spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

Back to Dr. Hetata's main articles page

الأهالى 23/7/2003

عن الثقافة ومؤتمر المثقفين

منذ أيام سافرت إلى بلدتى "القضابة" قرية تطل على ترعة "الباجورية" وعلى نهر النيل يستغرق الوصول إليها بالسيارة ساعتين، كان الجو صيفياً جميلاً، والحقول تجتازها نسمة تحمل إلى الرائحة المنعشة للمياه والأرض، المساحات المفتوحة تملأ صدرى، وعينى باخضرارها العميق، بأعواد الذرة ترفع شواشيها، بالأرز والقطن ألمح بشائر نواراته.

 

قضيت النهار متنقلا من "غيط إلي غيط" أنهل من مناظر للطبيعة حرمت منها , من السكينة والصمت ثم جلست تحت " عريشة " مع جمع من الفلاحين أحتسي الشاي وأقضم في كوز من الذرة المشوي , وأتحدث معهم عن أمور جرت في حياتهم وأنا غائب عنهم . عن ابنة أحدهم تزوجت منذ أسبوعين ولم أستطع أن أحضر العرس. تذكرتها طفله ترضع من الثدي ، ثم بنتا ترتدي مريلة المدرسة ، وتلمع عيناها ، ثم فتاة تخطو بقوامها الفارع فوق الأرض لتدلف من باب البيت حاملة شهادة المعهد وضعتها في الدرج لآن التعيين لا يتم إلا لمن يستطيع أن يدفع رشوتها . لكن سرعان ما انتقل الحديث إلي " السوق الحرة " وكوارثها. إلي أسعار " اليوريا " وصل سعر " الشيكارة " منها إلي ثلاثين جنيها فى " الجمعية " إن وجد فى مخازنها ، وإلى أربعين أو خمسين جنيها فى السوق السوداء التى تتسرب إليها أغلب كمياتها ، إلى المبيدات المغشوشة التى أبت أن تقتل دودة القطن رغم تكرار الرش . وهى حسب قولهم مبيدات جلبها "يوسف والى" ومساعده "يوسف عبد الرحمن" المحتجز حالياً فى السجن ، إلى حرب العراق، وفرض الولايات المتحدة سطوتها علينا ، إلى نظام للحكم يتعاون معها ويضغط بكل ثقله على حياة الشعب لصالح أقلية من الأغنياء يتلاعبون بأقواتنا ، إلى كذب الحكام وفسادهم، إلى الرشوة التى أصبحت الوسيلة الوحيدة للحصول على الحق ، إلى السخط الذى يتزايد يوما بعد يوم.

ألمح الغضب فى عيونهم وهم يتساءلون: "إلى متى، إلى متى يطلب منا أن نتحمل هذا الظلم بينما يغرقون فى بذخهم هم وأسرهم، وأولادهم، وتزداد أحوالنا نحن سوءاً يوماً بعد يوم. أتحدث إليهم عن "الأمل" وعن "التغيير" الذى سيحدث لابد.. عن "المقاومة" .. عن قيادات جديدة ستولد، وتصل إلى النضج.. عن تحركات شعبية تتصاعد فى كل منطقة وقطر ضد أمريكا وضد الحكام الذين يخدمون سياساتها، وأصف لهم المظاهرات التى قامت ضد الحرب.. عن بلاد زرتها. أحكى حكايات، وأجيب عن تساؤلاتهم. لكن طوال الوقت أظل شاعراً بهوة تفصلنى عنهم، بالبعد عن مشاكلهم. بأننى أنا وأمثالى لا نفيدهم فى شىء. بأن الثقافة والمعرفة التى نتعامل بها فى حياتنا مقطوعة الصلة بما يعانون منه، بأن الذين يصفون أنفسهم بالنخبة يكذبون، أو يحيون فى وهم، فالنخبة المقطوعة الصلة بجماهير الشعب ليست نخبة فهى لا تخدم إلا مصالحها.

