spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

 الأهالي 6/6/2001

لن  نفترق

 

همسوا فى اذنى: إنها امرأة تكتب عن المحرمات .. تزوجت مرتين .. وطُلقت مرتين!. وهمسوا فى أذنها: إنه متمرد ومتآمر وخطير!. خرجنا .. لنسير إلى جوار النيل. صعدنا فوق جبل المقطم .. بعيداً عن الهمسات. سافرنا إلى البحر. تعانقنا تحت الشمس.. داوت جروحى الغائرة.

صباح اليوم السادس من شهر نوفمبر سنة 1963 صعدت السلالم الضيقة المظلمة خلف الشرطىالذى فتح لى باب الحجز فى قسم شرطة قصر النيل. فى هذه الغرفة المدفونة تحت الأرض، المليئة بالهواء الفاسد، المزدحمة بأجساد عشرات من المجرمين العتاة، والقوادين، وتجار المخدرات والشحاذين، والنشالين، والسكارى. فى هذه الغرفة التى لم يكن فيها سوى وعاء من الماء للشرب، ووعاء آخر للتبول، والإخراج امتلأ بفضلات الرجال قضيت ثلاثة أيام بلياليها تمهيداً للإفراج عنى.

كان هذا بمثابة التوديع الذى رتبته لى السلطات بعد أربعة عشر عاماً خلف قضبان السجن.

سرت على قدمى حاملاً كيس ملابسى، مجتازاً الشوراع المشمسة لحى "جاردن ستى" بللت خضرتها نقاط الندى اللامعة، عاجزاً عن إستيعاب حقيقة أننى أسير طليقاً فى مدينتى القاهرة تحت السماء الزرقاء المفتوحة، وسط أفواج من الأطفال يتجهون إلى مدارسهم فى الصباح، كأننى خلال سنين السجن فقدت قدرتى على الاحساس.

بعد الإفراج عنى بشهور أنعمت على السلطات بوظيفة فى وزارة الصحة فى أدنى الدرجات لأجد نفسى جالساً فى غرفة إلى جوار مراحيض الوزارة. كانت تشبه الزنزانة التى خرجت منها. على نافذتها قضبان، وفى أنفى رائحة المراحيض لم تغادرها كأن حياتى لم تتغير، كأنه لم يفرج عنى.

فى الغرفة خمسة مكاتب، وخمسة أشخاص ... مثل السجن تماماً. أربعة وأنا خامسهم. خلف كل مكتب يجلس شخص يقلب فى الأوراق، إن كانت أمامه أوراق، أو يحملق فى الفراغ متفادياً النظر إلى غيره. مكتبى أنا أصغرالمكاتب، وأكثرها قدماً، تشقق فيه القرص ليظهر الخشب العارى فتنغرس فى أصابعى الشظايا.

الوجوه الجالسة فى الغرفة، أو الداخلة إليها فيها خضوع شاحب. ماعدا وجهها هى لا أعرف كيف جاء إلى هذا المكان. يطل من خلف مكتبها هالة من الشعر الأبيض اللامع، وعينان سودوان واسعتان تشعان بالبريق، بطفولة متأججة وسط الملامح. كانت تنتمى إلى عالم آخر غير هذا العالم الساكن الكئيب. كذلك أنا. جئت إليه من عالم الزنازين، والأحلام الواسعة. همسوا إلي بأنها تزوجت مرتين، وطلقت مرتين، وأنها إمرأة تكتب عن المحرمات. وهمسوا إليها بأننى متمرد، ومتآمر، وخطير.

نظرت إليها، فنظرت إلي. تحدثت إليها، وتحدثت إلي. خرجنا من باب الغرفة، وسرنا إلى جوار النيل. صعدنا فوق جبل المقطم أعلى المدينة بعيداً عن الهمسات، والفساد، والمراحيض. سافرنا إلى البحر، وسبحنا فيه. تعانقنا تحت الشمس. داوت جروحى الغائرة فى اللحم. جعلتنى أنطق بعد أن تعلمت الصمت. جعلتنى أكتب ما لم أكتبه، وأدرك ما لم أكن أدركه. كانت لديها طفلة اسمها منى فاصبحت لها أنا الأب. تزوجنا. انجبنا ولدا. أنجبنا أخاً للأخت.

سبعة وثلاثون سنة من الزواج، سبعة وثلاثون سنة من الحوار، والحب، من العمل والجهد. سبعة وثلاثون سنة من المعارك خضناها جنباً إلى جنب. لم تعرف هى الراحة فى أى وقت. لا تطيق الظلم، ولا تسكت عنه. من أجل الصدق تفقد عملها، وتدخل السجن، وتواجه الحملات ضد سمعتها. من أجل الكتابة تفنى حياتها. تجلس الساعات الطويلة يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر لتخرج من بين أصابعها الطويلة المتوترة روايات، وقصصاً، ودراسات، ومقالات وبحوثاً وأحياناً مسرحيات أو شعراً. خمسة وثلاثون كتاباً هى حصيلتها. وما لم ينشر بعد وتراكم فى دواليبها ربما يفوق ما نشرته حتى اليوم. متأججة، متدفقة بالأحاسيس والفكر. كالنبع الذى لا ينضب، ولا يمكن إيقافه.

