الأهالى
5/10/1999
فلسفــــــــــــــــــــــــــة
المشـــــــــــــــــــــــــــــرط
دق
جرس التليفون
وأنا جالس على
مكتبى، الخريف
جاء، واليوم
صحو. يأتينى
الصوت من عالم
آخر على الجانب
الآخر من الخط.
صوت صحفى شاب
يسد رمق حياته
عن طريق العمل
فى إحدى تلك
الجرائد المتشابهة
التى تنشر على
صفحاتها الأخيرة
صور "جميلات"
المجتمع وهن
تتضاحكن، وترقصن
فى حفلة من حفلات
أصحاب المال،
والحكم، وتعرضن
أجزاء من أجسامهن
البيض، الناعمة
التى لا تتعرض
للشمس، أو الجهد،
وتشغل صفحاتها
بكل أنواع الفساد
التى يمكن تصورها
باسم الفضيلة،
معها صفحة دينية
بالطبع، باسم
المعارضة،
والنقد بينما
الآراء والنظرة،
والقيم التى
تروجها هى فى
جوهرها دفاع
عن النظام الذى
تتظاهر بمعارضته.
قال
"أريد أن أسألك
فى موضوع أعده
للنشر. ما رأيك
فى الدعوة التى
تقول أن هناك
أعمالا أدبية
فى الرواية،
والقصة، والشعر
تتعرض للجنس
بطريقة تخدش
الحياء، ولا
تتفق مع تقاليدنا
وأن أمثال هذه
الأشياء يجب
ألا يقرأها
الشباب، والشابات فى كلياتنا،
وأنه على وزير
التعليم العالى
أن يأمر بإزالتها".
سألته
ما هى المساحة
التى ستخصصها
لكلامى فقال
عشرة أو خمسة
عشرة سطر! فأجبته
على سؤاله بسرعة،
وعدت إلى ما
كنت فيه لكن
بعد أن انتهيت
من عمل اليوم،
ورقدت فى سريرى
عدت أفكر فى
السؤال الذى
طرح على فى الصباح.
فالأسئلة التى
تطرح علينا
فى الحياة،
ويسألها الناس
نادراً ما يترك
لنا الوقت للإجابة
عليها، أو نادراً
ما نعطى لأنفسنا
الوقت لنتأملها.
تذكرت
أننى وأنا طالب
فى كلية الطب،
وبعدها عندما
تخرجت كنت أحب
الطب الباطنى،
ولا أميل إلى
الجراحة كعلم،
رغم أن أمى فى
بعض اللحظات
كانت تمسك بيدى،
وتنظر إليها
ثم تقول "أصابعك
أصابع عازف
بيان أو جراح
ماهر"، ورغم
أنها ظلت طوال
حياتها تحلم
بى جراحاً مشهوراً
يتزاحم المرضى
على عيادته،
ويكسب مالاً
وفيراً فكانت
خيبتها كبيرة لأننى
بدلاً من أن
أصبح جراحاً
مشهوراً أصبحت
نزيلاً فى سجن مصر.
الطب
الباطنى فى
ذهنى كان يتطلب
أعمال الذكاء
والحس إلى حد
أبعد بكثير
من الجراحة
فالداء مدفون
فى الجسم
قد لا تظهر منه
إلا أعراض قليلة
على السطح،
وأحياناً يكاد
لا يظهر شئ خصوصاً
فى البداية. إنه يتطلب
معرفة ما هو
خفى، ويدور
فى العمق. يعتمد
على الملاحظة
الدقيقة، والصبر
فى الفحص . على
الربط بين الظواهر
والأعراض الخاصة
بالداء الذى
يسعى الطبيب
إلى تشخيصه.
على الإنصات
باهتمام إلى
ما يقوله المريض،
وطريقته فى
التعبير عنه،
على معرفة ما
حدث له من قبل،
وسؤاله عنه
فالصحة والمرض
لهما تطور تاريخى فى
الجسم، على
دراسة الاحتمالات
بعقل مفتوح بدلاً
من الاصرار على
أول انطباع
إذا كانت هناك
أشياء تثير
التساؤل. لكنه
يتطلب قبل كل
ذلك موقفاً
إنسانياً،
أن يرى فى المريض
كائناً متكاملاً
له عقل، وقلب، وعواطف
تحركه، له ماض، وآمال
وأحلام تؤرقه، وليس مجرد
كبد، أو طحال،
أو مرارة، أو
مصران. فالطب
مثل الفن موضوعه
الإنسان، والحياة،
والموت.
لكن
الجراحة كانت
بالنسبة إلى
تمثل المشرط
يقطع فى اللحم.
