|
أياد خفية تنفخ فى نار صراع الحضارات
د. شريف حتاتة
الصحيفة الدانماركية التى نشرت الرسومات المسيئة لمعتقدات المسلمين ومشاعرهم فى
الأسبوع الأول من شهر فبراير الماضى اسمها "جيلاندس بوستين" . فى هذه الصحيفة يعمل
عضو مجلس تحرير مسئول عن الشئون الثقافية اسمه "فليمنج روز" وهو الذى قام بتكليف
أحد رسامى الكاريكاتير بإعداد هذه الرسومات ثم قام بنشرها فى الجريدة رغم علمه أن
مثل هذا التصرف سيشعل توترا شديدا فى الأوساط الإسلامية ويذكي الخلافات بين البلدان
الأوروبية والبلاد العربية والآسيوية التى يقطنها مئات الملايين من المسلمين .
قليلون هم الذين يعرفون أن "فليمنج روز" هو زميل وثيق الصلة برجل يهودى مرتبط
بالتيار الصهيونى وانه ينتمى الى المحافظين الجدد فى الإدارة الأمريكية اسمه "دانييل
بايبس" وفضيحة نشر هذه الرسومات المسيئة الى المسلمين ، والى معتقداتهم تعتبر
بالنسبة للمحافظين الصهاينة الجدد خطوة مهمة فى تحقيق الخطة التى وضعوها منذ سنين
طويلة والخاصة بـ"صراع الحضارات" .
هذه الخطة أهدافها هى افتعال معارك خطيرة بين ما يسمى بالغرب المسيحى والعالم
الإسلامى ، وتقسيم الشعوب ، بإثارة النعرات الدينية والقومية المتعصبة وصرفها عن
معاركها الأساسية الساعية الى حماية مصالحها ، والدفاع عنها كما تستهدف تبرير
السياسات الحربية والعدوانية لإدارة "بوش" ، و "بلاير" ، وغيرهما من الحكام فى
أوروبا , وفى مناطق أخرى من العالم .
كتبت جريدة "الميامى هيرالد" المحافظة ضمن افتتاحيتها المنشورة فى عددها الصادر يوم
7 فبراير مايلى :
" تم الاعتداء على ما هو محرم دينيا . والذين شاركوا فيه كانوا دون ريبة يعلمون
جيدا ما يفعلونه . أنه بمثابة تصرف سيخدم أغراض أولئك الذين يريدون زيادة التوترات
القائمة بين أوروبا والعالم الإسلامي ."
زار "فليمنج روز" المحافظ الأصولى "دانييل بايبس" فى مكتب موقعه الإلكترونى
الصهيونى المسمى "منتدى الشرق الأوسط" فى "فيلادلفيا" خلال سنة 2004 ليتشاور معه فى
قضايا مختلفة . وبعد هذه الزيارة قام بكتابة مقال كان عنوانه "التهديد الإسلامى"
أثنى فيه على "بايبس" وروج فيه آراءه الشديدة التطرف فى عدائها للإسلام دون أن يذكر
أنه صهيونى متعصب الى أبعد الحدود للصهيونية .
بعد أن اعتدت تجمعات إسلامية غاضبة على ثلاث سفارات دانماركية لجأت قتاة تليفزيون "السى
إن إن" الى "دانييل بايبس" بصفته محللها المفضل لشئون الشرق الأوسط ليشرح أسباب
الغضب الذى تفجر بين المسلمين . فبدلا من أن يناقش منبع الرسومات المناهضة للإسلام
التى أثارت هذا الغضب ، اتهم "بايبس" "رجال الدين المسلمين المتطرفين" بأنهم نشروا
الرسومات المثيرة للضيق على نطاق واسع مما تسبب فيما حدث . تجاهلت القناة
التليفزيونية ذكر حقيقة أن "روز" و"بايبس" من المحافظين الجدد ، وأن صلتهما وثيقة ،
وتركت "بايبس" ليقول " إن "المتطرفين" استغلوا الرسومات التى نشرها "روز" "ليكتلوا
الناس فى اتجاه مزيد من العداء للغرب " .
فى ذات الوقت الذى كانت تهاجم فيه السفارات الدانماركية كتب "بايبس" مقالا تحت
عنوان "الرسومات الكاريكاتورية والامبريالية الإسلامية" تساءل فيه قائلا "وهل
سيدافع الغرب عن عاداته وقيمه ، أم سنترك الإسلاميين لكى يفرضوا أسلوبهم فى الحياة
علينا . ففى النهاية لا يوجد مجال للمساومة ، لأن الغرب سيحتفظ بحضارته بما فيها
حقه فى أن يهين ، ويهاجم المقدسات أو يمتنع عن ذلك" .
إن "بايبس" عندما يصور مسألة فضيحة الرسومات التى نشرت فى الجريدة الدانماركية على
هذا النحو وكأن القضية المفروضة علينا مواجهتها هى الاختيار بين حرية الصحافة
واحتجاجات المسلمين إنما يكشف عن يده الخفية التى دفعت الى نشر الرسومات
الكاريكاتورية لتكون فخا محكما وقع فيه عدد من الصحف ، والأحزاب الشعبوية . هذا
بينما خضع آلاف الناس للغرامات المالية ووضع مئات من الناس فى السجون الأوروبية
خلال العقد السابق لأنهم كتبوا ، أو تحدثوا عن المحرقة اليهودية (الهولوكوست) أو عن
مسائل تتعلق باليهود بطريقة اعتبرت غير قانونية , وبينما امتنع "روز" و "بايبس"
وأعضاء مجلس تحرير الجريدة الدانماركية عن الإجابة عندما سئلوا إن كان من حق
الأوروبيين أن يهينوا ، أو يهاجموا التصور الصهيونى "للهولوكوست" .
إن رفض رئيس وزراء الدانمارك بأن يقدم اعتذارا لما حدث لهو دليل على أن الإهانة
التى وجهت للعالم الإسلامى كانت مسألة مدبرة شاركت ، أو تشارك فيها جهات وقوى
مختلفة فى اليمين الأمريكى والأوروبى المحافظ .
د.شريف حتاتة
|