|
سقوط القناع الديمقراطى للنظام
د. شريف حتاتة
الآن وقد شهدنا الجولة "الديمقراطية المزعومة" بين الحزب الوطنى اليمقراطى "الشرعى"
وبين حزب الإخوان المسلمين "غير الشرعى" . الآن وقد انتهى شراء الأصوات بمئات
الجنيهات ، وصرف أموال بالملايين ، ومعارك البلطجية أفرزتهم "سوق حرة" وجيش
العاطلين ، والمهمشين . الآن وقد رأينا التحالفات الانتهازية ، وغياب البرامج ،
والتضليل باسم الإصلاح ، أو القضاء على البطالة ، أو تطوير التعليم، أو باسم الله ،
والقرآن ، والدين الحنيف . الآن بعد أن تتبعنا معركة شرسة بين فريقين من
الرأسماليين وزعوا أنفسهم على قيادات حزب الحكومة وعلى قيادات حزب المعارضة
الإسلامية ليقتتلوا حول السلطة منتهزين غياب الوعى السياسى بين الجماهير، وغياب
معارضة ديمقراطية حقيقية . الآن جاء وقت تجاوز الخلافات بين القوى الديمقراطية ،
واليسارية ، والمستنيرة لكى نواجه مخاطر المستقبل .
أصبح واضحا لكل الذين تتبعوا الانتخابات ، وللناس العاديين أنها لم تكن فى جوهرها
سوى صراع بين فرق من الأغنياء "وطنيين ديمقراطيين" ، أو "مستقلين مزعومين" أو "إخوان
مسلمين" للوصول الى مزيد من السلطة ، والمال .
فالذين توالوا على الحكم فى مصر دأبوا على تصفية كل العناصر ، والتيارات ،
والتنظيمات التى كان يمكن أن تلعب دورا فى توعية الجماهير ، وتكتيل جهودها فى العمل
من أجل تدعيم حركة ديمقراطية اجتماعية . لم يبقوا سوى على عناصر وأحزاب، وتنظيمات
مستأنسة رضيت قياداتها أن تلعب دور "الديكور الديمقراطى" مقابل منصب ، أو مكسب ، أو
موقع على مسرح الأحداث السياسية والعامة ، أو قاموا بتهميشهما حتى لم يبقى عمليا
سوى حزب معارض واحد يقال عنه غير شرعى ويرفع شعار "الإسلام هو الحل" دون أن يفصح عن
موقفه من المصالح الشعبية ، حزب لاقى تمهيدا وتشجيعا من السلطة فى أغلب الأحيان ،
فعقدت معه صفقات حتى وإن تناقضت مع بعض أجزائه الأكثر تطرفا فى الصراع حول الحكم ،
حزب أو حركة لاقت تأييدا من الاستعمار القديم ، والجديد فى أوقات كثيرة أيام "الملك
فاروق" ، أو أثناء عصر "عبد الناصر" أو فى عهد "السادات" فى المعركة ضد اليسار
والاشتراكية والتنوير محليا ودوليا .
الآن وقد انبرت نخبة المثقفين ، والخبراء الاستراتيجيين والمفكرين ، والكتاب الذين
عششوا فى حضن السلطة لتحلل ما حدث ، وتوزع نصائحها بغية البقاء فى مواقعها لتزيد
مرة أخرى من البلبلة التى يعانى منها الشعب . أصبح من الملحّ أن تبذل جهود مدروسة
لبلورة تيار ديمقراطى ينبنى على التجارب الماضية ويتجاوزها نحو ما هو جديد فى الفكر
، والعمل ، وينسق بين مختلف مكوناته . فإذا لم يتحقق هذا سيظل المجتمع مسحوقا بين
شقى الرحى التى تمخضت عنها انتخابات مجلس الشعب الأخيرة .
البنك الدولى والديمقراطية
يوم أن أعلن "السادات" عن سياسة "الانفتاح" كان أحد الشروط التى أصر عليها البنك
الدولى لتقديم المساعدات ، و"تحرير الاقتصاد" ، إلغاء نظام الحزب الواحد وتطبيق "الديمقراطية"
وتعدد الأحزاب . كان هدف البنك توفير قدرا أكبر من حرية الحركة لرؤوس الأموال
الأجنبية والمحلية ، وأن يتم الفصل بين الديمقراطية السياسية ، والديمقراطية
الاقتصادية والاجتماعية التى تهدف الى توفير حق العمل ، والضمانات الاجتماعية فى
التعليم ، والصحة ، والسكن ، وتحقيق مستوى معيشة لائق للمواطنين والمواطنات .
فاتجهت البلاد الى نظام يحقق مصالح الفئات الرأسمالية العليا المضاربة المتعاونة مع
الرأسمال الأمريكى والأوروبى ، ويسبب البطالة ، والفقر المتزايد لأغلبية الشعب
نتيجة توقف التنمية الصناعية والزراعية ، وإقامة سوق حرة للاستثمار والسلع الأجنبية
، وخصخصة المصانع ، والتجارة ، والمنشئات المالية ، وتوزيع الثروة لصالح الأغنياء .
ساد هذا التطور الاقتصادى والسياسى منذ ثمانينات القرن الماضى ، وترتب عليه إقامة
نظام سياسى يطلق عليه وصف "الديمقراطى" لصالح من يملكون رأس المال، والمنشئات
الاقتصادية ، و"الأطيان" ، نظام يغيرون فيه القوانين لصالحهم ، ويتحكمون فيه على
الصحف ، والمجلات ، والراديو ، والتليفيزيون ، والأحزاب ، والنقابات المهنية
والعمالية ، والجمعيات الأهلية ومنظمات القطاع المدنى ، نظام يسمح لهم بإيقاف أو
عرقلة جهود الشعب الساعية الى تكوين ، وتدعيم التنظيمات السياسية والاجتماعية التى
تدافع عن مصالحه .
تعاونت معهم فى ذلك الدولة عن طريق قوانين وسياسات القمع البوليسى والاجتماعى . كما
ساهمت أحزاب المعارضة فى ذلك بسبب ضعفها ، وقياداتها التى لم تبذل جهدا حقيقيا
للمساهمة فى توعية وتنظيم الجماهير متحججة فى ذلك بأساليب القمع التى تمارسها
الدولة ، وكأنها تنتظر من الحكام أن يفتحوا أبواب الحرية ، متناسين أن نيل الحقوق
يحتاج الى صراع مستمر ، واستعداد للتضحية ، للتنازل عن التمتع بالسكينة، أو المناصب
، أو المكاسب . أو بسبب الضحالة السياسية والفكرية التى يعانون منها . فقد ظلوا
إفرازا ، أو ربما ضحايا للأوضاع العالمية والمحلية السائدة ، وفشلوا فى الإفلات
منها .
أما "الإخوان المسلمين" فشكلوا "المعارضة" الوحيدة القوية التى زحفت بخطة محكمة على
قطاعات مختلفة من المجتمع فى سعيها الى السلطة دون أن تشغلها أبدا مصالح وحقوق
الجماهير الشعبية .
هكذا أصبحت الديمقراطية هى "ديمقراطية" من يملكون المال الوفير ضد الذين لا يملكون
إلا القليل . هذا الوضع يفسر ما حدث فى الانتخابات الأخيرة ، يفسر صرف الأموال
الطائلة ، وشراء الأصوات ، والبلطجة ، والسيوف ، والجنازير ، والتزوير ، والتدليس
باسم الله ، أو باسم التغيير . يفسر غياب البرامج التى يمكن تنفيذها لصالح الناس ،
وغياب الجماهير الواعية .
فالقضية ليست موضوع الإشراف القضائى ، أو الصناديق الزجاجية ، أو الحبر الفوسفورى ،
أو حياد قوة الأمن ، حتى وإن كانت الضوابط مطلوبة . المسألة أعمق من ذلك بكثير . هى
وجود نظام يقال عنه أنه ديمقراطى بينما هو لا يمت الى الديمقراطية بصلة .
ربما ضارة نافعة
إن الميزة الأساسية للانتخابات الأخيرة أنها كشفت هذه الحقيقة. أن عددا متزايدا من
الرجال والنساء فى بلادنا سيدركون أن الديمقراطية التى يتحدث عنها حكامنا وحواريوهم
من الساسة و"المحللين" لن تحقق مصالح الشعب . أن المطلوب هو بلورة وتدعيم ديمقراطية
من نوع آخر تسمح للمواطنين والمواطنات بأن يحققوا لأنفسهم مزيدا من العدالة ،
والحرية ، والطمأنينة ، والسلام . كما أنها كشفت فساد أو ضعف من يتصدرون للعمل
الحزبى والسياسى فى بلادنا .
لكن هذا الوعى لن يتأكد من تلقاء نفسه . إنه يحتاج الى انبثاق قيادات فكرية
وتنظيمية تعمل على توحيد جهودها وبلورة أهدافها ، والسعى للعمل وسط الشعب بمختلف
فئاته وطبقاته كجزء منه وليس كنخبة تهبط اليه من أعلى وتتحدث عن "النزول الى
الجماهير" . إنه تحدّ صعب ، لكنه هدف يمكن تحقيقه بالمثابرة ، والإصرار ، والتمسك
بالأمل , والجرأة الفكرية .
إن هناك ميزة أخرى فيما حدث . فقد دفعت انتخابات مجلس الشعب "بالإخوان المسلمين"
الى موقع فى صدارة المسرح السياسى ، وداخل أجهزة الحكم . منذ الآن سيتحركون بقدر
أكبر من العلانية أمام الشعب وستتضح الى درجة أكبر مواقفهم من مصالحه بدلا من أن
يعتمدوا فقط على الموروث الدينى ليخفوا أهدافهم ، وبدلا من أن يتعاطف معهم الناس
بسبب الاضطهاد الذى كانوا يتعرضون له .
سنرى الآن أين سيقفون . هل مع الأغنياء أم الى جانب الفقراء والمحرومين ؟ هل مع
حقوق المرأة أم مع الذين يريدون إعادتها الى "الحرملك" ؟ هل مع مساواة المسلمين
والأقباط أم مع التفرقة بينهم ؟ هل مع صانعى السياسة فى واشنجطن الذين صرح بعضهم
منذ أيام برضاهم عما حدث بالانتخابات ، واستعدادهم للتعاون مع "الإخوان المسلمين" ،
أم مع التخلص من نير الاستعمار الجديد ، وتدعيم التضامن مع الشعوب ؟ وهل سيتعاونون
مع القوى التى تريد إقامة ديمقراطية حقيقية ، أم سيشاركون بشكل أو آخر فى القمع
السياسى والاجتماعى الذى تمارسه دولة الأغنياء ؟
لقد أصبح "الإخوان المسلمين" قادرين الآن على التمتع بالحق الديمقراطى الذى طالبوا
به منذ سنين ، وهو حقهم فى أن يكون لهم حزب سياسى . إنه حق لا يمكن أن يعارضه إلا
من يكيل بمكيالين فى تطبيق مبادئ الديمقراطية . هذا بشرط واحد ألا يلجأوا الى العنف
وإنما الى الصراع الديمقراطى السلمى وحده حفاظا على مستقبل البلاد، ومستقبل الشعب
المصري فى هذه المرحلة الحرجة من التاريخ .
|