|
تجربــة جديــدة فــي مسيرة اليسار المصري
شريف حتاتة
يوم الثلاثاء 17 أكتوبر الماضي تم الإعلان عن تأسيس "التحالف الاشتراكي" أثناء حفل
إفطار حضره ما يزيد عن مائتين من الرجال والنساء الأعضاء فى أحزاب سياسية ، أو في
منظمات القطاع المدني ، أو من الشخصيات العامة والصحفيين .
و"التحالف الاشتراكي" صيغة تستهدف توحيد جهود التيارات والمنظمات اليسارية المختلفة
، بالإضافة إلى قطاعات من اليساريين المستقلين بحيث يصبح اليسار قويا قادرا على
القيام بدور أكثر فعالية في تحقيق التطور الديمقراطي السياسي والاقتصادي والاجتماعي
الذي يستجيب لمصالح ورغبات أغلبية المواطنين والمواطنات في مصر . تطورا يستطيع أن
يخرج البلاد تدريجيا من الأزمة الطاحنة التي تعانى منها جماهير الشعب ، ويفتح
أمامها طريقا آخر غير الخضوع لسياسات التبعية للأجنبي ، والاستغلال الرأسمالي ،
والاستبداد والفساد التي ينفذها نظام الحكم الحالي ، أو الخضوع لحكم التيارات
الدينية والدولة الدينية التي لن تغير من الأوضاع الحالية شيئا ، بل ستضيف قهرا
مضاعفا للقهر الذي يعيشه الناس في بلادنا .
وأنا جالس مع المدعوين في الصالة الكبيرة لنقابة الصحفيين مرت في ذهني التجارب
المختلفة التي عشتها في صفوف اليسار منذ أن انضممت إليه سنة 1945 وأنا طالب في كلية
الطب . فاليسار رغم الهزائم ، والتراجعات التي منى بها ، ظل تيارا مؤثرا جيلا بعد
جيل . تيارا يعبر عن الرغبة العميقة الموجودة في أعماق كل إنسان لأن تسود المساواة
، وينقضي الظلم . لأن تسود الحرية وينقضي القهر . لأن يسود السلام المبني على العدل
، وتنقضي الحرب . تيار يعبر عن التطلع إلى التغيير ، إلى الجديد ، إلى المستقبل .
تيار فيه حيوية تجعله قادرا على تجاوز الهزائم ، والاستمرار في النضال ليظل جزءا لا
يتجزأ من النسيج الوطني التقدمي للحياة المصرية .
ساهمت مع غيري من الزملاء والزميلات في أغلب مراحل العمل لإقامة هذا التحالف الذي
يضم سبعة أحزاب ومنظمات مختلفة وثمانية شخصيات يسارية مستقلة . لم تكن مهمة سهلة
فالخلافات ، والعادات القديمة لم تنته بعد ، لكن هناك روح جديدة لم أشهدها من قبل .
ولدتها الصيغة التي اهتدينا إليها ، وهى صيغة مبنية على التوافق ، على عدم الإقدام
على أي خطوة لا يقرها طرف من الأطراف . أسلوب ديمقراطي فيه مشقة لكنه يعطي للجميع
الحرية في إبداء الرأي ، ويقود إلى المرونة ، وإلى جو من الارتياح . كما أنه يفتح
الباب لانضمام العناصر اليسارية المستقلة الكثيرة التي لم تجد لنفسها مكانا في
الأحزاب والتنظيمات القائمة .
مع ذلك فالتحالف الاشتراكي الناشئ يواجه تحديات كثيرة . فهو ما زال تنظيما فوقيا
إلى حد كبير ارتباطاته بالحركات الاجتماعية المختلفة ، وجماهير الشعب ضعيفة . وفى
هذا المجال عليه أن يجتذب اليسار المستقل ، والشباب ، والنساء الذين مازالوا بعيدين
عنه . عليه أن يبلور برنامجا للعمل من أجل مطالب ، ومصالح فئات الشعب المختلفة من
خلال المشاركة في المعارك الديمقراطية والاجتماعية الجارية الآن . عليه أن يوسع
دائرة التعاون والحوار مع القوى الديمقراطية الأخرى في المجتمع . عليه أن يقيم
بناءه المؤسسي والإداري وأن يتوسع لا مركزيا خارج القاهرة . عليه أن يحدد علاقته
بالتحركات الديمقراطية المناهضة للعولمة والاستعمار الجديد التي تتم في مختلف أنحاء
العالم . عليه أن يقيم جهازه الإعلامي في عصر أصبح فيه الإعلام وسيلة الاتصال مع
ملايين الناس . وعليه أن يتغلب على بقية التحفظات والنظرة الانعزالية المحدودة
للأمور بين بعض عناصره ، وأن يدعم الثقة والصراحة المتبادلة . أن يقدم نموذجا جديدا
للأخلاقيات في التعامل السياسي والاجتماعي في مرحلة سادت فيها أخلاقيات الفساد ،
والانتهازية ، والتآمر ، والنفاق .
مع ذلك كله يوم أن وقفت لألقي كلمة قصيرة في الاحتفال درت بعيني على الحاضرين ، على
وجوه تغير فيها شيء ، على إشراق جديد ، وحماس . فترى هل أنا واهم أم أننا سننجح في
القبض على هذه التجربة بكل ما لدينا من قوة وإصرار لنتقدم بها نحو آفاق جديدة في
النضال ؟
|