كانت تمثل فتح
البطن، واستئصال
الورم، أو الجزء
أو العضو المصاب.
فيها عنف، ودم.
كنت ألاحظ أن
الكثيرين من
أساتذتى فى
الجراحة يتميزون
بالتعالى،
والغرور، والميل
إلى التسلط
على من يعملون
معهم، والغضب
منهم.
وكان صغار الأطباء
المعجبين بهم
يقولون عنهم
برهبة المفتون
"ده بيضرب
بالشلوت". أما
أنا ففى كثير
من الأحوال
لم تكن تعجبنى
شخصياتهم.
لاأريد أن
أبدو كمن يصدر
أحكاما على
عواهنها.
لكن طبيعة المهنة والطريقة
التى تمارس
بها تترك أثرها
على الإنسان
الذى بمارسها. لذلك
فى رأيى لا يمكن
أن يستقيم الطب
طالما أنه مرتبط
بالتجارة،
والعيادات الخاصة
والأجر. التجارة
تتعارض مع كل
ما قلته عن الطب.
وهذا ينطبق
بالذات على
الجراحة لأن
كل فتحة بطن،
أو ضربة مشرط
يدفع مقابلها
آلاف الجنيهات.
والجراحة يمكن
أن تتحول عند
البعض إلى عملية
خطف، أو سطو
على المريض
وهو لا يعلم
عن أمره شيئاً. [هذه مشكلة
لا حل لها الآن
عندنا أو عند
غيرنا. أنها
إحدى تشوهات
النظام الرأسمالى
الذى نعيش فى
كنفه.
لكن
ما كنت أريد
أن أصل إليه
من ذكر ما ذكرته
"فالشئ بالشئ
يذكر" كما يقول الناس
هو أن صديقى
الصحفى أثار
فى كراهيتى
القديمة للجراحة
لأنها مبنية
فى الأصل على
الاستئصال
والبتر. هى
دليل
على الفشل. وكلما
تقدم العلم.
كلما تقدمت
المعرفة، وأساليب
التشخيص، والعلاج.
كلما طبقت الأمواج
فوق الصوتية،
وأشعات الليزر
والأشعات الكهرومغناطيسية،
والعقاقير
المنتجة للمناعة،
والتأثير على
الجينات وغيرها،
قل اللجوء إلى
الاستئصال
والبتر. فهما سلاح
العاجز الذى
ليس لديه شئ
إيجابى، وبناء
يقدمه بجد. تشبهه
حجج الذين ينادون
باستئصال الفقرات
المكتوبة عن
الجنس فى الروايات.
أو القصص، أو
قصائد الشعر.
أنهم لا يدركون
أن العمل الفنى
مثل الكائن
الحى. عندما
تقطع منه إحدى
ذراعيه، أو
أصبع، أو طرف
الأنف يصاب
بالتشوه ويفقد
اكتماله الذى
لا يمكن أن
ينفصل عنه دون
أن ينقصه شىء. إن المنادين
بهذا الرأى
مثل المنادين
باستمرار عادة
ختان الإناث
لأن البظر فى
النساء هو موضع
اللذة، والشهوة
يقود المرأة
إلى ممارسة
الجنس دون ضابط
ولذلك يجب أن
نكبح جماحها بهذه العملية
الضارة، والمؤلمة
إلى أبعد حد
بينما لا أحد
ينادى بقطع
رأس العضو الذكرى
فى الرجل بينما
وظيفته مثل
البظر فى المرأة
تماماً. خلقهما الله ليحبب
الناس فى المعاشرة
حفاظاً على
استمرار الحياة،
والنسل.
الحرمان،
والمنع، والاستئصال
والقطع هى سياسة
تقود إلى العقم
الفكرى والبدنى
والابداعى
عند الرجل والمرأة
على حد سواء،
هى فلسفة الجلادين،
والطغاة، وأعداء
الحياة. فالحياة
تجربة، ومعرفة،
وفهم. الحياة
حرية بالقدر
الذى نمارسها
نتعرف عليها،
ونفهمها، ونصبح
مسئولين فى
اختياراتنا
لأنه أصبح لدينا
وعى.
وفى
عصر المعلومات،
والأقمار الصناعية
والفيديو،
والكاسيت الذى
سيغدو فى حجم
رأس الدبوس
تصبح الآراء
التى لا تفكر
إلا فى الاستئصال
والمنع مثيرة
للسخرية. فلماذا ترنو
عيونهم إلى
النصوص الأدبية
مصدر التهذيب
الإنسانى،
والفكر، مصدر
الحب للجمال
بكل أنوعه بما
فيها جمال العدالة
والحرية، وكشف
النفاق، والكذب
اللذين يحيطان
بحياتنا، بينما
يتركون أرصفة
المدينة مغطاة
بزبالة الفكر؟
صوت
للمستضعفين
فى الأرض
أتساءل
أحياناً ماالذى جعلنى
أتحول من مناضل
سياسى فى اليسار
إلى كاتب روائى. لا شك
أن هناك أسباب
متعددة لهذا
التحول. لكن
عندما اقرأ
ما يكتبه الكثيرون
من أصحاب القلم،
والفكر لتحليل،
أو تفسير، أو
تبرير ما يحدث
فى بلادنا أدرك
أن هذا التحول
كان مهماً
بالنسبة إلى،
حتى أتخلى عن
الدوافع التى
جعلتنى أترك
المهنة الطبية
التى كانت مهنتى
لأبحر فى الخضم
المضطرب لما
كنا نسميها
فى تلك الأيام
بالحركة الشيوعية
فى مصر.
وأنا
أكتب أحياناً
فى السياسات
لكننى أفعل
ذلك لأن فرص
النشر للأشياء
التى أريد أن
أقولها تتقلص
باستمرار فى
العهد الذى
نعيشه. وأنا لا أريد
أن أقتل بالصمت. أريد أن أعبر
عن ذاتى، عن
الأشياء التى
تغضبنى، وتفرحنى.
أن يكون لى دور
فى الحياة،
واسم.
مع
ذلك أجد نفسى
أكثر عندما
استغرق فى الفن.
فالذين يكتبون
الرواية، ويعبرون
بلغة الفن يدركون
أن كتابات السياسة،
والتاريخ والفكر،
خصوصاً فى هذه
المرحلة من
الردة، قائمة
فى أغلبها على
ادعاءات الحكام،
أو مستمدة منها.
فالتاريخ كتب
من قبل، ومازال
يكتب حتى
اليوم، وكذلك
السياسة والفكر
على أيدى الغالبين
الذين يظل همهم
الأول إسكات
صوت المغلوبين
فى الأرض، وعلى
الأخص صوت ذوى
الموهبة، أو
الكفاءة منهم.
لذلك
ما كان موضع
تمجيد فى أحد
الأيام
قد يؤول إلى
رماد تذروه
الرياح ليكتب
الكتاب ما حدث
بالفعل. إن تزييفات
الذين يتحكمون
فى حياتنا يمكن
أن تبقى حقائق
راسخة، صلبة
إلى حين ، يخاطر
من يتعرض
لها باستقراره،
وحريته، أو
حتى بحياته
إذا حاول أن
ينفذ إلى جوهر
فسادها، إلى
الرؤوس التى
تقيم جوهر حكمها،
ودولتها، ومؤسساتها
على أساسها.
والروائى يدرك
ذلك فيضع على
لسان أبطاله
ما لا يستطيع
أن يقوله الناس
فى أغلب الأوقات
لأنهم صنعوا
منها محرمات
لا يجوز الاقتراب
منها.
الرواية
هى مملكة الشك،
والخيال الخصب.
هى إمكانية
قول ما يسمح
به الحكام. هى
رؤية، ووميض
المستقبل والحقائق
التى لم تولد
بعد. فالروائى
يستطيع أن يقول
للناس هذا الذى
تدافعون عنه
كذب وادعاء.
أن يكتب ضد الواقع
المزيف، وأن
يكشف افتراءات
السياسة، والتاريخ
المصنوعة من
قبل أقطاب الفكر
الرسمى يقبعون
فى الأدوار
العليا لمؤسساتهم.
واليسار
أصبح مغلوباً
فى العالم. وفى
بلادنا، أو
استؤنس لكى
يصبح جزءاً
من تجميل الوضع إن كان
يمكن تجميله. لكنى
مثل الكثيرين
مازلت أبحث
عن الجمر يختفى
تحت القش. فاكتشفت
فى الفن وسيلة
للتعبير عن
أفكارى بصدق.
كانت الكتابة
الروائية،
والفنية فى
جزء منها تجاوزا
للهزيمة التى
أصابتنا، للفشل
الذى عانيت
منه، وكانت
استمرارا فى
الطريق الذى
اقتنعت بسلامته.
كانت فى الوقت
نفسه وسيلة
للابتعاد عن
التعامل السياسى
المباشر مع
الحكم وأجهزته،
عن القائمين
على مؤسساته،
وعن الخضوع
الذى تتطلبه ممن يعملون
تحت وصايتها.
أو حتى فى الهيئات
التى يقال أنها
معارضة لها.