آخر
كلام
مدرسة
الباليه المائى
وبائع الخس
شريف
حتاتة
14.5.2006
أنا عضو فى أحد نوادى القاهرة .
انضممت إليه سنة 1948 عندما كنت طبيبا فى مستشفى القصر العينى الجامعى ، أى منذ
ثمانية وخمسين سنة وذلك
حتى يمكننى
ممارسة بعض الألعاب الرياضية.عندما أنتهى منها أنصرف فليست لى علاقات مع الأعضاء
الآخرين اكن أحيانا عندما يصفو الجو ، وتتراقص أوراق الشجر فى النسيم ، أجلس على
مقعد من الخيزران وأسرح ، أو أتأمل التغييرات التى طرأت على الأعضاء والعضوات ،
أو على أنواع الناس المنضمين إليه .
عشت فيه فترة قصيرة أثناء عصر
الملكية والاحتلال الإنجليزى . كانت عضويته إذ ذاك مقصورة على أبناء وبنات الأسر
الأرتسوقراطية . هذه المرحلة انتهت سريعا بالنسبة الى فقد قررت هذه
الأرتستوقراطية أن مكانى الطبيعى ليس بينهم وإنما بين المجرمين فى سجن مصر .
فى يوم 23 يوليو سنة 1952 استولى
أبناء الطبقة الوسطى من ضباط الجيش على الحكم . لكن رغم خلافاتهم مع بشاوات القصر
والإقطاع والرأسمالية الكبيرة كانوا متفقين معهم فى بعض الأمور ، ومنها أن المكان
المناسب لى ليس ملاعب النادى الخضراء وإنما "ليمان طره" ، أو سجون "الواحات
الخارجة" و "المحاريق" فى أقصى جنوب الصحراء .
بعد أن أديت مدة العقوبة التى
رأى المجلس العسكرى أنها كافية لكى أتعلم الدرس ، وأكف عن نشاطى الهدام ضد محتمع
المثل العليا ، والعدالة والحرية الذى يقوم فى مصر ، أفرج عنى فعدت الى النادى .
ذلك لأننى مؤمن بأهمية الرياضة فى الحفاظ على صحة البدن والعقل خصوصا فى ظل نظام
يبذل قصارى جوده للقضاء عليها .
هكذا أتيح لى أن أشاهد من جديد
التغييرات التى حدثت فى الفئات المنضمة اليه ، وهى مكونة الآن بشكل أساسى من
رجال أعمال ومهنيين فى أعلى مستويات المجتمع ومن أسرهم . انهم جميعا جزء من
الفئات المرفهة فى المجتمع ، متداخلين مع السلطة الى أقصى حد رغم الضيق الذى
يبدونه إزاءها . وفى هذه الأيام حيث تداخلت الأمور وأصبح من الصعب التمييز بين
اليسار ، واليمين ، والوسط ، لا غضاضة فى أن أكون عنصرا مقبولا فى صفوفهم رغم
اختلافى معهم .
فى عيد أول مايو عندما كان بعض
العمال يتظاهرون من أجل حقوقهم ويضربون ضربا عنيفا من قبل رجال البوليس ، كنت أنا
فى حمام السباحة . وفى هذا اليوم أقام المسئولون فى النادى بطولة فى السباحة و
"الباليه المائى" المستورد من بلاد الكفر . وذلك لعدد من بنات المدارس الإعدادية
الخاصة جدا . كان الحمام مزدحما بعشرات من البنات الصغار اللاتى لم يتوقفن عن
القفز الى الماء ، والخروج منه لتقفزن اليه من جديد ، أو عن السباحة فيه ، أو عن
مد أذرعتهن وسيقانهن خارج المياه فى حركات توقيعية رشيقة على نغمات الموسيقى
الصاخبة المستوردة هى أيضا من الغرب . هذا بينما جلست الأمهات المحجبات على
جانبى حوض السباحة لتشاهدن براعة بناتهن فى أداء مختلف الألعاب . كل هذا فى جو
احتفالى مشحون بالصرخات ، والصفافير ، والنداءات التى تصم الآذان فقد تعودنا أن
نقيس مستوى النشاط الذى نقوم به بكمية الضجة التى يحدثها .
كنت أنا غاطسا فى الجزء المتروك
من الحوض لسباحة الكبار عندما لاحظت امرأة شابة فى العشرينات من عمرها واقفة على
حافة الحمام . كانت ترتدى ثوبا مكونا من قميص طويل وبنطال ضيق قماشهما الفزدقى
الفاتح جدا ، تتدلى منه "الدانتلا" فى بعض أجزائه . حول رأسها وعنقها كانت ترتدى
حجابا من القماش نفسه ، وحول أحد أصابعها خاتما مزودا بفص أخضر اللون كبير الحجم
.فى ملامحها البيضاء وسامة فتيات الغلاف
كان من الواضح أنها مدربة
الأطفال وبدا عليها و أنها من أسرة مرفهة . كانت تلقى عليهن توجيهاتها بصوت عصبى
صارخ وباللغة الإنجليزية قائلة : "كام هير" (تعالى هنا) ، "وان ، تو ، ثرى ، فور"
(واحد ، اثنين ، ثلاثة ، أربعة ) "إيديوت" (ياعبيطة) ، "ستيوبيد" (ياغبية) ، "يو
آر نو جود" (انتى مش نافعة) وهكذا .
ابتعدت عن مكان التدريبات لأواصل
السباحة وقرب الساعة العاشرة والنصف تركت النادى . كانت معى بعض الأوراق التى
أردت تصويرها فاتجهت الى حى "حدائق شبرا" الذى أسكنه منذ عشر سنوات . وهذا الحى
رغم التغيير الكبير الذى حدث فيه مازال يحتفظ بأجزاء خلفية توجد فيها بيوت وشوارع
هادئة تظللها الأشجار . وفى أحد هذه الشوارع حانوت لبيع الخردوات مملوك لشيخ معمم
وضع فيه جهازا للتصوير .
ركنت سيارتى بالقرب من الحانوت .
هبطت منها وأعطيته الأوراق ثم عدت لأجلس فيها . كانت السيارة مركونة بجوار جامع
وبعد الجامع بقليل كانت توجد مدرسة .
جلست فيها أشاهد ما يدور فى
الشارع . بعد قليل فتح باب المدرسة وتدفق منها أعداد من البنات الصغار ،
"مراييلهن" الزرقاء الفاتحة نظيفة ، وشعورهن مضفورة ، أو ممشطة بعناية . سرن فى
الشارع بهدوء ، تتحدثن سويا ، أو صامتات . بين الحين والحين أسمع ضحكة لها رنين ،
ضحكة مشرقة مثل شمس الصباح .
أمام الجامع توقفت عربة "كارو"
يجرها حصان . كانت تحمل أكواما من الخس . هبط منها "العربجى" أسمر اللون ، نحيف
الجسم يرتدى عمامة ممزقة وحول وجهه لحية سوداء تركها تنمو كما تشاء . لمحته يلقى
بنظرة الىّ ، سواد عينيه فيه بريق ، وفوقهما تمتد حاجبان بارزتان . أخذ يرش الخس
بالماء من كوز وبالتدريج توافد عليه الناس . بنت مراهقة ملأت ذراعيها بالخس ، رجل
فى مقتبل العمر ، شعره أشيب . ابتاع سبعة أو ثمانية "عيدان" ثم سار فى الشارع
وعلى وجهه رضى بما يحمله الى البيت . شاب يرتدى قميصا ، وبنطالا توقف على الرصيف
، فأعطاه قلب أحد "عيدان" الخس توقف يمضغه .
كان الجو جميلا ، وأشعات الشمس
تخترق أوراق الشجر ذهبية اللون . بالتدريج اختفى كوم الخس من على العربة ، ولم
يبق سوى القليل منه . فتناول "العربجى" عودين تقدم بهما ووقف الى جوار الحصان ثم
أخذ ينزع الأوراق الواحدة بعد الأخرى ليطعمه بواحدة منها ، ويمضغ هو الأخرى ،
هكذا بالتناوب .
ظل واقفا الى جوار الحصان كأنهما
رفيقان شاخصا أمامه سرحا فى شىء . أرى الحصان يمد "خشمه" اليه ليلتقط أوراق
الخس ، وأنا جالس فى السيارة أشاهد ما يدور ، فأشعر بالراحة تتسرب الىّ بأن هذا
الشارع الصغير بناسه ، بالأطفال اللاتى مررن علىّ ، بسائق العربة ، وحصانه والخس
أصبحت فى هذه اللحظة جزءا منه وإنه سيبقى معى أينما ذهبت .