|
كسر الحصار
شريف حتاتة - العربى 13/2/2005
أرجو ألا يكون هناك داع لكى أعتذر عما سأكتبه لزملائى وزميلاتى
الذين بذلوا ومازالوا يبذلون جهودا مضنية ، وتضحيات كثيرة من أجل تغيير الأوضاع
التى نعانى منها فى بلادنا . وهى جهود لا يستطيع أحد أن ينكر تأثيرها فى تدعيم روح
المقاومة الشعبية التى نالها الوهن نتيجة تطورات عالمية ، وإقليمية ، ومحلية تتعلق
فى رأيى أساسا بانتقال النظام الرأسمالى المسيطر على العالم الى مرحلة جديدة تدعمت
فيها سيطرة الشركات المتعددة الجنسية الكبرى ، وامتدت الى كل بلاد الأرض دون
استثناء .
مرحلة سمحت لها فيها التكنولوجية الحديثة بأن تصل الى كل المجتمعات لتحدث فيها
تغييرات ، اقتصادية ، واجتماعية ، وسياسية ، وإعلامية ، وثقافية ، تتفق ومصالحها .
مرحلة استطاعت فيها هذه الشركات الى حد كبير أن تستوعب مختلف المجتمعات داخل سوقها
ونفوذها العالمى . مرحلة دعمت فيها قوتها العسكرية ، وأسرعت بعملية عسكرة الاقتصاد
ونشر سياسات الحرب ، والعدوان ، والعنف باسم مقاومة الإرهاب ، أو تدعيم
الديموقراطية ، أو حقوق المرأة وحقوق الإنسان بينما لعبت هى دوراً أساسياً فى تشجيع
الإرهاب ، وفى تراجع الديموقراطية وحقوق للمرأة وللإنسان تحققت فى العقود السابقة .
مرحلة أستقطبت فيها أنظمة الحكم المحلية ، و"النخب" الثقافية ، المدنية ، والعسكرية
الى صفها . مرحلة تجسدت فى حكم الأحزاب اليمينية ، أو العمالية أو الاشتراكية
الديموقراطية الموالية لها فى الأغلبية الساحقة من بلاد الشمال والجنوب ، وأخيراً
فى حكم المحافظين الجدد برئاسة "جورج بوش" الإبن فى الولايات المتحدة التى تتزعم
عالم الرأسمالية النيولبرالية.
تتجلى هذه الأوضاع بشكل حاد فى المنطقة التى يطلق عليها الآن "الشرق الأوسط" وهى
تسمية استعمارية جديدة حلت محل المنطقة العربية التى كانت تشمل جميع البلاد العربية
. بمشرقها ، ومغربها .
فرغم اعترافى بهذه الجهود ، وتقديرى لها أعانى شعوراً من العجز والإحباط كلما شاركت
فى اجتماع من الاجتماعات ، أو لجنة من اللجان ، أو حملة من الحملات التى تنظم فى
هذه الأيام فى سبيل إحداث تغير ديموقراطى ودستورى يفتح الباب لمزيد من التأثير
الشعبى فى تطور البلاد . ليس فقط لأنها لازالت ضعيفة ، محدودة الأثر ، يعوزها
التنسيق ، وتضافر الجهود . فكل هذا نابع من واقعنا الذى لا مفر من الاعتراف به .
لكن لأنه يعوزها ذلك المجهود الفكرى الذى نحتاج اليه لإدراك مغزى التطورات التى
حدثت ، وتأثيرها علينا ، وعلى أهداف وأساليب العمل الديموقراطى الذى يقوم به أعداد
من الرجال والنساء المنتمين الى تيارات ، أو حركات ، أو تنظيمات مختلفة . فبدون هذا
المجهود لا سبيل الى اختراق العزلة والحصار الذى مازال مفروضاً على كل الذين يسعون
بجهودهم لنضع أقدامنا على بداية التغيير الديموقراطى لأنه فى مواجهة القوة العالمية
والمحلية الشديدة المراس ، المتمتعة بإمكانيات اقتصادية ، وعسكرية ، وأمنية ،
وإعلامية ضخمة لا أمل فى بداية التغيير إلا بإقامة قوة شعبية تتمكن بالتدريج من
تجميع الناس رجالاً ونساءً فى مختلف الجهود ، والمعارك الصغيرة ثم الكبيرة التى تصب
بشكل أو آخر فى عملية التغيير وذلك رغم تنوعها ومصادرها الشديدة الاختلاف . المطلوب
إذاً هو البحث عن وحدة فى الأهداف بين قوة متعددة تختلف فى أصولها ، واهتماماتها ،
ومصالحها طالما أنها تعانى القهر والظلم فى ظل الأوضاع القائمة فى البلاد .
كلما حضرت اجتماعاً من الاجتماعات تساءلت : "مع الاعتراف بأن التظاهر ، والبيانات
والتوقيعات على البيانات ، والمقالات هى وسائل من بين الوسائل التى يمكن اللجوء
اليها لتحريك عملية التغيير فما جدوى أغلب وليس كل التظاهرات المحدودة العدد التى
تحاط بقوات للأمن مهولة ؟ ما أثرها على آلاف الرجال والنساء الذين يشاهدونها من
بعيد يتملكهم الخوف والإحساس بعدم جدواها ؟ ولماذا نفرح بها عندما تذاع فى وسائل
الإعلام دون أن نسأل أنفسنا لماذا تذيعها وسائل إعلام تسيطر عليها شركات رأسمالية
ضخمة واعية تماما بما تفعله ؟ أ لا يعنى هذا أنها تستخدمها أساسا لأغراض مرتبطة
بمصالح هذه الشركات والأنظمة التى تمثلها ؟ وهل نظن أنها حريصة على التطور
الديموقراطى فى بلادنا ، إنها تضغط فعلاً فى هذا الاتجاه ؟ وما هو نوع "التطور
الديموقراطى" الذى نريده ؟ هل تعدد الأحزاب ، والاختيار بين أكثر من مرشح للرئاسة
هو الذى سيغير الأحوال فى بلادنا ، أم سيعطى حرية أكبر للشركات المتعددة الجنسية
ووكلائها فى بلادنا ، للجناح الذى أصبح له ثمانى أو تسع وزراء فى حكومة "نظيف" ،
والذى يتنافس مع "الحرس القديم" حول المكاسب ، والتحالف مع الولايات المتحدة ؟
النظام الحاكم يخطط للمستقبل ، ويدرك أنه لا بد من إحداث تغيرات لكن يريد لهذه
التغيرات ألا تبدل من جوهر الأوضاع . لا مانع لديه من تغيير دستوره كما صرح بعض
ممثلى "الحرس القديم" لكن على أن يتم فى الدورة القادمة بعد أن يعد النظام نفسه
لإنجاح من يريد فيتم توريث الحكم بالانتخاب ليطيل من عمر النظام "بفترينة
ديموقراطية" ذلك أن أى تغيير حقيقى لن يتم إلا بجهد الجماهير المتزايد . أما الجهود
الحالية ففى النهاية ستصب فى جعبة النظام . لذلك يظل النظام يقظاً من هذه الناحية ،
حريصاً على العزل بينها وبين الناس . ويظل أصحابها يدورون فى حلقة الاجتماعات ،
والبيانات ، وجمع التوقيعات ، ورسائل الإنترنت دون أن يسألوا أنفسهم . كيف الخروج
من هذا الحصار ؟ وهو سؤال ليس عندى أو عندنا حتى الآن إجابة محددة عليه ، لكن ألم
يحن الأوان لبذل جهود أكثر فى هذا الاتجاه عسى أن نصل إليه هذه المرة قبل فوات
الأوان ، أم أننا اعتدنا أنماطاً من التفكير والعمل لم نعد قادرين نحن أنفسنا على
تغييرها، بينما هذا لن يعنى سوى الفشل فى الاهتداء الى طريق فعال لتغيير الأوضاع ؟
|