nawal and sherif

Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata

Home | Books

  أوراقى حياتى : الجزء الثالث

د. نوال السعداوى

الصديقات القديمات


أجلس إلى مكتبى الصغير فى غرفة نومى. أطل على القاهرة من الدور السادس والعشرين. ترقد المدينة تحت سحابة من الضباب الأسود بلون الدخان. يبدو أول النهار كأول الليلز عدت إلى مصر بعد سنوات الغربة. أعيش الغربة داخل الوطن كالغربة خارجه. لم تعد السماء زرقاء صافية كما كانت، الهواء أصبح مشبعا بالدخان والهزيمة، نهر النيل أصبح حبيسا داخل مدينة من الأسمنت، ارتفعت الجدران السوداء وزحفت على كل شئ. لم تعد هناك شجرة واحدة خضراء ألمحها فى مجال الرؤية.

نافذتى عالية أطل منها على نهر النيل. كانت له رائحة جدتى وطفولتى. الطمى الأسود بلون بشرتى. كنت أسبح فى النيل مغمضة العينين. يدفعنى التيار الهادئ. يهبط نحو الشمال مع الأشرع البيضاء. وجناحات حمائم السلام. والطيور المهاجرة من الشمال أو من الجنوب، مع حركة الشمس والقمر.

فى مصر تنساب مياه النيل مع الأرض من الجنوب إلى البحر الابيض، وقد تعاكسها الرياح الشمالية تبطئ حركتها، تمشى بجوار الشاطئ مع حركة الحمير والجاموس، والأقدام الحافية بلون الأرض، يذهبون إلى الحقول عند الفجر، يعودون عن الغروب، بيوتهم من الطين المحروق بالشمس. وجوههم بلون اقدامهم وأكثر سمرة، ضامرة ممصوصة وأيديهم مشققة بالفأس.

تركت حى الجيزة الذى كنت أسكنه قبل أن أسافر إلى المنفى. قررت ألا أعود اليه. أركان شقتى فى الجيزة تعشش فيها ذكريات سوداء. سنوات المطاردة والحبس. وجوه رجال البوليس تطل من الباب. فوهات البنادق مصوبة ناحيتى. رائحة الخيانة أشمها فى كل ركن. تحت الابتسامات الناعمة المح آله القتل. تحت إسم الحماية يمشى البودى جارد خلفى ويده فوق المسدس.

عدت من المنفى منذ عامين إلى هذه الشقة الصغيرة فى حى قديم إسمه شبرا، يكتظ بالجوامع والكنائس، تبرز قبابها ومآذنها فوق أسطح البيوت الواطئة المتلاصقة، بحر أسود من الأسمنت بلا شجرة واحدة خضراء، يرتفع عند جبل المقطم ناحية الشرق تعلوه قلعة محمد على، قمم الأهرامات الثلاثة خوفو وخفرع ومنقرع تبرز من الضباب بلون الدخان ناحية الغرب، والنهر يمشى يشق طريقة بين الاسفلت، كالسهم الأبيض ينعكس عليه الضوء، يرتفع عند شبرا ليحتضن الجزيرة الصغيرة إسمها وراق العرب، ثم يمشى رغم محطة الكهرباء الضخمة إلى القناطر الخيرية، يجتازها رغم السدود، وشبح السجن الأسود بنوافذه الصغيرة المسدودة بالقضبان الحديد.

عيناى مشدودتان إلى الماضى بحكم الحنين، رغم الجرح الدفين يبدو الماضى أجمل من الحاضر، والنيل كما كان يمشى إلى الأمام لا ينظر إلى الخلف، ينقسم إلى الفرعين الكبيرين، دمياط ورشيد، كالأم تفرد ذراعيها وتحتضن دلتا النيل، تشبه المروحة أو الكف المفتوح الأصابع على البحر، صدرها مفتوح لتلقى الضربات من الغرب فوق منارة الإسكندرية، واحترقت بورسعيد من الشرق تحت قنابل بريطانيا وفرنسا واسرائيل، وأمريكا من وراء الستار، لم تكن مياه النيل تتقهقر إلى الوراء، تمشى فى طريقها، تفرغ شحنتها فى جوف البحر، تلقى فيه نفسها كالفتاة العذراء تفضل الموت غرقا عن أن يغتصبها الإله.

من نافذتى أطل على المدينة كلها، يسمونها القاهرة الكبرى، هى العاصمة منذ أكثر من ألف عام، عندها يختنق النيل بالدخان والجدران المسلحة، إنها القاهرة، تقهر أهلها منذ الفراعنة كما تقهر معبودها المقدس إله الفيضان، ترفع صيحاتها قبل الشروق عبر مكبرات الصوت المثبتة فوق المآذن، وأجراس الكنائس فى حى شبرا تتبارى مع أصوات الرجال يؤذنون للصلاة خمس مرات فى النهار، وفى الليل تعلو فوق التراتيل المقدسة طرقعة الصاجات فى حفلات الزفاف مع دقات الطبول والغناء والرقص.

فى طفولتى كنت أحب الغناء والرقص، وأجلس إلى جوار عمتى بهية، تتربع فوق الأرض الترابية، بين ساقيها تحتضن الطبلة، تنقر عليها باصابعها السمراء المشققة، ينطلق اللحن الراقص، والقدم تدق الارض مع الإيقاع، أقدام النساء كبيرة مثل قدم جدتى، بحجم قدم النبى المحفورة فوق الحجر الأسود، أقدام نساء يخرجن قبل الفجر حاملات الفئوس، يأكلن ما تزرعه أيديهن، يشربن من ماء النيل، جدتى أطولهن قامة، ورثت قامتها الفارعة عن أمها، لم تكن أجيرة عند أحد، زوجها مات قبل أن يسيطر عليها، العمدة كانت تقف أمامه مرفوعة الرأس، تشوح فى وجهه بيديها الكبيرتين المشققتين، وفى الليل تغنى مع النساء على إيقاع الطبلة: يا عزيز يا عزيز كبه تاخد الإنجليز.

فى الخامسة من عمرى سألتها "الإنجليز مين يا ستى الحاجة؟" تضحك حتى تدمع عيناها، تمسحها بطرف جلبابها الواسع، وتحكى حكاية الإنجليز حين دخلوا مصر وهى طفلة، تمد عنقها القوى العضلات وتشمخ بأنفاسها وتقول: كنت عيلة صغيرة ألعب مع العيال، سمعنا أن الإنجليز دخلوا مصر. رحنا للعمدة كان عددنا عشرين أو تلاتين وكلنا عيال صبيان وبنات، وسألنا العمدة عاوزين إيه يا عيال قلنا عاوزين نحارب الإنجليز يا عمدة، كان راجل كشر غلس وشه أحمر زى الإنجليز، شخط فينا وقال إمشوا على بيوتكم يا ولاد المركوبة، حسيت أن جتتى ولعت نار، يقول على أمى المركوبة، أمى اللى عمر ما حد ركبها حتى جوزها ماعرفش يركبها، رحت ما سكه طوبة وزقلاها فى عينه، طارت عينه الشمال، وأنا جريت على الدار ورايا العيال والغفر ورانا بالشوم، ضربوا العيال، فتحوا راس الواد عقلة الصباع، كان زى القرد، ياما فتحوا راسه وأمه تلطم وتقول مات لكن بعد يومين يقوم زى العفريت، وهو اللى فتن علىَّ وقال إنى أنا اللى رميت الطوبة فى عين العمدة، وأبويا كان يخاف من العمدة، وقال لازم البت نجوزها، ما فيش غير الجواز يشكمها ويا لا هوب مسكونى وجوزونى.

ورثت بشرة جدتى السمراء، والدماء فى جسدى تشدنى إليها، فى أعماقى عشق لقوة ملامحها، كأنما منحوتة فى الصخر، والنيل تسميه البحر، تنعكس عليه أشعة الشمس بلون الذهب السائل، أو الدم القانى المخلوط بالطمى، كانت جدتى جامحة كالنيل فى عصره الاول حين كان يفيض، ينحدر من منابعه العليا جموحا يجتاز الصخور والنتوءات الحجرية لا يجسر على ركوبه أحد، فاذا ترك الأرض العالية يفقد جموحه، يستطيع الناس الاقتراب منه، قد يضيق فلا يصبح سوى أذرع مسطحة، يجتازه الناس مع بهائمهم وسلالهم من الجريد المضفور أو القش المبروم، يبولون فيه دون جرح، يفقد إله الفيضان شموخه القديم، يمضى منحدرا إلى الوادى السهل، يبتلع فى جوفه قمامة الصعيد والدلتا، وعظام مفرغة من اللحم، جلود خراف مذبوحة ومسلوخة ثم منفوخة، يتعلق بها جسد فتاة صغيرة تسبح مع النهر جسدا إلى جسد، ترتج مع رجرجات الموجات كأنما فى رقصة النفس الاخير.

أتطلع إلى وجوه النساء أبحث عن وجه جدتى، قسمات وجهها كانت أكثر حده، قامتها أكثر طولا من هامات الرجال، رأسها فى السماء كالشجرة، عيناها سوداوتان بريقهما خاطف كالبرق، نظرتها ثاقبة كالسهم تفلق الكون نصفين، تنطلق الى الحقل كالشراع لا يوقفها شئ، وحيدة من غير حارس ولا زوج، وجهها ناحية الشمس رفيقها القمر فى الليل، وأشجار النخيل على ضفاف النيل.

القلم فى يدى يتحرك فوق الورق  كأنما بقوة لا إرادية، أريد التوقف عن الكتابة دون جدوى، انها الملاذ الوحيد اتمسك بها حتى النفس الأخير، لولا الكتابة لا ندثرت منذ نصف قرن وراح إسمى فى العدم كما راح إسم جدتى وأمى.

منذ طفولتى كنت أندهش كيف تروح السماء فى العدم، أتلفت حولى أبحث عن أحد مندهش غيرى فلا أجد، امامى فوق المكتب صورة فى الصفحة الاولى من جميع الصحف، كلمتان تحت الصورة، صاحب الجلالة، الملك أو الرئيس، أتلفت حولى وأندهش، كأنما الماضى يبعث حيا، ينهض من قبره الإله خادم فرعون، أو فرعون خادم الإله، وفى كل بلد أسافر اليه داخل الوطن العربى، أرى الصورة فوق الجدران، لا يكاد يخلو جدار من الصورة بالحجم الطبيعى، بالبدلة العسكرية، أو بدلة الصلاة، أو بدلة التشريفات، أو وشاح القضاء، أو الروب الجامعى، أو بدلة العمال أو الفلاحين إلا فئة النساء، لا يمكن للرجل ان يرتدى ملابسهن وأن تحدث باسمهن فى الانتخابات وحصل على أصواتهن.

فى رحلتى داخل الوطن العربى أتلفت حولى وأندهش أبحث عن أحد مندهش غيرى فلا أجد، وأسأل الناس فيضحكون، يحكى أحدهم فكاهة أو حكاية، كثيرة هى الحكايات عن الحكام العرب، يختلفون ويتفقون، يتخاصمون ويتصالحون، يتغير الحلفاء إلى أعداء، وينقلب الأعداء أصدقاء، يجتمعون فى حلقات هرمية يسمونها القمة، بعضهم يسلك الممشى المركزى ويطوف حول المحراب وصولا إلى البيت الابيض فى واشنطن. بعضهم يفضل الممشى الجانبى الأكثر ظلالا المفضى إلى الحظيرة حيث تحجز خراف الأضاحى، أما الخيول الجامحة فهى تحبس وراء القضبان، تسرح الغزلان والحملان فى أى مكان دون خوف، وفى مواسم الانتخابات تطوف بهم العربات البوكس، تجمعهم للإدلاء بأصواتهم وأصواتهن، تتراوح النتيجة ما بين 98.9%، 99.9% أو شيئا من هذا القبيل.

أهبط الأدوار الستة والعشرين لأمشى على شاطئ النيل، ساعة ونصف أمشيها كل صباح، عضلاتى قوية بشرتى مشدودة إلا من خطوط خافته تحت العينين، البريق الأسود داخل الننى يطل كأنما من بؤرة لم تكشف عن نفسها بعد، لم يبق أمامى إلا عامان وأبلغ السبعين من العمر، ياه سبعين سنة؟! الرقم يرن فى أذنى مهولا، مع ذلك تبدو طفولتى قريبة، تزداد قربا مع التقدم فى العمر، كأنما كنت بالأمس فى العاشرة، ذكريات الطفولة تعود أقوى مما كانت، وسنوات الشباب حين كنت فى العشرين أو الثلاثين تبدو الامس.

منذ أيام قليلة التقيت صدفة بصديقتى بطة (الدكتورة كاميليا). رأيت امرأة عجوزا تملأ وجهها التجاعيد، تتكئ على ذراع زوجها، لم أتعرف عليها، توقفت عن السير حين رأتنى وصاحت: نوال! مش معقول!

كانت بطة من أقرب الصديقات إلىَّ، تخرجنا معا من كلية الطب. رغم الاختلاف فى كل شئ كنا نلتقى. تمر السنوات دون أن أراها وفجأة يدق جرس التليفون فى بيتى وأسمع صوتها: ازيك يا نوال؟ أهلا يا بطة.

كان هناك شئ يجمع بينى وبين صديقتى بطة. التعود القديم أو الإدمان؟! تملأ حياتى الجادة بشئ من الاستهتار. إلى جوارها أحس بالنقاء. يحتاج النقاء لشىء من الفساد ليرى نفسه. يحتاج الإله إلى الشيطان ليكون له وجود ودور فى  الحياة. أو ربما كان الإله والشيطان داخل كيان واحد لا ينفصلان.

كانت بطة تحب الفن والسينما والرقص. لم تكن تطيق الحديث فى السياسة. لا تؤمن بهذه الكلمات الثلاثة الكبيرة: الوطنية. الاشتراكية. الإخلاص الزوجى. تطلق ضحكتها المتقطعة كالشهقات وتقول: إذا كان ربنا أباح للرجالة الخيانة الزوجية ليه إحنا نؤمن بالإخلاص؟ وإذا كان ربنا خلقنا درجات ليه نؤمن بالاشتراكية أو العدالة؟! لم تكن سامية توافق على ما تقوله بطة. تزم شفتيها الرفيعين وتصف بطة بالبرجوازية المنحلة. تشهق بطة بسخرية وتقول لسامية أنت شيوعية غارقة لأذنيك فى حب البرجوازية. ينسحب الدم من وجه صفية حين تسمع كلمة الشيوعية، كأنما تسمع عن مرض أو وباء، كلمة البرجوازية أيضا كانت تغضبها، تهمس فى أذنى، بطة وسامية زى القط والفار لازم يتناقروا، يالابينا يا نوال نلعب ماتش تنس!

كانت صفية أقرب الصديقات إلىَّ. أن غابت عنى الصديقات هى لا تغيب. تزورنى فى بيتى من حين إلى حين. أراها من النافذة وهى تركن سيارتها الفيات الزرقاء، فى شارع جانبى صغير متفرع من شارعنا فى الجيزة، فى مواجهة سور حديقة الحيوان، منذ بدأ السادات عصر الانفتاح غرقت الشوارع تحت فيضان من السيارات المستوردة، أصبحنا نستورد كل شئ حتى الخبز وعصير البرتقال، ومن كاليفورنيا أخيرا جاء الفول المدمس فى العلب.