فى لحظة من لحظات الصمت خطر فى بالى أن أسألهم عن "مؤتمر المثقفين" فهو حدث انشغلت به أوساط المثقفين فى بلادنا. كنت أريد أن أعرف رد الفعل الذى سيثيره هذا السؤال بين مجموعة من الناس بعيدين عنه. فقبل أن أحضر إليهم أثار هذا المؤتمر جدلاً، بل ومعارك بين عدد من المثقفين المتصدرين للأمور الثقافية بمصر، والمهيمنين عليها. نشرت بيانات، ومقالات للهجوم عليه، أو للدفاع عنه. أذيعت أخباره فى وسائل الإعلام، وقامت ندوات فى الإذاعة والتليفزيون لمناقشة دوافعه، ونتائجه، والأساليب التى اتبعت فى انعقاده. انبرى كل طرف من الأطراف المتنازعة برفع الشعارات الوطنية ، شعارات الحرص على مستقبل الأمة، والشعوب العربية إزاء المخاطر الثقافية التى تهدد منطقتنا، وضرورة السعى نحو بلورة "خطاب ثقافى جديد إزاءها" فإذا كان هذا المؤتمر حدثاً قد أسمع منهم تعليقاً جديراً بتأمله, فكثيراً ما يرى الناس العاديون ما لا يراه "النخب" فى بلادنا.

قلت لهم: ما رأيكم فى "مؤتمر المثقفين" الذى عقد خلال الأسابيع الأخيرة فى مصر؟"

تطلعوا إلى فى وجوم كأنهم لم يفهموا السؤال الذى طرحته عليهم، ثم زحزحوا أردافهم فوق الحصيرة المفروشة على الأرض وتبادلوا النظرات كأنهم يبحثون عن أحد من بينهم يخرجهم من حرج وقعوا فيه. أنقذهم رجل فى مقتبل العمر يزرع فدانين من الأرض هو وأولاده ويلجأ إليه الناس عندما يقع بينهم إشكال يحتاج إلى جلسة صلح. قال، بذلك المزيج من السخرية والخبث الذى أورثتهم إياه ثقافة الريف: "إنت عارف يا دكتور أن احنا ناس على جدنا. اسألنا فى الزراعة .. نجولك .. أو فى حاجة تخص عيشتنا اللى ما عدناش عارفين نشم فيها نفسنا، ساعات نسمع حاجات كده طشاش عن مؤتمر إشى هنا وإشى هناك. لكن مالناش فى الحاجات دى حاجة .. دى بتاعة الناس اللى متعلمة زى حضرتك يجعدوا يتكلموا فيها عن حاجات مالناش دعوة بيها. لكن مادام جت السيرة ما تجلنا هم "المسجفين" دول بيعملوا إيه؟ هم شغلتهم يسجفوا وبس؟ ولا يمكن أحسن نسيبنا من الكلام اللى ما نعرفش فيه. أنا عايز أسألك سؤال، يا دكتور، هو صحيح دلوجتى بيجدروا يعرفوا الولد اللى فى بطن أمه دكر ولا نتايا من جبل ما ينزل؟ وحيجدروا يعرفوا ده فى الجاموسة كمان؟"

***

فى المساء عدت إلى البيت. تناولت عشائى ثم صعدت إلى الدور الثانى حيث توجد الغرفة التى تعودت أن أوى إلى النوم فيها. وأنا أجتاز الصالة وقعت عيناى على جهاز للتليفزيون ماركة "سونى" ابتعناه سنة 1985. كان يرقد صامتاً على الرف الأسفل للمكتبة الكبيرة . لم تكن لدى رغبة للقراءة أو لفعل أى شىء كأننى أريد كسر روتين الحياة التى تعودت عليه. خطر فى بالى أن السنين تمر دون أن أشاهد شيئاً فى برامج التليفزيون وأنه بهذا ربما يزداد انعزالى عن الأفكار والأحداث المتداولة بين ملايين من الناس فى بلادنا.

ضغطت على مفتاح الجهاز فظهر على الشاشة أربعة من الرجال يجلسون على منضدة ومن خلفهم منظر لمدينة القاهرة بالليل، تسرع فيه السيارات فوق الكبارى العلوية. كان اسم البرنامج "بدون رقابة" وعلى الشاشة صورت يدان تكسران القيود الحديدية التى وضعت عليها. بعد قليل أدركت أن موضوع الحوار الذى يدور بينهم بتعلق "بمؤتمر المثقفين" والانتقادات التى وجهت إليه. ظننت أننى سأسمع شيئاً عن "الخطاب الثقافى الجديد" الذى قيل إن المؤتمر عمل من أجل مناقشة، ومحاولة بلورة بعض الأفكار الأساسية المتعلقة به. أو أنه قد يتناول التطورات، والأسباب التى أدت إلى تدهور الثقافة والإبداع الفكرى فى بلادنا، وعجزها عن المساهمة فى مواجهة الأخطار التى تهدد حاضر ومستقبل المجتمعات والشعوب فى منطقتنا العربية. خصوصاً أن المشاركين فيه كانوا من الفئة التى يطلق عليها "كبار" المثقفين، أو "كبار" الكتاب أو "النخبة" الفكرية. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث. استمعت إلى حوار ممل كان الغرض الأساسى منه تبرير ما تم باعتباره دليلاً على أن مثقفى الدولة فى بلادنا بادروا بعقد هذا المؤتمر دفاعاً عن مصالحنا الوطنية فى مواجهة التحديات الخطيرة المترتبة على الغزوة الأمريكية الإسرائيلية، والتى يضاعف منها "الإرهاب" واستشراء الفكر، والثقافة الدينية الأصولية.

كان البرنامج دليلاً آخر على عدم قدرة مثقفينا، ومفكرينا، وكتابنا الكبار على رؤية موقعهم الحقيقى من مصالح الشعوب فى بلادنا. فالأنظمة التى تحكمنا تابعة، وخاضعة للاستعمار الأمريكى الجديد الذى قام بغزو العراق، والذى يساند إسرائيل فى تصفية القضية الفلسطينية، ويتأهب للانقضاض على البقية الباقية من قدرتنا على الدفاع عن مقومات الحياة فى بلادنا. ومثقفونا أو مفكرونا أو كتابنا "الكبار" سواء أرادوا أو لم يريدوا، وسواء أدركوا أو لم يدركوا خاضعون ومرتبطون بدول، وحكومات، وأجهزة تابعة ينفذون سياساتها، وإلا لما ظلوا فى مواقعهم. أجهزة عزلتهم عن مصالح، ومعارك الجماهير الشعبية، وعن همومهم اليومية عن طريق وسائل الترهيب، والترغيب، ومصادرة أى فرصة للتنظيم أو للحركة لا تشرف هى عليها وترسم حدودها.

لقد آن الأوان لكى نعى ونفهم السياسات والآليات التى لجأت إليها الرأسمالية النيوليبرالية وأتباعها فى الشمال وفى الجنوب لترويض الثقافة والمثقفين فى مختلف البلدان، ولربطها وربطهم بأهدافها الاقتصادية والعسكرية. بالهيمنة التى تفرضها على بلاد العالم كله. بسيطرة "السوق الحرة" وآلياتها فى مختلف جوانب الحياة.. فالعولمة الرأسمالية لابد أن تقضى على خصومها، على كل عائق، أو تيار، أو شخص، أو تنظيم، أو مثقف يقف فى سبيل حركتها الحرة. هذا هو قانونها. جزء أصيل من طبيعتها تقودها إليه أيضاً المنافسة الشرسة التى تقوم بين شركاتها الكبرى، بسبب سعيها الدائم نحو التطور التكنولوجى وسباقها المجنون نحو مزيد من النمو، ومزيد من الربح، وهو قانون لا سبيل إلى الإفلات منه.

وحتى تفعل ذلك لا يكفى أن تفرض سيطرتها بالاعتماد فقط على قوتها الاقتصادية، والعسكرية، وعلى وسائلها القمعية. لابد من أن تسيطر على عقول الناس، أن تنشر فكرها، وثقافتها، وقيمتها، ونظرتها للحياة. ومن هنا الأهمية المتزايدة للفكر، وللثقافة، والتعليم، والإعلام. إنها تسعى إلى خلق تبعية ثقافية، وفكرية تتداخل مع التبعية الاقتصادية، والسياسية وتصبح فى خدمتها . وإنها تسعى إلى توظيف الثقافة والمثقفين لإدخال بلادنا فى دائرة السوق الحرة التى تهيمن عليها، وفى دائرة نفوذها حتى تضمن إخضاعنا. تسعى إلى تأكيد القيم، والأفكار وأنماط الثقافة التى تتفق ومصالحها بتعميق التبعية التى أصبحنا نعانى منها. إنها تغذى الأوهام الفردية وتقوض كل فكر وتوجه جماعى. إنها تدخلنا فى معارك ثقافية، ودينية، وعرقية، وقومية لتبدد جهودنا وتفتت صفوفنا. إنها تشجع وتدعم الفكر الأصولى كلما احتاجت إليه، فالأصولية وجه آخر من وجوه سيطرة العولمة الرأسمالية يساعدها على تنفيذ مآربها أحياناً بالتحالف معها، وأحياناً بتدبير الهجمات الإرهابية على بعض مؤسساتها أو رموزها.

