spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

مركز الأردن الجديد للدراسات

 الطريق "الثالث" ومفاهيم التفكير السـياسـي

الجديد في أوروبا والعالم العربي

عمان – الأردن     29-30 مارس 2001

    اليسـار في مصر إلى أين؟

                            د. شـريف حتاته

 

اليسار فى مصر الى أين

1)                    مقدمة :

عندما اقترح علي الصديق عبد الغفار شكران يرشح اسمي لحضور ورشة العمل التي ينظمها مركز الأردن الجديد للدراسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ايبرت عن "الطريق الثالث" رحبت بهذه الفكرة لعدة أسباب. أولاً لأنني رغم أن جهودي الأساسية في السنين الأخيرة تركزت على تأليف الروايات ، وكتب الرحلات ، وسيرة ذاتية من ثلاثة أجزاء فإنني لم أفقد اهتمامي بالنشاط العام ، وعلى الأخص بالحركة اليسارية التي ارتبطت بها في سنة 1945 إي منذ أكثر من نصف قرن. واستمر هذا الارتباط رغم الضربات التي أصابتها ،ورغم الوهن الشديد الذي تعاني منه الآن. فمازلت أرى أن الطريق الاشتراكى مهما طال هو الأمل الذي يجب أن أسعى في سبيله على قدر إمكاني مع غيري من الناس. وأن الكتابة يصاحبها الاشتراك فى عمل جماعى تعكس أكثر من غيرها واقع ، ونبض الحياة.

السبب الثاني كثيرا ما أدعى لحضور مؤتمرات في أوروبا ، وأمريكا ، ولكني لا ادعى إلا نادرا لحضور مؤتمرات في البلاد العربية. بينما العمل العربي في هذه المرحلة أصبحت له أهميه قصوى لمواجهة الوضع المتدني في المنطقة العربية.

السبب الثالث هو أنني مهتم منذ مدة طويلة بالفكر الجديد في الحركة السياسية والثقافية عامة وعلى الأخص في الحركة اليسارية بشكل عام. وقد صدر لي كتاب صغير بعنوان "حركة تجديد في الفكر الماركسي" نشرته دار الطليعة البيروتية سنة 1980 أي منذ عشرين عاماً لم يلتفت إليه أحد تقريباً في ذلك الوقت لأنه صدر قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بأحد عشرة عاما.

          لذلك كله أنا سعيد بوجودي هنا في عمان وعلى الأخص في هذه الأيام التي يجب أن تشهد صحوة في التضامن العربي إذا كنا سنواجه المخاطر الاقتصادية ، والسياسية ، والقومية التي تهدد منطقتنا بقدر اكبر من الفعالية.

 

2)                     حركة تحرير الزباتستة :

منذ أسبوعين تقريباً ، أي في صباح الأحد 11 مارس وصل الزحف الشعبي الذي قاده نائب الكومندان ماركوس وثلاثة وعشرون من رفاقه الملثمين إلي "مكسيكو سيتي" عاصمة المكسيك ، واحتل أكثر من مليون شخص الميدان الرئيسي ليستمعوا إليه وهو يلقي خطابه. بدأ هذا الزحف من غابة "لاكوندون" في منطقة "تشياباس" على بعد ثلاثة آلاف كيلو متر من العاصمة ميكسكو سيتي. ومنطقة تشياباس يسكنها ثلاثة ملايين من الهنود أي من السكان الأصليين للمكسيك الذين عاشوا فيها منذ آلاف السنين وقبل أن تأتي الغزوات الاستعمارية في القرن السادس عشر. والهنود يمثلون 10% من مجموع سكان المكسيك. وهم يعانون أقصى درجات الفقر والحرمان. إنهم شعب مهمش لا حقوق له في الوطن. لكن منذ سنة 1994 انطلقت الحركة التي يقودها "ماركوس" واسمها "حركة تحرير الزباتستة" (نسبة إلي قائد الثورة الفلاحية  "زباتا" الذي قُتل سنة 1912) ، وفرضت نفسها على ساحة الصراع الاجتماعى ، والسياسى.

