spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

 الأهالى 12/9/2001

فقراء العالم يزحفون

 

فى بداية الخمسينيات من القرن الماضى كنت مسجونا سياسيا فى سجن مصر. لم يكن مصرحا لنا بقراءة الصحف، والمجلات. أحيانا كانت تقع بين أيدينا صفحة أو قصاصة من جريدة لف فيها أحد المسجونين "باكو" من الدخان، أو قطعة من الجبن، أو رغيفا من الخبز "الملكى"

          كانت هذه القصاصات تحمل إلينا أشياء متفرقة عما يدور خارج الجدران: إعلانا، أو صورة، أو خبرا، أو حادثة، أو جزءا من مقال. أشياء قد تبدو بلا أهمية، لكن بالنسبة إلينا كانت إحدى وسائلنا فى أختراق العزلة، والحصار المضروب حولنا. كنا نفحصها بأهتمام، ونعيد قراءة كل كلمة فيها مرات، ومرات، كأننا وقعنا على كنز ثمين.

          وأتذكر أنه فى أحد الأيام وقعت على صفحة مقطوعة من جريدة الأخبار فيها صورة لعدد من الرجال. كانوا يرتدون ملابس عسكرية قديمة، و"كابات". وكانوا قد أطلقوا لحاهم السوداء لتنمو دون تهذيب. تحت الصورة قرأت عدة كلمات تقول ما معناه أن هناك عصابة مسلحة مكونة من سبعة رجال هبطوا فى جزيرة كوبا. وكان الخبر منقولا عن وكالات الأنباء.

          لم يلفت الخبر نظرى، أو يثير فى رغبة لمعرفة ما هو أكثر عن هؤلاء الرجال. كورت الورقة، وألقيت بها فى جردل الفضلات المستخدم كمرحاض فى الزنزانة. لكن بعدها بسنين ثلاث زحف "فيدل كاسترو" ورفاقه ومن بينهم "تشى جويفار" على العاصمة "هافانا" على رأس جيش شعبى مسلح بعد أن حرروا مختلف أقاليم البلاد. أسقطوا حكم "باتيستا" الموالى للأمريكان، وأقاموا دولة "اشتراكية" فى الجزيرة التى تفصلها عن أمريكا مسافة لا تزيد عن مائة وعشرين كيلو مترا.

          عادت إلى هذه الصورة وأنا أِشاهد فى التليفزيون الزحف الشعبى الذى قاده "نائب الكوماندان ماركوس" ورفاقه الثلاثة والعشرون على مدينة "ميكسيكو سيتى" عاصمة المكسيك يوم 11 مارس الماضى. كانوا يرتدون هم أيضا ملابس عسكرية قديمة. أما وجوههم فلم تظهر لأنهم كانوا ملثمين. لم تكن معهم بنادقهم. جاءوا بلا سلاح. وفى الميدان الكبير خاطب نائب الكوماندان "ماركوس" الملايين الذين احتشدوا فيه مطالبا بحقوق الهنود.

          الأحداث التى تقع فى البقاع البعيدة والمحدودة من العالم لا تثير انتباهنا، ولا ندرك ما يمكن أن تحدثه من تغيير، ثم نكتشف بعدها بسنين أنها فرضت نفسها على العالم، وعلى مسار التاريخ وهذا ينطبق على الحركة التى نشأت منذ سنة 1993 بين الهنود الذين يعيشون فى جنوب المكسيك على حدود "جواتيمالا" . والهنود هم سكان المكسيك الأصليون. عاشوا فيها قبل الغزوات الإسبانية، قبل وصول الاستعمار القديم إلى أمريكا الجنوبية . إنهم يعيشون الآن فى منطقة مغطاة بالغابات الاستوائية، والمستنقعات المحاطة بالجبال. يعانون من أقصى درجات البؤس، والفقر والحرمان. منطقتهم اسمها "تشياباس". السكان فيها من أصول عرقية مختلفة لكنهم جميعا ينتمون إلى حضارة قديمة، لها تاريخ طويل. عددهم ثلاثة ملايين يشكل منهم السكان الهنود نسبة الثلث، أى مليون نسمة. هذا بينما منطقة "تشياباس" تحتوى على أهم حقول البترول، وعلى أكبر احتياطات الغاز فى المكسيك. كما توفر 40% من الطاقة الهيدروكهربائية فى البلاد.

          الحركة التى يقودها ماركوس ورفاقه اسمها حركة تحرير الزباتستة نسبة إلى القائد الوطنى القديم "إيميليانو زباتا" الذى قاوم الغزاة فى القرن التاسع عشر وقتل سنة 1912. لكن الحركة الجديدة بدأت منذ سبع سنوات بعد سقوط سور برلين سنة 1989، وانهيار الاتحاد السوفيتى فى 1991، أى بعد أن أخذت الرأسمالية تفرض عولمتها ما بعد الحديثة على سكان الأرض.

          فى ظل هذه الظروف العالمية أدرك "ماركوس" أن عصر الكفاح الشعبى المسلح الذى انتشر فى أمريكا اللاتينية أثناء النصف الثانى من القرن العشرين انتهى، وأن القارة، والعالم دخلا فى عصر جديد لم تعد فيه القوى السياسية فى البلاد المختلفة هى التى تحرك، وتوجه مسار الشعوب، وأنما قوى أخرى، هى القوى الأقتصادية الرأسمالية النيوليبرالية المهيمنة على السوق العالمى.

          لذلك أختارت "حركة تحرير الزباتيستة" يوم 4 يناير 1994 للظهور على الساحة السياسية فى المكسيك. فهو اليوم الذى وقعت فيه حكومات الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك اتفاقية السوق الحرة فيما بينها. وحركة الزباتستة، رغم أنها تحمل السلاح لم تستخدمه إلا مرة واحدة للدفاع عن نفسها عندما شنت جيوش الحكومة، والفرق المرتزقة للملاك الإقطاعيين هجوما مسلحا على مناطق "تشياباس" بهدف سحق هذه الحركة تماما. ولما فشلت هذه المحاولة أعلنت الحركة أنها ترفض اللجوء للسلاح، ولن تستخدمه أبدا إلا دفاعا عن نفسها أمام أى هجوم مسلح. إن أسلوبها هو التعبئة الجماهيرية على أوسع نطاق، فى منطقتها، وعلى نطاق المكسيك كلها، وخلق روابط واسعة مع الحركات الشعبية التى تقاوم العولمة الرأسمالية الموجهة لصالح حفنة من الأفراد، والشركات، والدول المهيمنة على شئون العالم.

          وفى هذا السبيل تستخدم حركة الزباتستة وسائل الأتصال الحديثة (الإنترنت) على أوسع نطاق، وتتحرك كفيلق من فيالق الصراع ضد العولمة. إنها جزء من التحركات التى حدثت فى سياتل، ودافوس، وجنوا، وواشنجتون، وبراغ، ونيس، وبانجوك، وبورتو اليجرى، وغيرها.

 

الزحف على عاصمة المكسيك

          بدأ الزحف الشعبى على مكسيكوسيتى يوم 24 فبراير 2001، خرج "ماركوس" ورفاقه الثلاثة والعشرون من غابة "لاكوندون" فى منطقة "شياباس"، وساروا فى موكب سلمى غير مسلح مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر فانضم إليهم الناس طوال الطريق إلى أن وصلوا العاصمة. أنه زحف يذكر بزحف "غاندى" ضد ضريبة الملح من مدينة "أحمد اباد" إلى شاطىء بحر البنغال التى أندلعت بعدها حركة عارمة ضد الاستعمار البريطانى فى الهند.

          أنضم إلى زحف "الزباتستة" شخصيات عالمية مثل "جوزى ساراماجو" الكاتب البرتغالى الحاصل على جائزة نوبل سنة 1998 وعضو الحزب الشيوعى، والمخرج السينمائى الأمريكى "أوليفرستون" (مخرج فيلم اغتيال كينيدى) والنقابى الفرنسى "جوزى بوفيه" رئيس اتحاد المزارعين الذى قاد مظاهرة فى جنوب فرنسا لإغلاق محلات "ماكدونلدز" والممثل الأمريكى "روبرت ريد فورد"، والكاتب "مانويل فازكاس مونتلبان" و"دانيل ميتراند" أرملة رئيس جمهورية فرنسا، و"سامى ناير" عضو البرلمان الأوروبى، وآخرون.

          فى طريقه إجتاز الزحف اثنتى عشرة ولاية من أفقر ولايات المكسيك، وعندما وصل إلى مكسيكوسيتى امتلأ الميدان الضخم الذى يتوسط المدينة بأكثر من مليون شخص من الرجال، والنساء، والشيوخ والأطفال.

          قال "ماركوس" فى وصف هذا الزحف: "هذا ليس زحف "ماركوس"، ولا زحف "حركة الزباتستة". إنه زحف الفقراء جميعا، وزحف جميع الشعوب "الهندية" فى العالم. زمن الخوف أنتهى. إن هناك معركة كبرى تخاض فى العالم هى بمثابة حرب عالمية رابعة. حرب بين أنصار العولمة المفترسة، وبين كل الذين يقفون بشكل، أو آخر ضدها. فكل الناس، والقوى، والأشياء فى العالم التى تحول دون أن تفرض هذه العولمة سيطرتها الكاملة، ودون أن تتوسع إلى أقصى مدى مهددة بالفناء. إن نظم، وقيم، وثقافة السوق تريد أن تفرض نفسها فى كل مكان. إنها تفرض نفسها ليس فقط على الحكومات، ولكن أيضا، على الإعلام، والمدارس، والأسرة . أنها لا تترك مكانا فى المجتمع للإنسان إلا بمقدار قدرته على الإنتاج، والشراء لصالحها. إنها تخرج من حسابها الجزء الأكبر من البشرية التى لا تستطيع الرأسمالية الانتفاع بها. وهذا ينطبق على السكان الأصليين فى أمريكا اللاتينية وعلى الهنود فى "شياباس". وغيرهم من القوميات، والأعراق المحلية . فالمطلوب هو القضاء عليهم. لذلك نحن مع جميع الفقراء فى العالم. مع كل القوى المناهضة لهذه الرأسمالية المعولمة.      

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism