|
الأهالي 9/12/1998
أجراس الخطر تدق عاليا في آذاننا
فقد الكثير
اتزانهم في
"الهوجة"
العالمية للمضاربة..أعماهم
الجنون الاستهلاكي
والبحث عن المتعة
السريعة و"عقدة
الخواجة"…
قد تكون بعض عناصر الموقف في مصر مختلفة.
فمازلنا في منتصف الطريق إلى الخصخصة الكاملة، والمقاومة لآثارها، وإجراءاتها
مازالت قائمة من قبل القطاعات التي تضار من تطبيقها.
وما زالت الدولة تملك قدرات على التدخل ورثتها
من عهود مضت.
وما زالت البنوك، وشركات التأمين، أي جزء مهم
من مدخراتنا وأموالنا لم يتم تخصيصها، وكذلك بعض القطاعات المهمة الأخرى، مثل قناة
السويس، والطاقة وغيرها. ومع ذلك فمصر
ليست بمنأى عما يحدث في العالم خصوصا بعد الخطوات التي اتخذتها "لتحرير الاقتصاد"
وتطبيق السوق الحرة، وتنفيذ توجيهات البنك الدولي الذي ما إن دخل بلدا من البلاد
إلا وجر عليها الخراب. فالخطر يضرب عادة في أضعف الحلقات. أي في بلاد الجنوب. وربما
حمانا حتى الآن أننا لم نصل بعد إلى نهاية هوجة "السوق الحرة"، ورغم وتيرتها
المتسارعة. وهذا يسمح لنا بأن نضغط على "الفرامل" وأن نبدي مقاومة. أن تتم خطوات
الخصخصة التي لا مفر منها في حدود مدروسة، وبخطوات متمهلة. أن نستفيد من الموجة
المعادية "للسوق الحرة" التي سببتها الكوارث المتتالية، ومن جنوح دول وأنظمة كثيرة،
ودوائر اقتصادية مهمة إلى التريث ألا نسير وراء جنون "كماديسوس" رئيس البنك الدولي
الذي لا يري في كل ما حدث مبررا لإعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي قادت إلى
الأزمة، لأنه ارتبط بها ويدافع عن موقعه على حساب ملايين الجوعي. أن نستفيد مما
أصاب غيرنا، لإنقاذ ما تبقي لنا من أمل، لا في القضاء على مشاكلنا، ولكن على الأقل
لتخفيف الآلام التي تنتظرنا. فهذه مسئولية كل عاقل يملك أدني قدرة على التحرك.
مسئولية كل عاقل في الدولة، وكل رأسمالي لم يصب بحمي المضاربة. ففي هذه الأيام هناك
تراجع واضح عن كثير من النظريات التي اعتبرت حقائق ثابتة لا تقبل النقاش، أو
المراجعة. عن المذهب المتحجر لليبرالية الذي كان سائدا في الدوائر الاقتصادية
العليا، وأتباعها، والتي كان يرددها الكثيرون من الساسة والمفكرين، و"الخبراء"،
والصحفيين، والمنتمين إلى "النخبة" الذين كانوا ينعتون الأصوات المحذرة من مغبة "السوق
الحرة" بالتخلف والجمود، وعدم رؤية حقائق العصر.
فقد وقع الليبراليون الجدد في نفس الخطأ الذي
كانوا يتهمون المفكرين اليساريين بالوقوع فيه، أي في الانحراف الاقتصادي الذي يري
أن الاقتصاد وحده هو المحدد لمسار المجتمع، ومستقبل الأمم، وأنه يوجد نموذج واحد،
هو النموذج الأمريكي يجب أن نتجه إليه، وكأنه الكعبة.
تماما كما كان يفعل العديد من اليساريين في التوجه الحرفي نحو نموذج الاتحاد
السوفيتي، قبل أن ينهار على رؤوسنا.
هكذا أصبح النموذج الرأسمالي الغربي نموذجهم
الأوحد رغم الخبرات والمعارف المتراكمة عبر العصور، ورغم دروس التاريخ المتوالية
التي تدل على استحالة لحاق البلاد "المتخلفة"
بالدول المتقدمة اعتمادا على الأساليب، والسياسات الاقتصادية نفسها. تلك الدروس
التي تقول لنا إن الخصائص المميزة لكل مجتمع، وأن التركيب الاقتصادي الاجتماعي
الثقافي التاريخي يلعب دورا أساسيا في تحديد مناهج، وخطط واتجاهات التنمية. ورغم
أهمية العوامل الاجتماعية، والثقافية والسياسات في طرق البناء الذي تملكه البلاد
وعلى الأخص البلاد النامية، وفي اختيار أساليب التنمية الملائمة لها، فلكل بلد
طريقه الخاص إلى الرأسمالية أو الاشتراكية على حد سواء. وحيث أن الاشتراكية مازالت
بعيدة المنال فلنبحث إذن عن طريقنا الخاص إلى الرأسمالية بدلا من أن نختلف حول
موضوع الاشتراكية.
لقد فقد الكثيرون اتزانهم في الهوجة العالمية
للمضاربة، وللأموال تجري هنا وهناك في مسالكها المتباينة.
للمصالح الآنية أنستهم ما يمكن أن يحدث بعدها. أعماهم الجنون الاستهلاكي، والبحث عن
المتعة السريعة، وحملات الإعلام والإعلان، وعقدة الخواجة وعلمه، والبشرة البيضاء
والسيقان العارية تظهر من "الفستان" المفلوق حتى السرة، أو من الخلف، وصوت "مادونا"
فيه بحة أعمت مفكرينا، واقتصاديينا، وأعضاء برلماننا، والمسئولين عن شئوننا، عن
رؤية حقيقة البلونة الملونة الضخمة لاقتصاد عالمي يكرس 97% من استثماراته السنوية
للمضاربة و 3% فقط للإنتاج والتجارة المتبادلة. وهي البلونة التي نتفرج عليها الآن
وهي تنفجر أمام أعيننا لتحكم على الملايين بالجوع والتشرد.
ومهما كانت محدودية التفكير عند الذين يتولون
أمورنا، فالشيء المثير للدهشة هو كيف أمكن
"للخبراء" في العالم، وعندنا من أن يفرضوا علينا
الاعتقاد بأن دروس التاريخ لم تعد واردة، وأنه يمكننا الهروب منها. بأن المجتمع ليس
سري عجينه يمكن تشكيلها وفقا لقوانين الاقتصاد وحدها، أو لرغبات موظفي البنك الدولي،
يأتون إلينا بالتعليمات، بأن السوق الحرة والإعلام كفيلان بخلق عالم واحد متناسق،
ينعم فيه البشر بالرفاهية، بأن التحديث سيحدث عن طريق التكنولوجيا المستوردة
والخصخصة، وأن تجربة ثورة يوليو في بلادنا ليس فيها شيء على الإطلاق يمكن أن يصلح،
أو أن نستفيد منه. إنها لم تكن في حدودها تعبيرا عن واقع مازلنا نعيشه إلى حد كبير،
واقع التخلف، فرضه علينا استعمار قديم وجديد، والمتعاونون معه. تخلف يمكن أن تحله
العصا السحرية "للسوق الحرة" بينما ما نحتاج إليه أكثر من أي وقت مضي هو تفكير
مستقل، مبدع يجمع بين التجربة الماضية، وظروفنا الخاصة، وبين تطورات العصر في عالم
يتغير بسرعة.
ماذا نفعل؟
إن تدهور الإنتاج الصناعي والزراعي في بلدنا
وانخفاض مستوي نموه إلى الصفر. إن وجود
ما يقرب من أربعة ملايين عاطل، أغلبهم من شبابنا، والصراعات العلنية، أو الكامنة في
الريف، حول الإنجازات وتوزيع الدخل الناتج عن زراعة الأرض، والأسعار الصاعدة
للمبيدات، والبذور، والسماد، والمستلزمات الأخرى، وزيادة الهوة بين الأغنياء
والفقراء يوما بعد يوم، تنذرنا بأننا لسنا في مأمن عن مخاطر الأزمة في اقتصاد عالمي،
أجزاؤه متداخلة.
إن كل هذا الذي يحدث في آسيا، وروسيا، وأمريكا
اللاتينية ويهدد بالانتشار إلى مناطق أخري يجب أن يدفعنا إلى إعادة التفكير في
خطواتنا، إلى أن تقوم الدولة بعملية مراجعة شاملة، وألا تظل معلقة
"بسبنسة" البنك الدولي أو خبراء وكالة المعونة
الأمريكية فهم على استعداد للتضحية بنا إذا ما ساعدهم هذا في الإفلات من بعض، أو كل
نتائج الأزمة. تلك الأزمة التي لن تشمل المواطنين العاديين وحدهم وإنما ستمتد إلى
الطبقات المتوسطة وإلى فئات رأسمالية مهمة، كما حدث في البلاد التي اجتاحتها الأزمة.
إن كل هذا يتطلب التشاور، والتعاون، والدراسة
المتبادلة على أوسع نطاق بين الحكومة وأحزاب المعارضة، والمؤسسات، والجهات المستقلة
يتطلب تعبئة كل القدرات. فالكارثة إن
جاءت ستعم، ولن يفلت منها سوي القلة التي تستطيع أن تلحق بأموال هربتها إلى أمريكا
أو أوروبا.
يستطيع
"التجمع" مع غيره أن يدعو إلى مؤتمر اقتصادي لمناقشة،
ودراسة السياسات التي يجب اتباعها لمواجهة عواصف الأزمة قبل أن تصل إلينا، وأن ينشئ
مجموعة عمل من اقتصاديي الحزب وغيرها بهدف المناقشة والبحث، ودراسة إمكانية عقد هذا
المؤتمر، ودعوة ممثلي مختلف الجهات المعنية، بما فيهم ممثلون عن الفئات الرأسمالية،
ليساهموا في إعداده منذ البداية. فكل حركة فكرة صغيرة تبدأ ثم تنمو.
|