اختفت الشجرة أمام بيتى وارتفعت الجدران، حجبت الشمس والهواء، لم أعد ارى الشارع الجانبى الصغير حيث تركن صفية سيارتها، أمام محل البقالة، أتابعها بعينى وأنا واقفة فى النافذة بالدور الخامس، يبدو الشارع العريض مسدودا بالسيارات، تلتصق السيارة بالسيارة بجوار الرصيف وفوق الرصيف، لا يبقى إلا ممر ضيق لا يسمح بمرور المشاة، أتابع صفية وهى تشق لنفسها طريقا بين السيارات، رأسها مطرق إلى الأرض قليلا، وفى كلية الطب كانت تتهيب الدخول إلى المدرج الملىء بالطلبة، تختفى ورائى حين ندخل من الباب، تتعثر خطواتها قليلا حين ترمقها العيون، تكاد تجرى لتلحق بى وأنا امشى بخطواتى الواسعة السريعة، أواجه عيونهم أرد إليهم سهامهم، صفية تطرق إلى الأرض، لا تريد النظر إلى هذه العيون المحملقة، تمد ذراعها وتمسك ذراعى، تتشبث بيدى كالطفلة تمسك يد أمها.

قالت صفية، مبروك يا نوال روايتك الأخيرة، أنا أحسدك لا أعرف من أين تأتيك الشجاعة؟ ألا تخافين ألسنة الناس؟ تنهش سمعتك يا نوال، ألا تسمعين ما يقولون؟ ليس عندى وقت يا صفية لسماع ما يقوله الناس، إسمعى هذه القصة القصيرة، إنتهيت منها الآن فقط.

تراجعت صفية إلى الوراء فوق الكنبة فى الصالة الصغيرة، فوق المنضدة زجاجة بيرة ستلا مثلجة، صحون صغيرة بها قطع جبنة بيضاء، خيار، طماطم، زيتون أخضر وأسود.

تنهدت قبل أن تمسك زجاجة البيرة، مسحت بمنديلها قطرات عرق فوق جبينها، لم يكن العرق يظهر فوق جبينها مهما جرت، كنا نلعب التنس ولم يكن العرق يظهر، شئ ما يحدث فى حياة صفية، يظهر رغم إرادتها على شكل قطرات العرق، رعشة خفيفة لأصابعها البيضاء وهى تمسك زجاجة البيرة، تصبها فى الكوب بحذر حتى لا تفور الرغوة، قطرات ماء تتكثف على جدار الكوب الزجاجى. تنتشى قليلا، يعود البريق إلى عينيها الخضراوتين الناعستين قليلا، الشمس اختفت تقريبا، لم اعد ارى الشمس من نافذتى، إلا شعاع طويل رفيع يتسرب عند الغروب مائلا بين الجدران العالية، أبواق السيارات تزعق فى الشارع، لا أكاد أسمع صوت صفية وهى تحكى عما حدث لها بالأمس، أغلق النافذة بالزجاج والشيش، مع ذلك يصلنا صوت الأبواق تصرخ، أصوات الرجال تزعق فوق مآذن الجوامع من خلال الميكروفونات، طرقعات جارتى بالقبقاب فوق بلاط غرفتها المجاورة، الرجل فى الشقة الأخرى يؤدب زوجته بالصفعات والشتائم، رياح وعواصف رملية تهب من الصحراء، صفافير سيارات البوليس والإسعاف والنجدة، ما سورة المجارى مكسورة فى الشارع المجاور، طبيخ بايت يغلى تتصاعد رائحته من المنور، أصوات قطط تتنافس حول صفائح القمامة، مقلوبة أو مفتوحة بدون غطاء، بائع الروبابيكيا ينادى، وبائع الصحف يزعق: أهرام! أخبار! السادات يزور اسرائيل! أهرام! أخبار! جمهورية!

أفرغت صفية كوب البيرة المثلج فى جوفها، أسندت رأسها إلى الوراء فوق المسند، ثم ضحكت، جاءه الله فى المنام وقال له قم وانهض وسافر إلى إسرائيل! شوفى الراجل المجنون يا نوال! معقول ربنا يقوله فى الحلم روح إسرائيل؟ هو فاكر نفسه سيدنا محمد وبيعمل رحلة الإسراء والمعراج؟ لكن العيب مش عليه، العيب على اللى حواليه، كلهم منافقين وكدابين زى الدكتور المحترم جوزى.

-        المناخ العام الفاسد يا صفية يشجع الناس على الفساد.

-        أيوه، لكن جوزى مصطفى طول عمره فاسد، عارفة البنت إياها اللى كان ماشى معها؟

-        البنت انهيه يا صفية؟

-        اللى حكيت لك عنها قبل كده.

كنت أنسى هذه الحكايات عن الخيانات الزوجية، ما أكثر هذه الحكايات التى سمعتها من الصديقات، ومن النساء اللائى يترددن على عيادتى أو بيتى، تشبعت ذاكرتى بهذه الحكايات فلم أعد أسمعها، وهى قصص متشابهة إلى حد كبير، الرجل الذى يخون زوجته فى السر، تكشف الزوجة الخيانة، الصدمة والغضب والرغبة فى الانتقام، تظل الرغبة مكتومة فى صدر المرأة، تعجز عن الإنتقام، تخاف من الإنتقام، أكثر ما يخيفها غضب زوجها أو غضب الله، تخشى الطلاق أكثر مما تخشى نار الآخرة، أكثر ما تخشاه أن تتحول العشيقة السرية إلى زوجة ثانية، وكم من زوج أقدم على الزواج من عشيقته كنوع من العقاب لزوجته التى كشفت السر، وقد منحه الله والقانون حق الزواج بأربعة نساء.

أصبحت صفية تتردد على طبيب نفسى إسمه الدكتور عبد القادر، كان زميلا لنا فى كلية الطب، منذ الصدمة الأولى حين عرفت لأول مرة أن زوجها يخونها ذهبت إلى الدكتور عبد القادر، كان يكتب لها بعض الأدوية المهدئة للأعصاب، يتابع حالتها منذ خمس سنوات، تشعر بشىء من الراحة حين تتحدث معه، يكن لها نوعا من الإعجاب أو الحب منذ أيام الدراسة، أراد أن يقيم معها علاقة، ترددت صفية وامتنعت ربما بسبب الخوف، لكن الدكتور عبد القادر كان يرى أن صفية مريضة بالوفاء الزوجى، يقول لها الوفاء مرض نفسى عند كل الزوجات مثل الوفاء عند الكلاب، يعطيه إسما علميا فى الطب النفسى، ويحكى لها قصة الكلب الوفى.

حكت لى صفية القصة كما حكاها لها الدكتور عبد القادر: اشترى الشاب الأعمى كلبا صغيرا بخمسة وعشرين قرشا ليقوده فى الطريق. ظل الكلب مع سيده خمس سنوات. شفى الشاب وعاد إليه بصره. حاول أن يستغنى عن الكلب لكن الكلب رفض أن يفارق سيده. كان للكلب دور هام فى حياة سيده الأعمى. أصبح الكلب هو عيناه يرى بهما بدلا من عينيه المريضتين. أحب الكلب هذا الدور فى حياة سيده. أحب سيده وأخلص له كل الإخلاص. أصبح إحساسه بحاجة سيده إليه هو الحب فى نظر الكلب. وهو القانون الذى يحكم علاقة الكلاب بأسيادها ويجعلها أوفياء لهم. لكن السيد شفى ولم يعد بحاجة إلى الكلب. كيف يتحمل الكلب هذا الموقف الجديد عليه؟ إنه يرفض التنازل عن الدور الذى كان يؤديه لسيده. دوره الوحيد فى الحياة ولا دور غيره. أصبح وجود الكلب يعتمد على وجود سيده. لم يعد هناك كلب له ذات مستقلة عن ذات سيده، لم يعد هناك "أنا وأنت" أصبح "أنت" فقط، ذابت شخصية الكلب فى شخصية سيده، كالزوجة التى تذوب شخصيتها فى شخصية زوجها. إزاء هذا التفانى وهذه التضحية وافق السيد على رغبة الكلب ولم يطرده من بيته كما تطرد المرأة المطلقة. ثم مات السيد، توقف الكلب عن الأكل، ارتدى الحداد ومات حزنا على سيده كالأرملة التى تموت بموت زوجها. هذا الإخلاص والوفاء يسميه الدكتور عبد القادر "الوفاء الكلابى"، وثمن شراء الكلب خمسة وعشرين قرشا، مثل الحد الأدنى للمهر فى عقد الزواج.

كفت صفية عن الحديث، وامتلأت عيناها بالدموع وهى تردد لنفسها بصوت مشروخ: وفاء كلابى‌‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

كان ذلك فى نهاية عام 1978، وكان شريف قد أمضى أربعة سنوات بعيدا فى الهند، الرسائل بيننا متصلة، تنقطع أحيانا لانشغاله فى العمل، أو لانشغالى فى عملى، ومسئولية البيت والإبنة والإبن، وفى الليل أجلس الى أوراقى أكتب روايتى الجديدة، ومقاومة حرب الإشاعات التى أطلقها أعوان السادات ضدى، وضد كل من عارض سياسة الانفتاح، أى فتح أسواق مصر للبضائع الأجنبية دون ضوابط، تدمير الإنتاج والصناعات المصرية، تكميم الأفواه واستيلاء موظفى الحكومة على الصحف والإعلام ودور النشر، بدأ نقاد الادب المعنيون فى المؤسسات الصحفية الهجوم على أعمالى الأدبية، بدأت الصحف الإسلامية الحكومية الجديدة تشوه صورتى، ترسمنى على شكل الشيطان، الذى يحارب الإسلام ويتمرد على القيم والآداب العامة.

وجدت نفسى معزولة داخل البيت، هرب الأصدقاء والصديقات، انضم بعضهم الى حزب الحكومة، البعض الآخر الى حزب الإخوان المسلمين، وأحزاب المعارضة يسار ويمين، كان السادات قد أصدر قراره بانشاء الأحزاب، واختيار أعضائها ورؤسائها. أصبحت هذه المعارضة الشرعية بديلا للمعارضة الشعبية الحقيقية.

شعرت بالاختناق والغربة، أغرقت نفسى فى العمل والكتابة، امتنعت دور النشر فى مصر عن نشر أعمالى. أرسلتها الى دور النشر فى لبنان، اخترقت الحصار المفروض علىَّ، انتشرت كتبى فى البلاد العربية،  بدأت الرسائل تصلنى من المغرب والمشرق، القراء والقارئات العربيات، أصبحت هذه الرسائل تشجعنى على الاستمرار فى الكتابة، اختفى إسمى من القائمة الرسمية للأديبات فى مصر، تم طردى من لجنة القصة فى المجلس الأعلى للفنون والآداب، أصبح نقاد الأدب يتبارون فى الهجوم على أعمالى وكتاباتى، يقولون أنها لا تنتمى الى الأدب، أنها مجرد بحوث طبية أو اجتماعية، أنها تسئ الى المجتمع، تشوه صورة الوطن والدين، تدعو الى الفوضى والإباحية، ترفض القيم الاصلية والتراث المجيد.

ظهر على سطح الحياة الادبية نساء موظفات مواليات للنظام الحاكم، يضعن الحجاب على عقولهن، تملك كل منهن عمودا فى جريدة حكومية كبرى، أو صفحة كاملة تعرض فيها الأزياء والمكياج، تحولت الصحفيات فجأة الى أديبات، يحملن لقب مبدعة أو كاتبة كبيرة كالحلية تتدلى من الأذنين، وفصوص الماس تلتف حول العنق، والتيربون الأنيق يغطى الشعر إلا خصلة أمامية تتدلى فوق الجبين، والروج الأحمر القانى بلون الشفتين، والبشرة المشدودة بالعملية الجراحية فى نيويورك أو باريس أو لندن، والمساحيق تغطى ما قد يظهر من تجاعيد، والعبارات الإنشائية الضخمة عن الخصوصية والهوية الإسلامية.

لم يكن لى مكان داخل هذا الصخب. جاءتنى فرصة للعمل خارج مصر بالأمم المتحدة. سافرت الى آديس أبابا بالحبشة عام 1978، والى بيروت بلبنان عام 1979. قدمت استقالتى فى نهاية عام 1980 وعدت الى مصر. أدركت أن الأمم المتحدة لا يختلف نظامها عن الحكومة المصرية وغيرها من الحكومات. الداخل اليها مفقود والخارج مولود. النظام الطبقى الأبوى تسيطر فيه القوة على الحق. تسيطر الأموال على الفكر والإبداع. يسيطر الرئيس على المرؤوسين والمرؤوسات، خاصة الصغيرات السن، الرقيقات الناعمات المعطرات، الناعسات العيون المسدلات الجنون، يخفق قلب الواحدة منهن للحب، فى المؤتمر الدولى على جبال سويسرا فى الصيف، أو فى الشتاء تحت أشعة الشمس الاستوائية فى سرىلانكا أو الهند، وفى الربيع يعقد المؤتمر فى جنوب أوربا أو شمال افريقيا، وما يسمى حوض البحر الابيض المتوسط، على ساحل الريفيرا يعقد المؤتمر الدولى لمناقشة مشاكل الفقر والجوع فى العالم، أو مشاكل ختان الاناث وحوادث الاغتصاب. يتبارى خبراء الأمم المتحدة فى القاء الخطب عن الجنس أو الاقتصاد، وفى الليل يتبارون على الرقص مع الخبيرات الشابات، ينجذب الخبير العجوز الأبيض الى العذراوات السمراوات فى إفريقيا، وينجذب الخبير الإفريقى الأسود الى الشقراء البيضاء من الشمال.

كنت أقاطع هذه الحفلات، يكتب رئيس الادارة تقريرا ضدى، يقول لى أن حضور الحفلات جزء من العمل بالأمم المتحدة، والرقص مع الرئيس نوع من المجاملة الرقيقة لا يخرج عن واجبات الموظفة الدولية، بدأ النزاع يدب بينى وبين الرؤساء الأفارقة السود والرجال البيض على حد سواء. حاول أحدهم أن يغازلنى، كان يشبه الدب الابيض، يصعد الدم الأحمر الى وجهه حين يرانى، أستاذ بجامعة بنسلفانيا فى الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يلتحق بالأمم المتحدة، أصبح يحمل لقب كبير الخبراء فى اللجنة الاقتصادية الافريقية، لم يكن يعرف شيئا من مشاكل إفريقيا الاقتصادية، يقبض راتبا من الأمم المتحدة يصل الى ثلاثين ضعف من راتبه فى جامعة بنسلفانيا، وراتبا آخر من البنك الدولى تحت لقب مستشار، كان ينادينى بإسمى الأول، وأناديه باسمه الأول، المساواة التقليدية الشكلية داخل الامم المتحدة، للتغطية على عدم المساواة بين الأفراد والدول.

-        جاية الحفلة الليلة يا نوال؟

-        لأ يا رولاند.

-        ليه يا نوال؟

-        عندى شغل.

-        شغل إيه؟

-        رواية جديدة يا رولاند.

-        لازم تاخدى أجازة شوية.

لم يكن رولاند ذكيا، أغلب الرؤساء أغبياء، تعمى السلطة عيونهم عن رؤية الحقيقة الواضحة كالشمس. عيناى مثل كتاب مفتوح يقرأه الجميع من حولنا. إننى لا اطيق رؤية رولاند أثناœ