spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

 

الأهالى 12/6/2002

كنا أربعة فى قارب

منذ أيام دق التليفون وأنا جالس، أكتب على المنضدة الرخام فى المطبخ، فهذه هى جلستى المفضلة فى كل مواسم السنة.. ما عدا الصيف . فالمطبخ فى شقتى واسع الأرجاء ، تجهيزاته، وخزائنه ألوانها زاهية، تدخله أشعة الشمس المشرقة، وتطل نافذته على النيل، وعلى مدينة القاهرة.

 

كان المتحدث صديقا جمع بيننا الاعتقال في سجن " المحاريق " فى أقصى جنوب الصحراء الغربية ، يعمل الآن محاميا فى مكتب كبير للمحاماة .

تبادلنا التحيات ، ثم قال :

" قررت أن أتصل بك لأبلغك أن " محمد عزت " توفى بالأمس وأنا أعلم أنه كان أحد أصدقائك، وأنك ربما لم تسمع بالخبر ".

قلت :

" بالفعل لم أسمع . فانا أكاد لا أقرا الوفيات".

قال:

"سيقام السرادق الليلة فى جامع "عمر مكرم". ربما أردت أن تحضر إليه لتشارك فى العزاء. "على الشلقانى" وزملاؤه الآخرون فى مكتبنا سيحضرون إلى السرادق قرب الساعة السابعة مساء".

شكرته على المكالمة، وسألته عن أخباره. بعد أن انتهت المكالمة عدت إلى جلستى واستأنفت ما كنت أكتبه.

كانت الشمس قد اقتربت من المغيب عندما أحسست بالتعب. فتوقفت. تذكرت مكالمة الصباح. لم أتعود الذهاب للتعزية إلا نادراً، إذا رحل صديق أو صديقة تربطنى به أو بها عواطف قوية، أو إذا غاب أحد الأشخاص الذين أقدر صفاتهم. أما "محمد عزت" فقد فرقت بيننا السبل منذ أيام الشباب، أو بعدها بسنوات. لم ألتق به إلا عرضاً طوال السنين التى انقضت منذ سنه 1945. لكنى بعد تردد قررت أن أذهب للتعزية بسبب المكالمة التى تلقيتها من صديقى فى الصباح.

كان على أن أقوم ببعض الالتزامات السريعة قبل أن أتوجه إلى السرادق فوصلت إلى جامع "عمر مكرم" قبل الساعة التاسعة إلا الربع بدقائق، هبطت من سيارتى لأجد أفواجاً من الناس يغادرون السرادق، ومن بينهم بعض الذين كانوا معى فى المعتقل. ذلك أن "محمد عزت" كان قد انضم إلى "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى"، وهى إحدى منظمات اليسار، فى ذات الفترة التى ارتبطت فيها أنا أيضاً باليسار.

كانوا يتبادلون الأحاديث الضاحكة، ولم يبد على وجوههم الحزن، تصافحنا، وتبادلنا بعض الكلمات التى يتبادلها المعارف دائماً عندما يلتقون مصادفة. "لابد أن نلتقى. سأتصل بك لنتفق"، ثم تفرقنا، وصعدت أنا الدرجات القليلة لأدخل إلى السرادق.

على الباب كان يقف رجلان لا أعرفهما، فشددت على يديهما معزياً، ثم تقدمت فى الممر بين صفين من المقاعد باحثاً عن المكان الذى سأجلس فيه. لم يطل بحثى فالسرادق كاد يخلو من المعزين، بعد أن أنصرف أغلبهم. لم يبق سوى عدد قليل، ربما بقى عشرون أو خمسة وعشرون جلسوا متفرقين أو فى تجمعات صغيرة يتحدثون. كان المقرئ، غائباً فظننت أول الأمر أنى وصلت بعد فوات الأوان، لكنى لاحظت أن الجالسين لم يقوموا من جلستهم.

اخترت مكاناً فى عمق السرادق مواجهاً لمدخله بحيث يمتد أمامى فأراه كله وأنا جالس. من حين لآخر كان يدخله أحد المعزين، يتقدم من بعض الجالسين، فيقومون، يشدون على يده بقوة عدة مرات، أو يحيطونه بالأحضان. ويتبادلون معه القبلات، ثم يعودون إلى جلستهم الصامتة. أرى الوجوه تتطلع أمامها حزينة، جامدة. أحياناً يميل أحدهم على الآخر ليتبادلا بعض الكلمات الهامسة.

خطر فى بالى. ترى كم منهم يشعر بحزن حقيقى، ولا يمثل الدور المطلوب منه فى هذه المناسبات؟ تذكرت أنه فى المرات القليلة التى جلست فيها فى سرادق للعزاء، كانت تنتابنى أحاسيس متناقضة: الحزن على فقدان صديق رحل عنا، والسعادة لأننى مازلت على قيد الحياة. أستطيع أن أحرك جسمى، وأتنفس، وأتطلع إلى أيام قادمة يمكن أن أفعل فيها أشياء.

لم يتقدم أحد ليسألنى من أنا. فى لحظات كنت ألتقط نظرة تساؤل فى بعض العيون. ظللت جالساً أتأمل ما يدور. وبعد قليل عاد المقرئ. تتبعت تلاوته لبعض الوقت ثم سرحت. قفز ذهنى إلى الوراء عائداً فوق ما يزيد على ست وخمسين سنة. تذكرت "محمد عزت" فى شبابه. قصير القامة، غليظ الشفتين، والصوت، ضاحك "ابن نكته" كما نقول، يتمتع بروح من الفكاهة، والسخرية الهادئة، ضحكته مسترسلة، صافية تبث فى الإحساس بأن الدنيا على ما يرام، ولا داعى للقلق، أو للجدية الزائدة التى كنت أعانى منها فى ذلك الوقت. يفحصنى بعينيه الجاحظتين قليلاً تطلان إلى من تحت "الطربوش" بنظرة فضول. ساخرة، كأننى كائن غريب يبعث على التساؤل. فيه طيبة المصرى الذى لا يتوقع من الحياة الكثير، فظل يتأرجح دائماً فى مستويات "الوسط" لا يعلو، ولا يهبط فى مراتب الحياة.

فى ذلك الوقت كما أربعة أصدقاء. أنا وعلى الشلقانى، وأحمد فؤاد، ومحمد عزت، انضممنا إلى اليسار فى الفترة نفسها. والأرجح أن "على الشلقانى" كان المسئول الذى قام بمهمة إيصالنا. كنت أنا فى السنة الخامسة لكلية الطب، وكانوا هم موشكين على التخرج فى كلية الحقوق، لكن إلى جانب الصداقة، والانضمام إلى اليسار، جمعنا شئ آخر، قارب للتجديف كونا له فريقاً، وكل صباح قرب الساعة السادسة كنا نتجه إلى "نادى القاهرة النهرى" فى الزمالك لنستقل القارب الذى يدعى "يول" بلغة من يمارسون رياضته، لنقطع المسافة بين الزمالك و"جزيرة الدهب" فى المعادى على الإيقاع السريع لضربات المجاديف الأربعة، وخرير المياه تنزلق من تحتنا، وصوت الأنفاس المنتظم. نشعر بحركة الجسم ينزلق إلى الأمام لينثنى، ثم إلى الخلف فارداً نفسه، شاداً على المجداف بالذراعين، وعضلات الظهر ليسيل العرق من كل المسام، وليدفع الجهد المشترك القارب النحيل، الجميل إلى هدفه.

