأثنتين. أستبدل الواحدة بالأخرى حين يحل بإحداهما التعب. أحتضن القلم بين أصابعى وأكتب. يتسلل نور النهار من شقوق الشيش وأنا منكفئة فوق الأوراق. أسمع زقزقة العصفورة فوق شجرة الكافور تفرد ريشها تحت أشعة الشمس. تلتقى عيناها بعينى وتبتسم ثم تطير محلقة فى الجو.

            كان هو يشاركنى السرير. لا شىء يفسد الحياة الزوجية إلا السرير المشترك. والحمام المشترك. انتهاكات يومية للحياة الخاصة.

            صحيت من النوم ذات يوم رأيته يقرأ أوراقى. كأنما كان ينتهك جسدى. ربما كان انتهاك الجسد أقل ألما. سمعت صوتى يقول:

            - دى أوراقى مش من حقك تقرأها!

رأيته يمسك الرواية، يلقى بها من النافذة، وجدتنى أقفز وراء الرواية من النافذة، تصورت أننى بهذه القفزة سوف أنقذها.

            هذه اللحظة كان يمكن أن تنتهى حياتى. أن يتحطم رأسى فوق الأسفلت. لم تكن لحظة جنون. كنت عاقلة فى كامل الوعى. كانت لى تجربة سابقة. قفزت من سور الشرفة فلم أفقد حياتى. كسر فى الريدياس اليمنى ثم إلتأم العظم. هذه الرواية سهرت عليها الليالى والأيام، والشهور والسنين، أكثر من ثلاثمائة ورقة بحجم الفولسكاب الكبير. عقلى قال فى تلك اللحظة إن أنقذت الرواية أنقذت حياتى.

            لحظة من الخيال ربما، وجدت نفسى أمشى فوق الماء، أهتز قليلا لكنى أواصل المشى، أدخل إلى سراديب طويلة تشبه الممرات فى مستشفى قصر العينى. طوابير المرضى والمريضات يفترشون الأرض إلى جوارهم قفف وأطفال يخبطون الهواء بسيقان معوجة. يرمقون الأطباء بنظرة استجداء. يدب الاطباء فوق البلاط بكعوب قوية عسكرية، معاطفهم بيضاء ناصعة البياض. عيونهم من خلف النظارات مطفأة أو مغمضة. ينقرون بأصابعهم الغليظة على صدور الأطفال تحملهم النساء فوق صدورهن المهدلة، وأنا أمشى بين طوابير المريضات أترنح فوق ساقين يتساقط من بينهما الدم، تنفرج شفاههن الشاحبة عن صوت خافت: "ربنا يشفيكى يا بنتى". يمسحن عيونهم الذابلة بطرف الجلباب الأسود المغطى بالتراب، أشق طريقى بينهن بصعوبة، أتفادى النظر إلى عيونهن، لكن صدرى يمتلىء بالدفىء، أحتفظ فى ذاكرتى بهذه النظرة الحانية فى العيون الذابلة.

            فتحت عينى فوجدتنى غارقة فى الدم. راقدة فوق منضدة من الرخام تشبه مناضد المشرحة أو غرفة عمليات الجراحة، فوقها ملاءة من المشمع الأحمر، فوق رأسى كشاف كهربى قوى الضوء، راقدة فوق ظهرى مفتوحة الساقين، الذراعان والقدمان مربوطة بأحزمة جلدية فى قوائم حديدية ترتفع فوق المنضدة، أسمع الأطباء يتبادلون الكلمات غير المفهومة، يشمخون بأنوفهم ويقولون "إفاكيوويشن" عقلى مشلول مخدر، ترن الكلمة فى أذنى منذ المدرسة الثانوية "إفاكيو ويشن" خرجت مع البنات فى المظاهرة عام 1946، كنا نهتف فى وجه الانجليز فى نفس واحد: إفاكيو ويشن ويذ بلاض"، وتعنى "الجلاء بالدماء"، أو طرد الاحتلال الأجنبى من بلادنا بالحرب المسلحة، لكنها تعنى فى لغة الطب أو الجراحة، طرد الجنين من الرحم بالأدوات الطبية المسلحة، بمعنى آخر عملية "الإجهاض".

 

*    *    *    *

 

            كان هو نائما إلى جوارى فى السرير العريض. شخيره يسرى فى أذنى مثل دقات الساعة المشروخة. عيناى مفتوحتان شاخصة إلى السقف. تحررت من القيد الذى كان يربطنى به. عملية الإفاكيوويشن حررتنى من الاحتلال الأجنبى لجسدى. نزعت عن نفسى الجسد الغريب الذى كان جزءا منى. بدأ الطلاق يلوح فى السماء مثل شفق الفجر، أنفاسى تلهث كأنما أجرى وأنا راقدة فى السرير.

            كان يتغطى بالملاءة من الرأس حتى القدمين. تطل قدماه البيضاوتان من طرف الملاءة مضغوطتان صغيرتان، كأنما حشرتا داخل حذاء من الحديد، كأقدام الفتيات فى الصين القديم، كانت أمه تدلكهما كل ليلة منذ طفولته، تلفهما فى جراب من الصوف، داخل صندوق مبطن بالحرير، تبخرهما تخشى عليهما من عين الحسود.

            فتح عينيه ورآنى مفتوحة العينين شاخصة إلى السقف.

-        صاحية ليه؟

-        بافكر.

-        فى إيه؟

-        فى الطلاق.

            إنتفض واقفا غاضبا. قال إن الطلاق بيد الرجل وحده، الطلاق يتم بإرادة الرجل حين يريد وليس بإرادة المرأة حين تريد. الطلاق حق مطلق للرجل حسب القانون، وهو رجل قانون. رغم قامته القصيرة المربعة شمخ بأنفه مثل الأطباء فى المستشفى وقال: أنا رجل قانون! ثم نطق عبارة باللغة العامية انفجر بعدها شريان فى رأسى: "نجوم الضهر أقرب لك من الطلاق يا دكتورة!".

 

*    *    *    *

 

            منذ طفولتى سمعت أبى يردد هذه العبارة:

            "إذا كان ثمن الحرية فادحا فإن ثمن العبودية أفدح".

            وعاش أبى المنفى فى منوف عشرة أعوام، لم تغفر له الحكومة التمرد على الرؤساء، ولم يغفر لها خيانة الشعب. اشتغل موظفا فى هذه الحكومة ثلاثة وثلاثين عاما حتى مات. كل يوم يفكر فى الاستقالة ثم يتراجع. كان العائل الوحيد لأسرته وعياله التسعة وأمهم. كالمربوط فى الساقية، يقول عن نفسه رهين المحبسين: الوظيفة الحكومية وسرير الزوجية.

            قبل أن يموت أبى بشهور قليلة أحالته الحكومة إلى المعاش. أصابه انتعاش كأنما يولد من جديد. فرد ذراعيه من آخرهما وأخذ شهيقا عميقا أعقبه بزفير طويل، وقال، أخيرا تحررت بعد ثلاثة وثلاثين سنة سجن، أخيرا سأقرأ وأكتب ما أريد. ثم مات أبى فجأة قبل أن يكتب شيئا، دون أن يترك أثراً.

            قبل أن يموت أبى قال لو عادت حياتى إلى الوراء ربما لم أدخل الحكومة ولا الزواج. إنهما المصيدة والمقبرة. وكان يقول، أتركى وظيفة الحكومة وافتحى عيادتك الطبية يا نوال، لاشىء يقتل الإنسان مثل الوظيفة الحكومية.

            وفى التاسعة من عمرى سمعت أبى يقول لأخته رقية: الطلاق لك أفضل من الزواج التعيس، إخلعيه يا رقية، من حق المرأة أن تخلع زوجها إذا ردت له المهر وتنازلت عن النفقة. كان أبى دارسا للشريعة الإسلامية فى الأزهر ومدرسة القضاء الشرعى ودار العلوم.

            لولا أبى ما استطعت أن أعرف هذا الحق الشرعى للمرأة. يسمونه "انخلع". ساعدنى أبى على أن أخلع زوجى الأول. تنازلت عن النفقة والمهر. الكلمتان ترنان فى أذنى نابيتان. لم يكن المهر إلا خمسة وعشرين قرشا. حين سألنى المأذون كم يكون المهر؟ رنت الكلمة فى أذنى نابية لا أقبل أن يدفع لى الرجل مقابل الزواج، ما الفرق يبن الزواج والبغاء؟ قال المأذون، العقد لا يكون صحيحا دون المهر، على الأقل خمسة وعشرين قرشا، كنوع من الرمز! قلت رمز لأى شىء؟! قال رمز قوامة الرجل على المرأة، الرجل واجبه الإنفاق والمرأة واجبها الطاعة. قلت أنا طبيبة يضع الناس أرواحهم بين يدى ولا أقبل أن ينفق علىَّ أحد، كيف أعيش عالة على زوجى وأنا طبيبة؟! قال المأذون، العقد يكون باطلا دون مهر، همس زوجى فى أذنى، هذه مجرد شكليات، أمسكت القلم ووقعت العقد. تكررت الواقعة فى الزواج الثانى. لابد من الرمز بالقروش على قوامة الرجل وإلا بطل عقد الزواج، همس زوجى فى أذنى، هذه مجرد شكليات. أمسكت القلم ووقعت العقد. أصبحت للمرة الثانية تحت طائلة القانون العبودى، يسمونه قانون الأحوال الشخصية، تفقد فيه المرأة كيانها الإنسانى، تصبح ناقصة الأهلية، قاصرا مثل الطفل لم يبلغ سن الرشد أو المريض بعقله أو المعتوه، فى حاجة إلى الوصاية، وزوجها هو الوصى عليها.