ومع كل هذا هى أم، وأى أم، صديقة وأى صديق. معاً صنعنا أسرتنا. أبنة كاتبة لها قلمها، وابن مخرج سينمائى مصر على الفن، مصر على الصدق مثل المرأة التى ولدته.

لكن منذ أسبوعين أو أكثر أو أقل رفع رجل "محامى" قضية حسبة ضد نوال السعداوى يطلب فيها التفريق بينها وبينى لأنها وفقاً لتصريحات المفتى خرجت فيما تقوله عن تعاليم الإسلام. ففى مصر الآن قوى سياسية تتستر بالإسلام لتفرض إرداتها، وتدعم نفوذها. قوى سياسية تريد أن تسكت كل صوت يعارضها. تنشر فكرها السلفى وتعزز مواقعها. تتغلغل فى أجهزة الدولة ومؤسساتها، إلى مجلسى الشعب والشورى، إلى وسائل الإعلام، والنشر، إلى أجهزة التشريع، والقضاء، والشرع، وإلى القطاع المدنى عن طريق النقابات المهنية، والجمعيات الأهلية المختلفة.

إنها تزحف إلى السطلة خطوة بعد خطوة ببطء بعد أن تعلمت الدرس، بعد أن أدركت أن الشعب المصرى يكره العنف، لجأت إلى إرهاب الفكر، ومحاصرته. إلى محاولة القضاء على كل رأى حر. فالأصولية ليس سوى الوجه الآخر لعولمة السوق، وثقافة الإستهلاك، والجنس. الأصولية تشغلنا فى معارك جانبية. تنحرف بنا عن معارك فلسطين، والعراق، ولبنان، وسوريا ضد الخصوم الذين يسعون إلى حصارنا. عن مواجهة المشاكل الاقتصايدة والاجتماعية التى تهدد مستقبلنا. تسىء إلى سمعة الإسلام والعروبة، وتمهد للهجمات التى تتوالى علينا من إعلام الغرب، ودوائر الحكم الأوربية، والأمريكية.

ليست هذه المرة الأولى التى تتعرض فيها نوال السعداوى لحملات من هذا الصنف. فهى لم تكف عن خوض المعارك ضد القوى الدولية والمحلية التى تقهرنا، وتعمل ضد مصالح شعوبنا. وفى الفترة الأخيرة تزايد نشاط القوى السلفية فى مصر مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة التى يعانى منها الشعب، والردة الثقافية التى مهدت لها سياسات الأنظمة المتعاقبة فى مصر، وساندتها القوى المهيمنة فى الغرب. فتوالت الإجراءات ضد العناصر المتقدمة فى الثقافة، وقامت السلطات بمصادرة عديد من الكتب ومنها أربعة كتب لنوال السعداوى تمت مصادرتها فى معرض القاهرة للكتاب فى أواخر يناير سنة 2001 رغم أنه سبق نشر هذه الكتب فى مصر. ومن بين هذه الكتب سيرتها الذاتية "أوراقى .. حياتى" التى نشرت فى إحدى دور النشر الحكومية (مؤسسة دار الهلال) وقامت دار الآداب بنشرها فيما بعد.

إن رفع قضية للحسبة ضد نوال السعداوى للتفريق بينها وبينى تأتى بعد مرور سنين على قضية المفكر نصر حامد أبو زيد الذى أجبر هو وزوجته على مغادرة البلاد، مؤشر على المخاطر التى تواجه كل صوت حر فى مصر، وسيف مصلت على رقاب المثقفين والمفكرين تحتفظ به الحكومة بين أيدى النائب العام بعد أن كان مستباحاً لأى فرد يريد أن يلجأ إليه ضد من لا يرضى عن آرائه. فإذا قرر النائب العام تحويل هذه القضية إلى المحكمة، وإذا نجحت السلفية فى تنفيذ ما تدبره لن يسلم أحد بعد اليوم من هجماتها. كما سيكون مثل هذا الإجراء وصمة مشينة ستلحق بالنظام السياسى والقضائى فى مصر.

أما فيما يتعلق بنا أنا، ونوال السعداوى، فرغم المخاطر التى نواجهها، لن ينجح أحد فى إرهابنا. سنبقى فى مصر، ولن نغادرها. إنها بلدنا، ولدنا، وترعرعنا فيها. نهلنا من تاريخها ومن إبداعها. أعطت لنا قليلاً من السعادة، وكثيراً من الحزن. لكننا أخترنا هذا الطريق ورضينا عنه. سنحافظ على علاقتنا وعلى أسرتنا. لن نترك للفساد الذى استشرى فى مجتمعنا فرصة للنفاذ إلينا. لن نفترق أبدا. هذا ما قررناه معا نوال السعداوى وأنا.ً ولا توجد قوة تستطيع أن تغير قرارنا.

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism