|
الأهالى 14/7/1999
حزب المستقبل و الطريق
الثالث
بضاعة بائرة تنتقل إلينا
من الغرب ..
بعد أن ولدت وماتت بالسكتة القلبية فى موطنها ...
وقد استوردوا هذه البضاعة مع اللحم الفاسد بعد أن لفظتها
الرأسمالية الدولية.
تواترت الأخبار فى الأونة
الأخيرة عن قرب تكوين حزب جديد سيعلن عنه فى بداية الخريف.
قيل إن اسمه سيكون حزب المستقبل، وهو ذات الإسم الذى اختاره
المرحوم "فرج فوده" لمشروعه
القديم، إنه لن يكون معارضاً لحزب الحكم، وإنما مختلفاً عنه,
إنه سيتبع ما يسمى بالطريق الثالث الذى كتب عنه بعض المنظرين فى
الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وعلى الأخص فى حزب العمال الإنجليزى.
ثم تبناه "تونى بلير"
بحماس فتر مع الوقت.
سعدت بهذا الخبر، قلت لنفسى
ربما يبث هذا الحزب إن تمت الموافقة عليه، قدراً من الحيوية فى الحياة السياسية.
وفى الوقت نفسه أثارت عندى هذه الأخبار بعض التساؤلات.
فقد علمتنى التجارب أن الأسماء، والألفاظ لا تدل دائماً على
حقيقة الشىء "فالأحرار الدستوريون"
لم يكونوا أحراراً، ولا دستوريين.
وصدقى باشا رئيس حزب الشعب ألغى الدستور وأطلق الرصاص على أناس من الشعب، أو وضعهم
فى السجن. لذلك فإن كلمة "مستقبل"
أو تعبير "الطريق الثالث"
ربما يؤديان إلى تطورات إيجابية فى الأوضاع التى نعانى منها.
الدولة والسوق
لا شك أن البيروقراطية
الحكومية، والإدارية فى مصر تقيد حرية الحركة، والمبادرة فى بلادنا.
إنها تضر بمصالح المواطنين والمواطنات، وتثقل عليهم بتخلفها،
وفسادها. هذا الجانب لا يمكن إغفاله.
لكن هناك جانباً آخر يجب الالتفات إليه.
الشركات المتعددة الجنسية فى أوروبا، وأمريكا، واليابان تريد أن
تطلق يدها اقتصادياً، وسياسات فى بلادنا، وأن ترفع جميع القيود على الاستثمار،
وجميع الالتزامات الضريبية، والجمركية، والقانونية، والاجتماعية حتى تستطيع أن تحقق
الحد الأقصى للربحية، والتراكم الرأسمالى وتنقله إلى بلادها.
وذلك على حساب نمو السوق الوطنى، وعلى حساب الذين تربط مصالحهم
بهذا السوق ابتداءً من المواطن العادى مروراً بالطبقة المتوسطة حتى الرأسمالية
الوطنية المنتجة، أو التجارية.
هذا هو سر الصراع الدائر مع
منظمة الجات، ومنظمة التجارة العالمية اللتين تريدان أن تصبح مصر أرضاً
"مفتوحة"
أمام غزو الرأسمالية، ونشاطها، وعلى الأخص أمام رأس المال
الأمريكى.
ومن هذه الزاوية فإن
"عصلجة"
الحكومة،وبعضالوزارات،والإداراتالمصريةأمامالطوفانهى"عصلجة" إيجابية تدافع ولو عن
قدر يسير من المصالح الوطنية أمام قوة عالمية جبارة تملك من وسائل التأثير والضغط
ما يصل إلى فرض الحصار، أو تغيير الحكومات والحكام خصوصاً فى غيبة الوعى، والقوى
المنظمة للشعب، وهى "عصلجة"
أججتها الانهيارات الاقتصادية التى أصابت عدداً من البلاد الآسيوية.
لذلك فإن الحديث عن حزب
جديد تقف وراءه بعض الدوائر الرأسمالية الكبيرة فى مصر، قد يعكس التعاون المتزايد
بين هذه الدوائر، وبين الشركات المتعددة الجنسية التى تريد أن تلتف حول المقاومة
التى تبديها القوى السياسية الحاكمة فى مصر.
فمثل هذا الحزب يستطيع أن يضغط على الحكم، وأن يشارك بشكل
متزايد فى تحديد القرارات المصيرية. بل أن يصبح فى يوم
من الأيام البديل " الحر "
الذى تبحث عنه المصالح الغريبة لتقترن "النيوليبرالية"
فى الاقتصاد "بنيوليبرالية"
فى السياسة.
إن الأزمة التى انقضت على
عدد من البلاد الآسيوية كانت حصيلة عوامل محلية وعالمية، ومن بينها عامل لم تبرزه
الصحافة المصرية.
ذلك أن حكومات اليابان، وكوريا الجنوبية، وماليزيا، وإندونسيا
كانت تلجأ إلى قدر لا يستهان به من التدخل المالى، والإدارى، والقانونى لحماية
وتشجيع النمو الرأسمالى الإنتاجى الذى حققته هذه البلاد، مما جعلها قادرة على
المنافسة فى السوق العالمى. ولم تكن أمريكا راضية عن هذه
الحماية لأنها كانت تقف حائلاً دون تحقيق مصالحها على النحو الذى يرضيها، ودون
إدخال هذه البلاد بشكل كامل فى إطار السوق الواحد الحر الذى تريد أن تسيطر عليها
دون عوائق. لذلك سعت إلى تقويض هذه التجربة الآسيوية،
وإلى استئناس النمور التى أفلتت من عقالها. دفعتها إلى
الاستثمار بلا رابط ولا حد كجزء من السباق المالى، وعندما بدأت بوادر الأزمة سحبت
قروضها القصيرة الأجل، وأغرقتها بسلسلة من المضاربات فى الأوراق المالية، والنقد.
كانت الأزمة الآسيوية إلى
حد كبير حصيلة صراع شرس بين أمريكا، وبين الدول التى حاولت أن تتبع سياسات اقتصادية
يصبح فيها تدخل الدولة أحد أركانها.
حقيقة أم وهم؟
فى مرحلة الحرب الباردة بين
الاتحاد السوفيتى، وأمريكا اتبعت البلاد الرأسمالية الغربية سياسات كانت تستهدف
بناء ما سمى "بدولة
الرفاهية"، وقد تطلبت هذه السياسة تنازل الرأسمالية عن
جزء من مكاسبها لصالح العاملين، والفئات الوسطى فى المجتمع، وبذلك استطاعت أن توفر
لهم ضمانات وخدمات اجتماعية ترفع مستوى المعيشة ( حد
أدنى للأجر ، علاوات، معاشات، مكافآت، تأمين صحى، وتأمين ضد الوفاة والعجز،
والحوادث، حقوق للمرأة، والأطفال، والمسنين ).
وكان الهدف من هذه السياسات
ازدهار الاستثمار الرأسمالى فى سوق تتدعم فيه القوى الشرائية، ومواجهة التحدى الآتى
من "المعسكر
الاشتراكى" الذى كان يدعى أنه يبنى نظاماً اقتصادياً،
واجتماعياً فيه مساواة وعدل، وكانت هذه العوامل تلعب دوراً فى تقوية الحركات
السياسية والاجتماعية ضد مظاهر القهر والاستغلال مما أجبر الرأسمالية على تقديم هذه
التنازلات.
ولكن بعد أن انهار النموذج
السوفيتى أحسست الرأسمالية أنها تستطيع أن تفرض إرادتها.
أصبحت القطب الأقوى بلا منازع.
وساعدها فى ذلك التقدم العلمى الذى كان يتيح لها زيادة الإنتاجية على نحو لم يسبق
له مثيل، والاستغناء عن قدر متزايد من القوى العاملة، والتوفير فى المواد الخام
اللازمة للإنتاج، وتزييف الوعى على نطاق واسع عن طريق وسائل الإعلام بحيث تتقبل
الشعوب ما يحدث لها من مشاكل بسبب البطالة، والإفقار الواسع النطاق.
عندئذ سعت الرأسمالية
الدولية إلى رفع ما تبقى من قيود على نشاطها، وتحرير الاقتصاد على نطاق العالم، إلى
إلغاء دولة الرفاهية، وتدخلاتها، وتحقيق السوق العالمى الحر تتصرف فيه الشركات
الدولية الكبرى حسب رغباتها.
وفى هذه المعركة لجأت فى السنين الأخيرة إلى الأحزاب الاشتراكية
الديمقراطية لتنفيذ سياساتها. لتحكم باسمها، وتحقق
مصالحها من خلف واجهاتها. وجدت عندها قادة أكثر عصرية،
ومرونة، وحنكة فى التعامل مع الجماهير، ووجدت فيها قدرة على المناورة والإقناع لم
تجده عند اليمين الجامد الضيق الأفق. لم يعد اسم الحزب
الذى يحكم مهما، ولم تعد كلمة الاشتراكية تخيفها. على
العكس يمكن أن تساعد فى عمليات التضليل، والإخفاء فى تمرير السياسات التى تريدها.
وهى تستطيع أن تضلل الناس
إلى حين، ولكن يأتى الوقت الذى ينتبهون فيه إلى ما يحدث خصوصاً إذا كان مطلوباً
منهم أن يتنازلوا عما حصلوا عليه.
لذلك كان لابد من البحث عن كلمات جديدة، وشعارات جديدة، وواجهات
جديدة تؤجل المواجهة، وتعطى أملاً للناس كأنهم لم يصلوا بعد إلى "حارة
سد".
هكذا ظهرت نظرية
"الطريق الثالث".
لم تكن سوى نوع من العودة إلى مجتمع الرفاهية الذى تحدثنا عنه،
إلى قدر من التدخل من قبل الدولة فى الاقتصاد، إلى ضمانات اجتماعية تخفف أعباء
الحياة وأشياء أخرى من هذا الصنف. لكن النظرية بعد أن
ولدت ماتت بالسكتة القلبية، ولم يعد الغرب يتحدث عنها إلا أحياناً، وبصوت أقرب إلى
الهمس. ماتت لأن الرأسمالية الغربية بعد أن أفلتت اللجام
لم تعد مستعدة للتوقف عند حد. انطلقت شهواتها، إنها لا
تريد أن تكبح جماحها. أصبحت محكومة بمنطق النظام الذى
يجعل الكبار يخوضون الصراع بعنجهية من فقد توازنه.
أما هنا فى مصر فقد انتقلت
إلينا هذه البضاعة البائرة المسماة
"بالطريق الثالث"
تلقفها بعض "مفكرينا"
الذيندأبواعلىنقلمايقرأونهفىكتاباتالغرب،ونصبواأنفسهم"منظرين" أو "مفكرين"
على الغلابة أمثالنا. استوردوا
"الطريق الثالث" مع اللحم
الفاسد بعد أن لفظتها الرأسمالية الدولية أحست أنها تستطيع أن تتصرف كما تشاء
بعيداً عن الدولة وأجهزتها. أن تصنع هى قواعدها
وتنظيماتها مثل منظمة التجارة العالمية، والناتو، والبنك الدولى، وصندوق النقد تعمل
كلها من فوق رؤوس الحكومات وشعوب الأرض.
فترى ما هو "الطريق الثالث"
الذى سيعمل "حزب المستقبل"
على تحقيقه؟ سؤال مطروح سننتظر منه أن يجيب عليه عندما تحين
الفرصة ليمارس نشاطه.
|