            فى الطلاق الأول كان أبى معى. دخل إلى مكتب المأذون بقامته الفارعة. كانت له هيبة الأنبياء. نهض المأذون واقفا، أهلا سعادة البيه. قال أبى، ابنتى الدكتورة تريد خلع زوجها والتنازل عن جميع حقوقها المادية وغير المادية! قال المأذون مخاطبا زوجى، هذا حقها الشرعى يا أستاذ، ثم كتب قسيمة الطلاق. 

فى الطلاق الثانى لم يكن أبى موجودا. مات أبى قبل ان أتزوج بعام ونصف. كنت وحدى فى مواجهة رجل قانون. لا أعرف إلا القليل فى القانون. صوت أبى الميت يقول إخلعيه يا ابنتى هذا حقك الشرعى. عيناى تدوران فى المكان تبحثان عن أبى. واقف إلى جوارى بقامته الفارعة يمسك يدى. صوته فى أذنى. تقدمى يا نوال ولا تخافى أنت على حق.

            كان رجل القانون واقفا أمامى فى غرفة النوم. صوته يزعق. نجوم الضهر أقرب إليك من الطلاق. قامته مربعة قصيرة. قدماه صغيرتان بيضاويتان. يرتدى منامة حريرية بيضاء. وجهه أبيض بلون المنامة. عيناه صغيرتان غائرتان فى اللحم كعينى أمه.

            كنت واقفة أمامه. قامتى أطول من قامته. قدماى كبيرتان أكبر من قدميه. سمراوتان محروقتان بالشمس. وهو واقف أمامى يمط عنقه شامخا بأنفه. يقول أنه رجل قانون. أن الرجل وحده يملك حق الطلاق. المرأة لا تملك هذا الحق.

-        المرأة تملك حق الخلع إن تنازلت عن حقوقها المادية حسب الشرع يا أستاذ!

-        هذا فى الشرع فقط يا دكتورة وليس فى القانون!

-        أتعيش معى ضد إرادتى؟

-        هذا حقى القانونى!

-        أنا لا أريد أن أعيش معك!

-        اذهبى إلى المحكمة!

            المحكمة؟ اخترقت الكلمة رأسى مثل طلقة رصاص. لم أدخل فى حياتى محكمة. ترن الكلمة فى أذنى على وزن مشرحة أو مقبرة. الداخل إليها مفقود والخارج مولود. طوابير النسوة بالجلاليب السود أمام أبواب المحاكم. تشبه الطوابير أمام باب المستشفى والمشرحة والقبور. وجوههن الضامرة الشاحبة. عيونهن الذابلة جفت من الدموع. جحافل المحامين والقضاة داخل أروابهم مثل جحافل الأطباء بكعوب حديدية. يشمخون بأنوفهم. ترمقهم عيون النسوة المكلومات. واقفات فى الطوابير الممدودة من الشارع حتى باب المحكمة.

            كان واقفا أمامى يمط عنقه القصير الممتلىء باللحم. تيار من الدم الساخن يندفع من قمة رأسى، يهبط إلى عنقى وصدرى حتى بطن القدمين، الغضب المتراكم فى أعماقى منذ الطفولة، العشب الأسود فى قاع البحر. خطوت نحوه خطوة واحدة. أردت أن أقبض بأصابعى على عنقه. أصابعى طويلة قوية أمسكت بها المشرط وفتحت الصدور والبطون. فجأة تذكرت أننى طبيبة جراحة. حقيبتى جاهزة بجوار المكتب داخلها المشرط. سرت نحوها بخطوة بطيئة. لم أسرع الخطو. مشيت بخطوة هادئة تشبه خطوة أبى الميت. رفعت قدمى اليمنى عن الأرض كما كان يرفعها. ثم القدم اليسرى. قدماى ثابتتان عيناى مفتوحتان لا يطرف لهما جفن. كنت هادئة مثل أبى وفى كامل الوعى. إنثنيت بجسمى الطويل أرفع الحقيبة من فوق الأرض. ثم انتصبت قامتى الفارعة مثل قامة أبى. فتحت الحقيبة بأصابع قوية ثابتة. أخرجت مشرط الجراحة من جرابه الجلدى الأسود بحركة قوية سريعة، كالفارس يمتشق سلاحه واثقا من النصر، لمع النصل الحاد تحت الضوء بلون أبيض.

            كان ظهرى ناحيته لم أستدر بعد لأواجهه. النافذة مفتوحة أمامى. ضوء الفجر يشقشق فى الأفق. العصفورة فى عشها داخل شجرة الكافور. التقت عيناها بعينى فانتفض ريشها وطارت بعيدا. بدأ جسمى يتحرك لأستدير وأواجهه. قبل أن تكتمل الاستدارة تجمدت لحظة وأنا ألمح وجهى فى مرآة الدولاب. ليس هو وجهى. الملامح لا أكاد أعرفها. البشرة شاحبة بلا قطرة دم. المقلتان كبيرتان مشتعلتان بنار سوداء. الجلباب قديم شاحب البياض يتدلى تحت الركبتين. القدمان حافيتان فوق بلاط أبيض. النصل الحاد يلمع فى يدها بلون الموت الأبيض.

            هذه الصورة محفورة فى ذاكرتى حتى اليوم. نسيتها منذ تلك اللحظة كأنما لم تكن، ثم عادت إلىَّ بعد عشرين عاما فى خريف 1981، التقيت لأول مرة فى حياتى بامرأة قاتلة داخل السجن، كانوا يسمونها فتحية القتَّالة، لم أتخيل حين رأيتها لأول مرة أنها يمكن أن تقتل، كانت هادئة وادعة وإن غضبت كل السجنيات هى لا تغضب، ثم رأيتها مرة واحدة فى لحظة غضب. أدركت أنها يمكن أن تقتل. عيناها الصافيتان مثل السماء فى يوم مشرق تلبدت وتعكرت وأصبحت بلون الطين الأسود. كانت الشاويشة فى السجن تقول القتل ليس جريمة يا ضكطورة، إنه لحظة غضب واحدة وتفوت، القتَّالات أحسن ناس، لا يدوروا ولا يلفوا زى بتوع المخدرات والنشالات.

            تجمدت أمام المرآة وأنا أنظر إلى وجهى. ثم أكمل جسمى الاستدارة وأصبحت أواجهه وجها لوجه، وعينا لعين. ماذا رأى فى عينيى؟! رأيته يتراجع إلى الوراء دون أن يستدير حتى إلتصق ظهره بالحائط. أصبح جزءا من الحائط بغير حراك. وجهه بلون الحائط الأبيض. شفتاه بيضاوتان منفرجتان دون أن ينطق. تصورت أنه مات وهو واقف قبل أن أقترب منه.

            لم أعد فى حاجة إلى المشرط. نطقت عبارة واحدة من كلمتين بصوت أبى الميت: أنا خلعتك.

 

*    *    *    *

 

            أربعون عاما مضت على هذه اللحظة. تصورت أنها سقطت فى العدم. إلا أنها باقية فى الذاكرة مثل نجم صغير يتألق فى الظلمة. حصلت بعدها على ورقة الطلاق وأنا فى بيتى معززة مكرمة. لم أخرج إلى المحكمة أو مكتب المأذون. لم أدفع شيئا للمحامين أو الزوج المخلوع، لم أرد له شيئا لأننى منذ البداية رفضت أن آخذ شيئا. وتحررت من قانون الطاعة بفضل مشرط الجراحة.

            أقمت حفلا صغيرا فى بيتى بمناسبة الطلاق، جاءت صديقاتى الثلاثة بطة وصفية وسامية. أطلقت دادة أم إبراهيم زغرودة طويلة، قالت بصوت جدتى الفلاحة، بركة يا ضكطورة رجعتى لنا بالسلامة، كركرت بطة بضحكتها الطويلة المتقطعة، وقالت، عقبال عندنا يا رب! ابتسمت صفية بهدوئها المعتاد وقالت، إنتى يا نوال أشجع واحدة فينا، ورفعت سامية ذراعها فى الهواء كأنما تهتف فى مظاهرة، تسقط مؤسسة الزواج!

 

*    *    *    *

 

            أربعون عاما أسمع سامية تنطق الهتافين معا فى نفس واحد: تسقط مؤسسة الزواج تسقط الأمبريالية والصهيونية! مضى أربعون عاما دون أن تتحرر سامية من زوجها رفاعة، ودون أن تتحرر مصر من الأمبريالية والصهيونية.

            فى السنوات الأخيرة فقدت سامية بعض قوتها مع فقدان الشباب وأحكم رفاعة سيطرته عليها، ومنذ هزيمة 1967 فقدت مصر بعض قوتها، بعد معاهدة كامب ديفيد عام 1976 فقدت مصر الوحدة