فى بعض الأيام كنا نحمل معنا "حلة" من الفول المدمس، وحزماً من البصل الأخضر، وسلة صغيرة فيها ليمون، وخبز، وملح. نهبط على "جزيرة الدهب" لنتناول إفطارنا، وفى أيام أخرى بعد عودتنا إلى "عوامة" النادى، والوقوف تحت الدش البارد، وارتداء الملابس كنا نتجه إلى محل "أزايفتش" فى ميدان "الإسماعيلية" (التحرير) لنلتهم وجبة من الفول، والطعمية، والسلطة، والخبز لا يتعدى ثمنها قرشين (نصف فرانك) أو ثلاثة ثم كوباً من الشاى إن أردنا وبقى معنا ما يغطى ثمنه.

مضت الأيام، وتخرجت أنا، ثم دخلت السجن. أصبح "أحمد فؤاد" وكيلاً للنيابة، ومسئولاً عن قسم الجيش فى الحركة الديمقراطية للتحرير الوطنى. بعد ثورة 23 يوليو 1952 انفصل عنها، وانضم إلى السلطة الجديدة ليصبح فيما بعد رئيس مجلس إدارة بنك مصر المنتدب، ثم رئيس بنك قناة السويس. طلب أن يلتقى بى بعد أن خرجت من السجن، وأقنعنى بالانضمام إلى "التنظيم الطليعى" الذى كونه "عبد الناصر" لكننى لم أعمر مع قادته طويلاً. كنت جاداً، وساذجاً فى أحلامى عن اتجاهات القائمين عليه. أما "على الشلقانى" فرحل إلى الجزائر ليعمل هناك مع حكم "بن بلا" لبعض الوقت. عاد منها ليصبح رئيس تحرير "الأخبار" عندما كان "خالد محيى الدين" رئيس مجلس إدارتها. ثم ترك المؤسسة ليتفرغ لمكتب المحاماة الخاص به، وليصبح محامياً معروفاً، وناجحاً يتعامل مع شركات دولية فى الاستشارات القانونية التى يحتاجون إليها.

رابعنا "محمد عزت" شغل وظيفة مدير الإدارة القانونية لبنك مصر بعد أن ترقى إليها فى ظل رئاسة "أحمد فؤاد" لمجلس إدارة هذا البنك، ولا أعرف ماذا حدث بالنسبة له بعد أن أصبح على المعاش إلى أن سمعت أنه انضم إلى مكتب "على الشلقانى" ليعمل معه.

منذ ستة وخمسين عاماً جمعنا قارب كان يحملنا إلى "جزيرة الدهب" ويحمل معنا أحلامنا، جمعتنا الصداقة، والسياسة، واليسار، وصراعات ألقينا أنفسنا فى أتونها. ثم فرقتنا الحياة، وتناثرت خطواتنا، والآن لم يبق منا إلا اثنين "على الشلقانى" وأنا.

تذكرت وأنا جالس فى السرادق أنه فى القارب، أثناء الجهد الشاق الذى كنا نبذله، والأنفاس اللاهثة، والحرص على حركة واحدة، ووتيرة واحدة فى ضربات المجاديف التى كانت تدفعه، كنا نسمع صوت "محمد عزت" يأتينا من الخلف عندما "تحزقه" النكتة أو "يبحلق" فى العوامات ويعلق على ما يجرى خلف أستارها، فيختل توازن القارب المندفع فوق مياه النهر. عندئذ كان ينهره "على الشلقانى" قائلاً: " يا محمد انتبه بلاش مسخرة" فترتفع ضحكته الصافية فى جو الصباح، ضحكة مصرية مفعمة بالفرح، وحب الحياة، والسخرية منها.

خرجت من السرادق. توقفت قليلاً خارجه، لمحت للافتة المنتصبة على الرصيف قرب الباب مكتوباً عليها اسمه "محمد حسين عزت". وقفت أتأملها لحظة، قلت لنفسى أول مرة اكتشف فيها أن "حسين" أحد أسمائه، وكأننا لم نقترب كأننا نجتاز الحياة دون أن نكتشف بعضنا بعضاً نطقت اسمه هامساً "محمد حسين عزت" ثم سرت فوق الرصيف فى الشارع وقد بدا موحشاً، مهجوراً فى الليل الداكن.

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism