مقالات
عودة
إلى أشياء ضاعت
مني
أو ليلة العيد
شريف حتاتة
أدور بعيني حول
الغرفة أتأمل
رفوف الكنب ترتفع
حتى السقف ، والمكتب
وضعت عليه أقلام
، وورق "الدشت"
، وعلب فيها طوابع
بريد ، ودبابيس
، ورف من البلاستك
يحوي الأشياء
التي سأطلع عليها
فيما بعد ، ودباسة
، وحامل شريط اللصق
. أتأمل الكمبيوتر
وجهاز الفاكس
، والتليفون ،
والجدران ، وصور
الأسرة في براويزها
. أتأمل رفيقة
حياتي جالسة تقرأ
في ضوء المصباح
المنتصب في الركن
. أتأمل الجدران
ونافذة الشرفة
المغلقة تمتد
بالعرض ، والجدران
البيضاء ، والصمت
. أتذكر أن الليلة
ليلة العيد ، وأنني
كنت في يوم من
الأيام طفلا أقضي
العيد في بلدنا
. أجرى في الحقول
، أو على ضفاف
الترعة ، أو أقف
في الزريبة مع
جدتي وهى تشرف
على الجاموس أثناء
الحلب ، أو أجلس
في القاعة المفتوحة
بين النسوة وأيديهن
الجافة تشكل الكعك
وترصه على الصواني
تمهيدا لوضعها
في الفرن . أقول
لنفسي يثرثرون
في بلادنا كثيرا
عن الوطن فأين
وطني في هذا الصمت
؟ هل هو الطفولة
؟ اخضرار الغيطان
في بلدتي ؟ طعم
الكعك وهو يخرج
من الفرن ؟ حضن
جدتي ورائحة ثيابها
؟ الناس في شوارعنا
؟ الأصدقاء الذين
غابوا عني ؟ الأجيال
الجديدة التي
أبحث معهم عن
المستقبل ؟ أم
الأسرة الصغيرة
التي أعود إليها
كلما سافرت إلى
الخارج ؟
أقول لنفسي يثرثرون
عن الوطن والانتماء
و
يتحسرون على ضياعه
بين الشباب في
بلادنا . لكني
صرت في العقد التاسع
من العمر وأبحث
أنا أيضا عن الوطن
فقد ضاع مني . باعه
حكامنا للأجنبي
ليظلوا في الحكم
ويستفيدوا منه
، وباعه الذين
يكتبون عن الانتماء
إليه حتى يبقوا
في أماكنهم ويبقى
الرجال والنساء
الذين لم يتبعوه
محاصرين معزولين
عن جماهيرهم .
فجأة رن جرس التليفون
دقات متتالية
اخترقت الصمت
. جاءني صوت ابنتي
ما زالت فيه رنة
الطفل الذي يسكن
في أعماقها . قالت
سنذهب أنا وبعض
أصدقائي إلى قصر
ثقافة "الغوري"
لمشاهدة مسرحية
اسمها "مهزلة
مملوكية" . لماذا
لا تأتيان معنا
؟ تداولنا "نوال"
وأنا فقالت لما
لا ؟ الليلة عيد
. ما الذي يمكن
أن نفعله في البيت
غير ما نفعله كل
يوم ؟ فلنغير الجو
حتى وإن لم نشاهد
ما كنا نحب أن
نشاهده .
هبطنا من العمارة
قرب الساعة الثامنة
. احتلت "نوال"
مكانها في السيارة
إلى جوار "منى"
ابنتنا ، وجلست
أنا في الخلف مع
صديق لـ"منى"
يلحن أغاني ويدق
على العود . فأنا
أحب هذه الجلسة
في الخلف عندما
تقود ابنتنا سيارتها
. ألقي بحمل القيادة
عليها وأترك نفسي
لحركة السيارة
وأطل من النافذة
على المدينة ،
على حركة الحياة
في شوارعها ، على
الجموع تحتفل
بنهاية الصيام
كأنه أفرج عنهم
من عنائه .
اخترقنا شارع
قصر النيل وصعدنا
على الكوبري .
رائحة البخور
تنبهني بأننا
اقتربنا من "الغورية"
. كان ينتظرنا
صديق آخر لـ"منى"
يقوم بدور المهرج
في المسرحية .
ساعدنا على إيجاد
مكان لركن السيارة
ثم اصطحبنا إلى
مقهى صغير يحتل
فضاءا بين المباني
. جلسنا ولحق بنا
صديق ثالث لها
يعمل مدربا للكمبيوتر
. في المقهى عدد
من الرحال يدخنون
الشيشة ويلعبون
النرد ، ونساء
معهن أطفالهن
. بين الحين والآخر
يجتاز الحوش شاب
، أو فتاة ترتدي
الجينز وتلف رأسها
بطرحة ، أو حجاب
قصير داكن اللون
. أتأمل ما يدور
. استنشق رائحة
التبغ . أرفع رأسي
وأنظر إلى السماء
المفتوحة ، إلى
شجرة تطل علينا
تبرق أوراقها
في النيون وتهتز
في نسيم الليل
. أشعر بالراحة
تتسرب إلى بالتدريج
، بأن هذا المكان
يعيد الى حياة
عشتها منذ سنين
، بأنه رغم التغييرات
التي طرأت على
ظل أقرب إلى وجدانى
من حي للمهندسين
، أو "فندق هيلتون
رمسيس" أو نادي
الجزيرة الذي
أذهب إليه للتريض
. بأني مشدود بين
قطبين . جزء مني
ينتمي إلى الناس
العاديين ، وجزء
لا يستطيع أن يتخلى
عن ذلك القدر من
الراحة المادية
، والنفسية التي
أتيحت لي . بأنني
في هذه اللحظة
أحن إلى حياة عشتها
يوما ما في حواري
المدينة ، بأن
هؤلاء الناس هم
ناسي ومع ذلك لا
أستطيع أن أحيا
في البيئة التي
يعيشون فيها .
قمنا من المقهى
وانتقلنا إلى
مسرح قصر ثقافة
"الغوري" . في هذا
القصر كان يسكن
السلطان الغوري
وهو من أواخر الحكام
المماليك . أتى
بعده "طومانباي"
. افتتح فيه قصر
الثقافة منذ شهرين
أو أكثر قليلا
. جلسنا في حوش
داخلي كبير في
الجزء الخلفي
من القصر المفتوح
للسماء والمحاط
بجدران المبنى
الحالية المبنية
بأحجار كبيرة
. بعد قليل بدأ
العرض .
كانت المسرحية
بسيطة إلى حد كبير
. النص تنقصه أشياء
كثيرة لكي يكون
جيدا . حاول المؤلف
الجمع بين قصة
حب وخيانة زوجته
والقهر الذي كان
يعانيه الناس
في ظل حكم المماليك
وأعوانهم من القضاة
ورجال الشرع .
لكنه عجز عن تحقيق
تضفير محكم بين
الاثنين مما تسبب
في قدر كبير من
التشتت . وكانت
هناك بعض الفقرات
الطويلة المملة
. مع ذلك لم أشعر
بالضيق إلا نادرا
. فقد عشت في جو
لم أعش فيه منذ
مدة طويلة . الأغاني
، والأصوات المغنية
النسائية ، والرجالية
، والموسيقى والرقص
أضفت على المسرحية
قدرا لا بأس به
من البهجة والحيوية
، كما لاحظت بين
المشاركين عناصر
شابة أحسست بأنها
خامات جيدة يمكن
أن تزدهر مواهبها
في التمثيل والرقص
لو وجدت رعاية
وتدريبا . و فى
الوقت نفسه سعدت
بالبساطة والتلقائية
البعيدتين عن
التصنع والافتعال
والزيف الذي يشوب
كثيرا من الأعمال
الفنية المحترفة
. كان المشاركون
والمشاركات أناس
بسطاء قدموا ما
قدموه بحماس وبنية
طيبة في ظروف يفتقدون
فيها إلى الرعاية
والإمكانيات
المادية . يتقاضون
أجورا متدنية
ويسافرون المسافات
الطويلة للحضور
إلى الغورية .
يتغذون بقروشهم
الضئيلة فيبدو
عليهم الشحوب
والهزال ، رغم
بريق العيون ،
وبراءة الوجوه
الشابة وقفزات
الأجسام اللدنة
ترقص على أنغام
الأرغول ، والناي
والعود و عاىوقع
الطبول والرق
.
في آخر العرض جاءوا
وشدوا على أيدينا
. عبرت عن امتناني
للجهد الذي بذلوه
. كان في قلبي فرحة
هذا اللقاء مع
شابات وشبان شبوا
في القرى والنجوع
أو في حواري القاهرة
وطنطا والمنصورة
، وحزن الإدراك
بالحياة الصعبة
التي يخوضون أمواجها
.
بعد العرض سرنا
في حارة طويلة
متعرجة مملوءة
بأكوام الزبالة
والروائح الكريهة
. على الجانبين
حوانيت قليلة
تعرض أردأ أنواع
الفاكهة والخضروات
، وورش صغيرة ،
ومقاه متواضعة
جلس عليها الرجال
ليدخنوا الشيشة
،و ليتسلوا بلعب
الكوتشينة والنرد
وربما بأشياء
أخرى محظورة ،
فقد لفت نظرى وجود
سيارة مرسيدس
500 كبيرة الحجم
آخر طراز أمام
أحد المقاهي .
يلقون ناحية "نوال"
و"منى" بنظرات
فاحصة متسائلة
إلى أن وصلنا إلى
مقهى محاط بمساحة
واسعة فيها أشجار
ونخيل تتوسط قصر
"زينب الخاتون"
، وقصر "الهراوي"
.
لم يكن في المقهى
إلا عدد قليل من
الرواد . فجلسنا
في ناحية منعزلة
من الفراغ الممتد
بينهما قرب الشجر
، وبعد أن جاءت
أكواب القرفة
، والجنزبيل ،
والينسون ، والشاي
استغرقنا مع صديقنا
الممثل في الحديث
عن المسرحية .
لكن بعد قليل سرحت
في جو المكان ،
في المباني المحيطة
به ، في الليل
المفتوح تطل علي
نجومه ، وفي أغاني
"عبد الوهاب"
القديمة تتهادى
إلي هادئة من داخل
المقهى حرص صاحبه
ألا يرتفع صوتها
. أحسست أنني أحيا
في ماض عريق ،
في تراث ممتد ثري
لم نحافظ عليه
، ولم نبرز إيجابياته
بدلا من السقوط
في دعوات السلفية
وتخلفها . أنا
في هذه الليلة
أحيا التاريخ
والحاضر في آن
واحد . و الشعور
بالتاريخ هو سبب
السكينة التي
زحفت علي لأننىأدرك
أن كل ما حدث لي
هو وليد تطوراته
المتلاحقة .أدرك
إن التاريخ الذي
عشته في هذه الليلة
، في ليلة العيد
، ربما يكون هو
الوطن الذي كنت
أبحث عنه .