|
تأملات
مسافر
أجلس فى مطار القاهرة الدولى.
الساعة تجاوزت الثالثة صباحا. فى مواجهتى، على بعد قليل، "فترينة" زجاجية تعرض
وراءها حليا من الذهب، والفضة مرصعة بأحجار سوداء وقرمزية اللون. وساعات "حريمى"
صغيرة الحجم. أمامها توقف رجل مربع الجسم، أصلع الرأس تبرز بطنه المنتفخة أعلى
الحزام الجلدى الهابط أسفل الخصر مع البنطال "الجينز". تتدلى فوق مؤخرته حقيبة من
التيل كبيرة ، كحلية اللون. يرتدى عوينات ماركة "بوليس" صغيرة الحجم. بيضاوية الشكل،
سوداء مثل الليل بلا ضوء. صار يفحص محتويات "الفترينة" بنظرة مدققة مائلا إلى
الأمام، مرتدا إلى الخلف، ثم فجأة انطلق بسرعة نحو بوابات الإقلاع والحقيبة تتأرجح
وراءه.
على يسار
"الفترينة" ملحق للصالة محاط بجدار منخفض مفتوح عند
منتصفه. قرب الفتحة وقف شرطى. انحنى وأخرج قدحا كبيرا من الصينى من نوع "المج". نظر
إلى الضابط الشاب الجالس خلف مكتب صغير وضع عليه تليفون بقرص. أشار إليه الضابط
بحركة من يده فاختفى فى مكان بالداخل. عاد وليس بين يديه شىء، وأخذ ينظر حوله كأنه
يفكر فى الخطوة القادمة التى سيقدم عليها.
وقف ضابط البوليس فاردا قامته الطويلة وذراعيه
إلى آخر مداها ثم جلس من جديد. أمسك
بسماعة التليفون وأدار القرص. مال إلى الوراء، ومد ساقيه. فى تقاطيعه تلك الوسامة
التى لا يعيبها شىء. وسامة فتى الشاشة معبود المراهقات الباحثات عن الشكل، بلاعمق.
أحسست أنه يتأهب لحديث طويل فانصرفت عنه. فتحت حقيبتى، وأخرجت منها الرواية التى
حملتها معى.
مر ما يقرب من نصف الساعة.
تردد صوت فى "الميكروفون" ينطق الكلمات مدغمة بحيث يصعب التقاطها. فحصت شاشة
المواعيد باحثا عن الطائرة التى سأصعد إليها. مازال أمامى متسع من الوقت. تلفت حولى.
الضابط الشاب مازال يهمس فى سماعة التليفون، مستغرق فى الحديث بكل كيانه. الصالة
شبه خالية، انتشرت فيها رائحة مألوفة. رائحة تفوح من مباول المراحيض التى لم يتم
تنظيفها، تتسلل إلى من خلف الكافيتريا جلس فيها بعض الرواد. أجدها فى كل مكان أذهب
إليه. فى نادى الجزيرة، ومقر الحزب. فى الصحف القومية، والمعارضة وفى دور النشر، فى
المستشفيات، والفنادق، والمدارس. فى الجوامع والبنوك والبيوت بما فيها الفاخرة منها.
إنها رائحة لصيقة بحياتى، لصيقة ببلادنا.. تذكرنى بالسجون التى ذهبت إليها. بوزارة
الصحة التى عينت فيها عندما خرجت من السجن بإدارة الوحدات الريفية خصصت لها حجرة
ملاصقة للمراحيض أسفل السلم الرخامى العريض الذى يرتفع إلى مكتب الوزير فى الدور
العلوى.
كلما استنشقتها اتساءل متى ندرك أن التقدم
الحقيقى ليس فى أثاث مكاتبنا، وفخامة بيوتنا، وشكل سياراتنا، والعطور التى نسكبها
على أجسامنا لنخفى عرقنا ولكن فى نظافة حماماتنا، فى التخلص من الروائح الكريهة فى
حياتنا، بدلا من التغاضى عنها أو محاولة اخفائها، بدلا من إهمال الجوهر، والاهتمام
بالشكل.
صعدنا إلى الطائرة.
كنت قد حجزت مقعدا إلى جوار النافذة قرب منتصفها عند مخرج الطوارىء ففى هذا المكان
تتسع المسافة بين صفى المقاعد، وهذا يسمح بمد الساقين إلى آخر مداهما، وإراحة الجسم.
إلى جوارى جلست امرأة شابة، بيضاء البشرة، مستديرة الوجه، بدينة الجسم. كتلة مكتنزة
من اللحم ملفوف فى جلباب كحلى اللون، وحجاب طويل من الحرير الأبيض محلى عند أطرافه
بشريط من "الدانتيلا". خلف العوينات التى كانت ترتديها لمحت عينين جاحظتين قليلا
فيهما لمعة. كانت تتطلع بثبات إلى ظهر المقعد المنتصب أمامها كأنها تتفادى الالتفات
إلى الجالسين بجوارها. اخرجت من حقيبتها الجلدية السوداء كتابا وفتحته. لمحت كلمات
العنوان تمتد ببنطها الغليظ فوق الغلاف. "زوجة المسلم التائب". تملكنى الفضول،
ورغبة فى استعارة الكتاب منها. تعودت الحديث مع من يجاورنى فى الطائرة يتيح لى
التغلغل إلى عوالم قد لا أجد فرصة أخرى للاطلاع عليها. فكم من الأحاديث الممتعة،
والمدهشة استغرقت فيها وأنا مسافر من بلد إلى بلد، لكن منظر جارتى هذه وعنوان
الكتاب الذى تقرأ فيه حذراننى من مخاطر الإقدام على التحدث إليها. أما هى فقد حسمت
الأمر. بعد أن قرأت بضعة سطور أغلقت عينيها وسقطت فى نوم عميق تاركة الكتاب ليقع
عند قدميها على الأرض.
قررت أن اترك نفسى لذلك السرحان اللذيذ الذى
يستولى على عندما أشعر بأننى معلق فى الفضاء الكونى بعيدا عن الأرض، ومشاغلها.
تذكرت أنه قبل أن أسافر بما يقرب من شهر اتخذت قرارا صعبا بالنسبة إلى، وهو أن
أتدرب على استخدام "الكومبيوتر" فى عملى الكتابى، فأنا من ذلك الجيل الذى لم يتعود
التعامل مع الوسائل التكنولوجية الحديثة. عندما كنت شابا كان أقصى ما وصلنا إليه
المذياع، والتليفون العادى. لكن فى الفترة الأخيرة تملكنى الإحساس بضرورة كسر
الجمود والعادات الذهنية التى استولت على، وبأهمية اقتحام العوالم الجديدة التى
تفتحت أمامنا مع التقدم الذى حدث فى المجال الإلكترونى، وفى فيزياء الأمواج،
والطاقة الكونية. أن أستفيد من إمكانيات الاتصال السريع، والمعرفة التى يوفرها لنا
استخدام الكومبيوتر فى عملنا.
وأنا لست من عبدة التكنولوجية الحديثة، ولا ممن
يظنون أنه يمكن أن تكون فى ذاتها مفتاحا للتقدم اذا لم نهتم بنوع الفكر الذى يحركها،
وإذا لم نربطها بواقعنا، وبامكانياتنا البشرية.
مع ذلك احسست أن التخلف فى استخدام وسائل العصر الذى أعيشه حتى فى المرحلة المتأخرة
من العمر التى وصلت إليها، وعن الاستفادة من الامكانيات العلمية الجديدة هو بمثابة
الاستسلام لنوع من الموت النفسى، والذهنى.
لجأت إلى أحد أصدقائى، فأرشدنى إلى مهندس
لأستعين به فى تركيب الكومبيوتر المناسب فى بيتى، وأعطانى بعض المعلومات الأولية
اللازمة لتشغيله. ثم رشح لى هذا
المهندس شابا يستطيع أن يحضر إلى لمدة أسبوعين فى مواعيد يومية منتظمة ليطلعنى على
أسرار الجهاز، وكيفية الاستفادة من إمكانياته. كما صرت أتدرب يوميا لمدة ساعة ونصف
على الكتابة باللغة الانجليزية، والعربية. بعد قليل تعلمت كيف استقبل الرسائل
الإلكترونية، وأبعث بردود عليها، كيف أقوم بفتح ملفات فى الكومبيوتر لتخزين
المعلومات، والوثائق، والدراسات التى أرغب فى الاحتفاظ بها، كيف أنقل دسكات
الموسيقى، أو افلام الفيديو إليه، وكيف أبحث فى مواقع "الإنترنيت" المختلفة عن
المعلومات والأبحاث، والكتب التى أحتاج إليها.
فى مدة قصيرة أصبح ما بدا مستحيلا بالنسبة إلى
قدرة عظيمة أضيفت إلى، دون عناء كبير، أو جهد وجدت نفسى وقد دخلت فى عالم مبهر لم
أكن لأتخيل مدى الأفاق التى يمكن أن يفتحها أمامى.
فأنا أستطيع الآن أن أستفيد من كنوز للمعلومات مختزنة فى أماكن بعيدة، وعلى نطاق
الكرة الأرضية تسهل لى البحث فى أى موضوع أحتاج إليه. أستطيع أن أتصل بأى شخص،
أوجهة فى العالم، وأتخاطب معه أو معها عن طريق ما أصبح يسمى بالبريد الالكترونى،
ولا تستغرق مثل هذه الاتصالات أكثر من دقائق أو حتى ثوان معدودة. و"الكمبيوتر" جهاز
من نوع فريد، لا بسبب إمكانياته فحسب، ولكن لأنه يجمع بين الجد واللعب، بين الجهد
الذهنى، ومتعة ليس لها حد. هكذا تخلصت من شعور بالعجز كان قد ألم بى. من إحساس بأن
الحياة تسبقنى وأنا اتفرج عليها.
قلت لنفسى وأنا جالس فى مقعدى أطل على جبال
وسهول إيطاليا الشمالية. حقا أنه عالم
مثير، وغريب. ها أنا أطرق لأول مرة وبعد عمر طويل هذه الآفاق العريضة، بينما إلى
جوارى تجلس هذه المرأة الشابة ملفوفة فى الحجاب، والجلباب الكحلى، غارقة فى نوم
عميق، وعند قدميها يرقد كتاب طبع عليه بالبنط الأسود الغليظ "زوجة المسلم التائب".
إنه تناقض يمزق المجتمع الذى نعيش فيه، ويجعلنا عاجزين عن استكشاف الطريق الذى يجب
أن نسيرعليه. فما زالت تتقاذفنا التيارات التى تهرول لاستيراد التكنولوجية الحديثة،
ومحاولة تقليد أنماط الحياة السائدة فى الغرب اكتفاءً بقشورها دون التعمق فيها،
وتيارات فكرية أخرى تريد أن تعود بنا إلى عصور مضت، ظنا منها أن التاريخ يمكن أن
يعيد نفسه، أن يقوم بتكرار ما عفى عليه الزمن، فأصبح عاجزا عن مواجهة سيطرة الشركات
المتعددة الجنسية التى تهيمن على رأس المال العالمى، والتكانولوجية الحديثة، وتركز
المعرفة العلمية بين أيديها.
|