          وربما تتساءلون ما صلة هذا الموضوع بالورقة المطلوبة مني ، والتي من المفروض أن أعالج فيها "واقع اليسار في مصر واحتمالات المستقبل". مع ذلك عندما تتبعت ما يقوله ويكتبه ماركوس عن " حركة تحرير الزباتستة "وجدت فيه أشياء ربما يكون من المهم أن نلتفت إليها. يقول ماركوس إن عصر الكفاح المسلح الذي شهدته أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين انتهى بعد سقوط جدار برلين ، وانهيار الاتحاد السوفيتي.  (الزباتستة لم يخوضوا سوى معركة مسلحة واحدة سنة 1994) ولابد من الاعتماد على العمل الديموقراطي السلمي على أوسع نطاق. وهو يؤكد التاريخ الطويل ، والتراث العريق للشعب الهندي في المكسيك ، فهو شعب له حضارة قديمة مثل قدماء المصرين ، والسومريين ، وغيرهم. لكنه يربط بين هذه الحركة الثقافية الأصلية ، بين القومية الهندية ، وبين الحركة العالمية ضد العولمة الرأسمالية. ففى رأيه أن العولمة الرأسمالية تؤدي إلي إفقار وتهميش آلاف الملايين من الناس في كل أنحاء العالم ، ومن بينهم هنود المكسيك. وأنه لا سبيل الى حل مشاكل هذه الشعوب إلا بخلق قوة شعبية عالمية ، أي عولمة شعبية لصالح الشعوب ضد العولمة الرأسمالية التي تخدم مصالح قلة من الأفراد ، والشركات المتعدية للأوطان وقلة من الدول الصناعية الكبيرة.

      حركة الهنود في المكسيك رغم طابعها المحلي نجحت في أن تتعدى حدود الوطن لتصبح جزءاً من حركة ديموقراطية عالمية. فالقرارات الأساسية التي تؤثر على مصير الشعوب ، ومنها الشعب الهندي في المكسيك لم تعد تأخذها الحكومات الوطنية ، وإنما القوى الدولية الممثلة في الشركات المتعددة الجنسية ، والبنك الدولي ، ومنظمة التجارة العالمية ، والاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى. إن مصير هنود المكسيك مرتبط بقرارات المنطقة الحرة بين أمريكا ، وكندا ، والمكسيك التي هي جزء لا يتجزأ من العولمة الرأسمالية. ومن هنا حرص حركة الزباتستة أن تربط بين حركة الهنود في التشياباس وبين الحركة الديموقراطية العامة في البلاد. ثم أن تربط بين الحركة الديموقراطية المحلية في المكسيك ، والحركة الديموقراطية العالمية للشعوب ضد العولمة. أن تؤكد الطابع المتقدم والتراث الهندي المحلي وفي الوقت نفسه تربط بينه وبين أممية جديدة ضد كل أنواع التفرقة على أساس الطبقة ، أو العرق ، أو الدين ، أو اللون ، أو الجنس. أن تبرز الطابع الإنساني الديموقراطي لحركة تحرير الزباتستة.

      من هنا أيضا يجىء اهتمام هذه الحركة المعبرة عن مجموعة بشرية من أفقر الفقراء بأحدث أنواع التكنولوجية الإعلامية ، ونجاحها في خلق شبكة واسعة من الاتصال ، والعلاقات داخل المكسيك ، ومع الحركات الشعبية في العالم عن طريق الاستخدام المكثف للانترنيت.

مثل هذه التطورات ، وتطورات أخرى نشهدها في العالم وفي المنطقة العربية لابد أن تؤثر في نظرتنا للأمور. وفيما يتعلق بي فحاولت أن أتابعها على قدر الإمكان لأنها يمكن أن تلقى الضوء على بعض المشاكل التي نواجهها في تدعيم النشاط الشعبي الديموقراطي في بلادنا ، وعلى الأزمة التي تحيط بحركة اليسار المصري ، والعربي.

لكن هذه الورقة لن تخرج عن طرح بعض الأفكار والتأملات حول وضع اليسار في مصر. وفي حدود ما أستطعت أن أكتبه فى المهلة القصيرة التى أتيحت لى لا بد أن تشوبها بعض التبسيطات التي تنال من عمق التفكير المطروح. ولكن ليس بيدي أنا على الأقل الحيلة. فهذا هو ما استطعت أن أقدمه في ورقة هي حصيلة جهد فردي سريع.

 

هل اليسار في مصر يحتضر ؟

          الفكر اليساري في مصر مازال يؤثر في الساحة السياسية والفكرية فهو امتداد لمعارك سابقة ، وللصراعات الاجتماعية المعاصرة يغذيها جنوح الناس بطبيعتهم إلى العدالة ، والحرية مهما انتشرت عمليات تزييف الوعي. وهذا الفكر له ظلال وإمتدادات في كل مكان داخل جهاز الدولة ، والمؤسسات وخارجها. وهو يظل ذخيرة لتطور يساري في المستقبل  ، وقوة حية مؤثرة لن تموت. لكنى هنا أتحدث عن التيار اليساري المنظم.

          إذا نظرنا إلى الخريطة السياسية في مصر ، نجد أن القوة المؤثرة في الساحة السياسية مكونة من قطبين أساسيين مكملين لبعضهما. القطب الأول هو القوى المناصرة للنيوليبرالية في الدولة. وخارجها والتي تجد تجسيدها الاقتصادي أساسا في الرأسمالية الطفيلية ومن يتعاون معها ،تلك الرأسمالية التي تقوم بدور الوكيل للشركات المتعددة الجنسية ، والتي تدعم نفوذها السياسي بالزحف المطرد على جهاز الدولة ، والبرلمان والأحزاب ، والإعلام ، وكافة أوجه العمل والنشاط. إنها تتحرك تحت لافتات فكرية مختلفة مثل الحرية أو التحرير ، أو الجهد الفردى ، أو الحداثة ، أو مابعد الحداثة ، أو التنوير أو حتى الدين. الليبرالية بشكلها التقليدي المرتبط بالبورجوازية الوطنية ضعفت الى درجة بعيدة وتلعب دور المساعد للنيوليبرالية لأنها لم تعد تمثل قوة ذات وزن إلا في فترات التحرك الثوري.

          القطب الثاني هو التيار الذي يستند إلى الدين في السياسة بشكل أساسى والذي يسميه البعض خطأ "الإسلام السياسي". وهو قوة ذات وزن جماهيري ، قامت بتطوير أساليبها لتتلاءم مع التعددية الحزبية ، ونظام الانتخابات ومجالس الشعب جماهير هذه الحركة يمثلون باتجاهاتهم المختلفة قوة احتجاج ضد فساد الأوضاع التي تعاني منها لكنها في أغلبها قوة احتجاج إلى الخلف ، أو سلفية بسبب غياب أو ضعف القوة الديمقراطية في المجتمع. أما قيادتها فهي تشكل في الأغلب فيلقاً من فيالق النيوليبرالية. فعلاقاتها بالرأسمالية العالمية قوية ، ومتداخلة على النطاق المحلي ، والإقليمي والدولي لكنها تصارع لكي تصل إلى السلطة وتحل محل الأجنحة الأكثر علمانية نسبياً وإن كانت تلجأ إلى استخدام الدين "الرسمي" لتثبيت أركانها في الحكم.

          التيار السلفي إلى جانب تركيزه على استخدام الدين يرتدى أثواب فكرية أخرى تظهر في الاتجاهات القومية ، أو التراثية ، أو الثقافية المتعصبة (الهوية). التي هي في كثير من الأحيان بمثابة رد فعل للعولمة الاقتصادية والثقافية. إنه يعارض العولمة ثقافياً أو في بعض المعارك السياسية ( فلسطين ، والقدس مثلا ). ولكنه جزء لا يتجزأ من العولمة من الناحية الاقتصادية كما أنه يقوم بالفصل بين الاقتصاد والثقافة مثلما يفعل الفكر ما بعد الحداثى. إنه القطب الآخر للعولمة المكمل لها والذي يخدم أغراضها عن طريق التعصب ، والطائفية ، وتفتيت الجبهات الشعبية وبث التخلف والسلفية وإخفاء الطابع الاقتصادي المفترس للعولمة الرأسمالية.

          بين هذين التيارين المتحالفين المتصارعين ، يوجد تيار وطني ديمقراطي. واليسار جزء منه. لكن هذا التيار ضعيف وممزق ،ولا يظهر كقوة مستقلة في ساحة الصراع السياسي والثقافي في مصر إلا على استحياء شديد فقد تم استقطاب أغلب ممثليه الذين انضموا إلى قطب من القطبين الأساسيين : ( النيوليبدالي " التنويري " أو العلماني " نسبياً " ، و القطب النيوليبدالي " السلفي " ).

          اليسار يحتضر تحت ضغط هذين القطبين لأسباب تتعلق بالوضع العالمي ،والإقليمي،

والمحلي ولأسباب ذاتية في تكوينه. أغلب الذين يمثلونه أصبحوا هم أيضا في خدمة قطب من القطبين المهيمنين على الساحة السياسية حتى ان ارتدوا مسوح المعارضة. فهم يعملون تحت سيطرة الحكم.

          لا مجال هنا لتحليل الأسباب العامة التى أدت الى هذا الوضع لكني سأحاول ان أتناول  بسرعة بعض الأسباب الذاتية المتعلقة بالقصور الفكري الذي يعاني منه اليسار في مصر.

 

اليسار ما يزال يفكر بعقلية الأربعينيات من القرن الماضى.

          عجز اليسار ان يطور فكره مع التحولات العالمية ،والمحلية ،في الوطن العربي وفي مصر. مازال يفكر ويعمل كما كان يفكر ويعمل عندما كنت عضواً في الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني منذ أكثر من نصف قرن. حدث بعض التقدم الجزئي الضئيل لكن الأساسيات ظلت كما هي.

 

(1) قضية الديمقراطية

          فى رأيى انقضى عصر العمل السري على الأقل في مصر. لذلك كان يجب ان يجنح العمل اليساري إلى العلانية. التنظيمات اليسارية السرية لم يعد لها وزن ، ربما تقوم بخدمة أغراض بعض المسئولين عنها كما أنها بلا شك مخترقة من أجهزة الأمن ، يبقى عليها في الحدود التي يريدها ، ويحركهاً حسب أغراضه. مع ذلك تظل المؤسسات أو الأحزاب اليسارية العلنية متأثرة بفكرها وقضية السرية في النشاط مرتبطة بقضية أوسع وأهم هي قضية الديمقراطية. السلطة والمال ،والقوى العسكرية ،والأمنية عالمياً ومحلياً أصبحت بين أيدي أقلية متحكمة عن طريق العولمة وإمتداداتها ولا يمكن أضعاف قبضتها ،وإجراء التحولات الديمقراطية المطلوبة عالمياً ومحلياً إلا بحركة ديمقراطية جماهيرية واسعة لا تستثني أي فكر، أو تيار ،أو قوة ، يمكن ان تتحرك في اتجاه التقدم وتساهم في التغيير. يشمل هذا كل القوى الشعبية بما فيها جماهير الحركات الدينية السلفية ،وهذا يتطلب التخلص من الجمود الفكري والتنظيمي اللاديمقراطي الذي مازال مسيطرا على اليسار. يتطلب مرونة ،وصبر ،وقدرة على العمل اليومي التفصيلي الذي افتقده اليسار حتى الآن. والديمقراطية تربية وتدريب متواصلان فى جميع مراحل الحياة ، وتمتد من الحياة الخاصة فى الأسرة والعلاقة بين الرجل والمرأة الى مجالات العمل والنشاط العام.

          يرتبط بقضية الديمقراطية جانب آخر مهم ، ففي ظل العولمة أصبحت الديمقراطية القائمة على الأحزاب ، والانتخابات ، والبرلمان مواجهة بان دورها وتأثيرها فى القرارات يضمحلان باستمرار. فأهم القرارات المؤثرة على حياة الشعوب ،ومصيرها لم تعد تتحكم فيها الدولة ،أو القوة الوطنية في القطر الواحد ،وإنما تتحكم فيها القوة الدولية للشركات المتعددة الجنسية والمنظمات الدولية التي تعمل لصالحها ( البنك الدولي ، منظمة التجارة العالمية ، المنظمة الأوربية للتعاون والتنمية الاقتصادية ). وهذا يعني أن العمل الديمقراطي لليسار الذي يمارس داخل الوطن ينبغي ان يمتد خارج حدود الوطن إلى المجال الاقليمي العربي ، والعالمي. فلم يعد من المستطاع ان يحل أي شعب مشاكله بمفرده. أي ان يتم تطور حقيقي في بلد واحد على حدة دون باقي البلاد ،وهذا يتطلب نظرة واسعة ، ومرونة مضاعفة ، وإيمان باللامركزية والقدرات الخلاقة ، والمبدعة للناس في كل مكان. يتطلب القدرة على التعامل مع الفروق في المصالح ، والثقافة ، والمزاج قد تكون كبيرة ، يتطلب الخروج من حدود الوطن الضيقة وهو مالم يتنيه اليه اليسار فى مصر.

          هذا لاينفى أن العمل المحلي داخل الوطن الواحد هو القاعدة الأساسية للانطلاق خارج الحدود إلى البلاد العربية والعالم. لكن طبيعة العمل الديمقراطي المحلي يجب ان تتغيرً. يظل العمل الحزبي يظل مهماً لأنه أداة التنسيق الديمقراطي ،والإقناع الموجه العام للشعب في المعارك التي يخوضها ، لكن القطاع المدني يزداد أهمية وهو يشمل النقابات العمالية ، والمهنية ، الجمعيات من مختلف الأنواع ، اتحاد الطلبة والشباب ، التعاونيات ، وحركات النساء وهو قطاع تسعى العولمة أن تتغلغل إليه عن طريق التمويل وبوسائل أخرى مختلفة حتى تسيطر عليه .. إنها تسعى للحيلولة دون تنسيق الجهود ، انها تهتمً بالعمل الجزئي المحدود الذى يظل تأثيره على الاتجاه العام للمجتمع ضعيفا حتى وان كانت لهذه الجهود ثمار لايمكن انكارها.

 

(2) قضية الطبقات والتحالفات الطبقية

          منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس الموجة الثانية من الحركات اليسارية في مصر حدثت تحولات هامة في التركيب الطبقي للمجتمع. مع ذلك لا يتعامل اليسار مع الواقع الطبقي الجديد.

          أولاً هناك تطورات عميقة فى الطبقة العاملة غيرت في طبيعتها وأضعفت عوامل التضامن في صفوفها. ليصبح توحيد الجهود النضالية للعمال اصعب مما كان. انتشرت البطالة وشملت عددا كبيرا من المتعلمين فانقسم العمال إلى فئة ما زالت تعمل، وتعتبر في ظل تدهور الأحوال الاقتصادية متميزة (نوع من الأرستقراطية عمالية ان جاز هذا التعبير) وملايين لايعملون على الأقل بصفة منتظمة. كما اتسعت الهوة بين العمال المهرة والعمال العاديين.

ان المدن الكبيرة مثل ( القاهرة ، الإسكندرية ، طنطا ، بور سعيد ، السويس ،وأسيوط ، وغيرها ..) أصبحت غاصة بفئات مهمشة من السكان يقتاتون كيفما أتفق عن طريق القيام بأعمال ذات طابع مؤقت ،وعرضي ومن بينها أعمال غير مشروعة مثل تجارة المخدرات أو السرقة أو تجارة البضائع المهربة أو البلطجة ،زاد عدد الباعة الحائلين من مختلف الأنواع وكذلك عدد " الخرتية " الذين يقدمون خدماتهم للأجانب والسياح. فاتسعت تلك الفئات التي يطلق عليها أحياناً لفظ " الحثالة " وأصبحت تعد بالملايين.

 

ثانياً : الطبقة المتوسطة :  نتيجة الاستقطاب الحادث في المجتمع بين الأغنياء والفقراء تضمحل الطبقة المتوسطة بالتدريج فالقليل من أفرادها يصعدون إلى مرتبة الأغنياء والأغلبية تنحدر إلى صفوف الفقراء أو شبه الفقراء.

 

ثالثاً : في الريف لم يعد أغلبية السكان يعملون بالفلاحة. الفلاحون أصبحوا أقلية. أما أغلبية سكان الريف فهم الباعة في الحوانيت ،العاملون في ورش السيارات أو الحدادة ،أو الخراطة ، أو التجارة ،أو الكهرباء ،أو النقاشون ،والمدرسون ،والموظفون والسائقون.

تتطلب الأوضاع الطبقية دراسة هذه التغيرات، وتحديد المشاكل والمصالح الخاصة بمختلف الفئات والطبقات. كما يتطلب نظرة جديدة لأسلوب العمل السياسي ولقضية التحالفات.

 

(3) النساء :

          في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية ،واستشراء الأفكار والقيم السلفية فإن النساء اللائى يشكلن أكثر من نصف المجتمع يعانين من تدهور أحوالهن المعيشية ، ومن تفاقم القهر الاجتماعي والثقافي الواقع عليهن أكثر من أي قطاع أخر في المجتمع. ذلك أنهن تفتقدن التنظيم الذي يمكن ان يجمعهن ليدافع عن حقوقهن ويتعرضن لقهر مزدوج ،أبوي وطبقي. فقد برزت ظاهرة " تأنيث الفقر " في ظل العولمة ،وأخذت تتغلغل في المجتمع المصري بسرعة. مع الأزمة الاقتصادية يضحي بقوة العمل النسائية قبل غيرها. ومع القانون الذي أطلق الإيجارات الزراعية حرة اشتدت معاناة سكان الريف وشملت النساء ،كما اتجهت الحكومة إلى تعديل قانون العمل بحيث تتم محاصرة القوة العاملة النسائية ، لذلك يزداد جنوحهن للبقاء في البيت أو العمل نصف الوقت ، وأخذت الشركات في أبعاد النساء عن إعلانات التوظيف التي تصدرها ، وانتشرت الدعارة المباشرة أو غير المباشرة تحت اسم الزواج العرفي ،أو المسيار ، أو بيع البنات لأغنياء الخليج ، رغم أن 20 % من الأسر أصبحت تعولها نساء.

          وتقوم الحركات الفكرية السلفية بدور مهم في فرض القيود المختلفة على النساء وسجنهم في جدران البيت ،والمعارك ما زالت  دائرة للحيلولة دون تطوير قانون الأحوال الشخصية المتخلف الذي يسود في بلادنا.

          أنشأت الحكومة المجلس القومي للمرأة ،وأصبحت قضية المرأة مطروحة أمام المجتمع، وكثر الكلام عنها ،أغلبه في الاتجاه السلفي ضد حقوق المرأة واشتراكها في العمل أو النشاط العام بحجة تفرغها للقيام بوظائفها كأم وزوجة ،مما يصون الأسرة والمجتمع وأخلاقه. وهناك نغمة أخرى يتبناها المجلس القومي والصحف القومية وبعض الأحزاب والصحف المعارضة وهي التركيز على دور المرأة في التنمية. وحيث انه لا توجد تنمية وإنما مجالات يراد استغلال عمل المرأة فيها لحساب الشركات الكبرى مثل بعض الصناعات الصغيرة ،أو المناطق الاقتصادية الحرة .. الخ. فإن هذا لا يعني فرص عمل حقيقية للمرأة كما انه في كل هذا لايلتفت إلى حقوق المرأة كانسان ، بل الحكومة تحارب أي اتجاه لتنظيم المرأة في اتحاد يسمح بتنسيق جهودها من اجل تغيير اوضاعها وخلق قوة نسائية ضاغطة ،وما زال اليسار غافل عن قضية المرأة حتى الآن.

 

التنمية المستقلة

          يدافع اليسار السري والعلني عن فكرة التنمية المستقلة في مواجهة الاقتصاد التابع للشركات المتعددة الجنسية وللاستعمار الأمريكي الجديد. وفكرة التنمية المستقلة موروثة عن المرحلة الناصرية التي تخلصت فيها مصر من الاستعمار البريطاني القديم واتجهت إلى التنمية الصناعية والزراعية بالاعتماد على الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

          لكن بعد انهيار ما كان يسمى بالمعسكر " الاشتراكي " وانفراد الرأسمالية العالمية بالسوق ، وبعد أن دخلنا في عهد العولمة ، وأعلن السادات عن تطبيق سياسية الانفتاح سنة 1974 ، وبعد ان نفذت مصر عملية التكييف الهيكلي ، والخصخصة التي فرضها البنك الدولي عليها بات السؤال كيف يمكن أن تتم عملية التنمية المستقلة في ظل نظام أصبح تابعاً تماماً للاستعمار الجديد وشركاته ؟ كيف يمكن ان تتم التنمية المستقلة فى ظل العولمة؟

*             *                *

اليسار فى مصر فى رأيى يحتضر. الأسباب كثيرة ومتعددة ، عالمية ومحلية ، ولا مكان للتعرض إليها الآن. العقلية الجامدة اللاديموقراطية ما زالت تسيطر عليه بصرف النظر عن اجتهادات بعض الأفراد الذين ليست لديهم قدرة على التأثير في تنظيماته لأن القيادات المسيطرة نجحت في تهميشهم ،وإبعادهم عن مراكز النفوذ.

          سيظهر يسار جديد أعمق فكراً ، وأكثر ديموقراطية  ، وإنسانية ، ولكن السؤال هو متى وكيف يمكن أن يحدث هذا في بلد تحكم فيها أجهزة القمع المركزية ، وتسيطر على اركانه وتزداد فيه القوانين والأجهزة التي تحاصر المبادرات الشعبية كيف يمكن ان يتطور اليسار في ظل أوضاع لم يحدث فيها انتقال للخبرة من الأجيال السابقة إلى شباب وشابات هذا العصر. أسئلة مطروحة ما زالت تنتظر من يجيب عليها.

            فكرة التنمية المستقلة فى عصرنا هذا تنم عن اتجاه انعزالى لا يتفق مع عصر العولمة ، والعولمة أصبحت مفروضة علينا ولكن بدلا من العولمة التى تخدم احتياجات التراكم الرأسمالى المالى يمكن توجيهها من أجل تجميع التكتلات الإقليمية التى تستطيع أن تخدم مصالح الجماهير. وهذه التكتلات يمكن أن تعطى سلطة حقيقية لمجموعات من الدول على اقتصادها (الجامعة العربية والوحدة الاقتصادية العربية مثلا) وتهبها وسائل أكثر فعالية لحماية نفسها ضد الشركات عابرة الأوطان ، وتسمح للاقتصاديات الأضعف أن تأخذ مواقف أقوى فى المفاوضات الدولية ، أو فى مواجهة التكتلات الأخرى .. لكنها بالطبع تحتاج الى تحولات سياسية فى البلاد العربية حتى يمكن تغيير الاتجاه من الارتباط شبه الكامل برأس المال المالى العالمى ، الى مزيد من الارتباط فيما بينها. فمن الممكن فى إطار التكتل الإقليمى ، والأفريقى تصور حدوث تنمية فى المنطقة العربية يستفاد فيها من الإمكانيات الخاصة بكل بلد على حدة عن طريق توظيفها لخدمة التنمية الشاملة فى إطار التعاون المتبادل ، وليس على التوجه الكامل للتصدير كما هو الحال الآن.

          لكن اليسار المصرى لم يعد متنبها للبعد العربى الذى أصبح مهملا يكاد لايلتفت اليه إلا فى إصدار البيانات ، أو كتابة المقالات. أو السفر لحضور مؤتمرات متفرقة هنا وهناك ، عن الأدب ، أو الثقافة. بينما هذا الوضع يتطلب بناء التضامن الشعبى العربى ، وإقامة شبكة من العلاقات الفاعلة فى كل المجالات.

شريف حتاتة

                                             روائي وطبيب