وحتى تتمكن من تحقيق أهدافها تبحث عن الوسطاء. فى بلادنا تستخدم الفئات الحاكمة، وأجهزة الحكم، ومؤسساتها فى استمالة المثقفين، والمفكرين، والمهنيين لصالحها. تساعدهم على إقامة النظم والآليات التى يؤدى إلى انحياز المثقفين إلى جانبها، ليروجوا مصالحها، وأفكارها دون أن يكونوا دائماً على وعى بما يترتب على ذلك من تغيير مواقعهم، وبعدهم عن الشعب، وانحيازها لذوى السلطة والمال فى بلادنا. من انعزال مطرد عن المحرومين من جماهير الشعب. لعبة قديمة تتكرر على نطاق عالمى تمارسها الرأسمالية النيوليبرالية فى هذا العصر مستخدمة فى ذلك كل ما تتمتع به من إمكانات، ومعرفة ووسائل تكنولوجية وحنكة فى سعيها إلى الهيمنة على البشر فى كل بقعة من بقاع الأرض.

ومنها يتعلم حكامنا، حرية الكلام مكفولة إلى حد، شريطة ألا يكون هناك فعل، أو تنظيم، أو صلة بجماهير الشعب. المناصب، والمكافآت، والسفريات، والجوائز، والحوافز، وسبل النشر، ووسائل الإعلام، والبعثات، والمؤتمرات مكفولة للبعض، للمثقفين "الكبار" شكل الحكم منهم فئة مميزة تتعدد امتيازاتها مقابل الدور الذى يقومون به لتثبيت نظامهم. وفى الوقت نفسه تمارس الأجهزة والمؤسسات تأثيرها عن طريق إغلاق جميع القنوات الثقافية البديلة، واستبعاد كل من لا يسير فى ركابها. يساعدها فى ذلك "كبار" المثقفين، والكتاب، والمفكرين المستفيدين من رضائها. تسمح للمثقفين بالتحرك فى الحجرات المغلقة، بالمعارضة فى حدود المسموح به، والصياح فى المؤتمرات، والحديث عن الوطنية فى وطن لم نعد نملك فيه شيئاً .. بالحديث عن التحرك فى كنف نظام علاقته وثيقة بالسوق الحرة والرأسمالية، والحليف الأمريكى وليس بالشعب. بأن يصارعوا بالكلمات الساخطة والنقد شريطة ألا يخرجوا عن الطوق، وأن يثبتوا بذلك ديموقراطية العهد، وشريطة ألا يصبحوا قوة فعالة تناضل من أجل العدالة، والحرية، والحق، شريطة ألا يفكروا ولو للحظة بأن يصبحوا "مثقفين عضويين" مرتبطين بحسم بالشعب المثخن بالجراح.

هذا الوضع ، وهذا النظام العالمى الجديد الذى يسميه البعض "ما بعد الحديث" الذى ينكشف وجهه الحقيقى فى كل يوم لم يقترب منه "مؤتمر المثقفين" ربما لأنهم لا يريدون أن يدركوا أنهم جزء منه. لأننا نحن المثقفين المصريين أو العرب توقفنا عن فحص أنفسنا فى المرآة .. وهذا ينطبق فى الواقع على من أيدوا المؤتمر ، وعلى من أصدروا البيانات ضده. وأنا أقول ذلك حتى يتذكروا أنهم كانوا ومازالوا جزءاً من النظام الذى يشكون أحياناً منه، رافعين شعارات الوطنية. ذاكرين محنة فلسطين أو العراق، لأن "الكلام الوطنى" ظل يخفى أصوات الأطفال والأمهات، والمهمشين الجوعى فى شوارعنا.

هذه هى حقيقة الأزمة التى تواجه الثقافة والمثقفين فى بلادنا.

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism