الأهالي
2/2/2000
عــن
الــرجــولــة
.. وقــانـــون
الأحـــوال
الشــخصيــة
في نهاية
شهر رمضان الماضي
أقام عدد من
أفراد الأسرة
التي أنتمي
إليها حفلاً
للإفطار. تجمع
في هذا الحفل
ما لا يقل عن
أربعين رجلاً
من مختلف المهن
، والفئات ،
والأعمار. لم
يكن هناك نساء
من الأسرة،
فالدعوة كانت
مقصورة على
الرجال.
كانت مناسبة
جيدة لكى ألتقي
بعدد كبير من
الأقرباء الذين
شاءت ظروف حياتي
ألا ألتقي بهم
من قبل . أن أتعرف
عليهم ، وأتبادل
معهم الأفكار.
أن أخوض تجربة
اجتماعية ،
ووجدانية حرمت
منها منذ الطفولة
عندما أقمت
في بيت جدي أثناء
العشرينات
من القرن الماضي.
لذلك ساد
جو من الدفء
والوئام جعلني
أنا ، وربما
أغلب المشاركين
فيه يحسون بالسرور
في ظل هذا التجمع
الأسري تجسد
فيه تدفق الحياة
من جيل إلى جيل.
فهذا الشعور
بالتاريخ ،
بالاستمرار
، وهو من بين
الأشياء المهمة
التي تغرس فينا
الإصرار على
مواصلة جهودنا
هو أحد الأسباب
التي تجعل كبار
السن يحملون
للأحفاد عواطف
خاصة.
عندما غادرت
الحفل وجدت
عدداً من المدعوين
يقفون في تجمع
صغير على الرصيف
أمام العمارة
. كانوا مستغرقين
في الحديث عندما
هبطت من السلالم
إلى الشارع.
عندما لمحوني
أخرج من الباب
نادوا عليُ.
سمعت أحدهم
يقول :
" نريد أن
نسمع رأيك يا
دكتور شريف
في الموضوع
الذي كنا نتداول
فيه ".
توقفت ، واتجهت
إليهم . كان من
بينهم أحد أعضاء
مجلس الشعب
، وآخر عضو في
مجلس الشورى.
قال عضو مجلس
الشعب :
" غداً يوم
السبت ، يوم
أسود في حياتنا
".
فوجئت .. ظننت
أن هناك كارثة
خطيرة ، وشيكة
الوقوع ، فانزعجت.
سألته :
" لماذا يوم
أسود يا مصطفى
؟ ما الذي سيحدث
غداً ؟ ".
قال :
" غداً سيعرض
قانون الأحوال
الشخصية الجديد
".
أدركت أنه
يوجه هذا الكلام
إلي بالذات
لأنه يعرف أنني
متزوج من نوال
السعداوي ،
وأنني من المدافعين
عن حقوق المرأة.
سألته :
" وما الذي
يزعجك من مشروع
القانون إلى
هذا الحد ؟ ".
قال :
" إنه ضد قوامة
الرجل على المرأة
، إنه سيدمر
الأسرة لآن
المرأة لن تطيع
زوجها ، ولن
تخضع لما يطلبه
منها. سيشيع
الفساد فى حياتنا،
بل هو الفساد
بعينه ".
قلت :
" وبالطبع
رأيك أنت أنه
لا يوجد فساد
في حياتنا الأسرية
عندما يفعل
الرجل ما يحلو
له دون أن يفرض
عليه أي التزام
قانوني. ثم ما
هو الجديد في
هذا القانون
، إنه تطبيق
لقاعدة شرعية
أقرها سيدنا
محمد . لكن الاتجاهات
المتخلفة ،
والمتعصبة
في تفسير الإسلام
حالت حتى الآن
دون تطبيقه
في مصر ، فالرجل،
إلى أن يصدر
هذا القانون
له مطلق الحق
في تطليق زوجته
حتى غيابياً
، أما المرأة
فمرغمة على
البقاء معه
مهما كان سيئاً
، وحتى إن كرهته
، وكرهت حياتها
معه. فكيف يمكن
أن تستقيم حياة
الأسرة في ظل
هذا الوضع ؟
".
قال وعيناه
تطرفان أمام
عيني :
" بالطبع
لا .. لكن مع ذلك
فهذا القانون
معناه إلغاء
قوامة الرجل
على المرأة.
إنه خطير ، ومن
شأنه هدم كيان
الأسرة المبني
على طاعة المرأة
".
حاولت أن
أقنعه بأن هناك
تناقضاً في
موقفه لكن دون
جدوى. أدركت
أن منطقه العقلي
يرى خطأ الإصرار
على رأيه لكنه
بحكم التربية
، والعادة ،
واستمراء الوضع
الذي يجعله
" السيد " بلا
منازع يحول
دون أن يقتنع..
ظل يكرر الحجج
نفسها. فودعتهم،
وانصرفت لأستقل
سيارتي عائداً
إلى بيتنا فى
حدائق شبرا.
منذ
تلك الأمسية
احتل قانون
الأحوال الشخصية
الجديد ، والمناقشات
التي دارت حوله
مكان الصدارة
في شئون بلادنا
.. أصبح حديث الأسر
في كل بيت ، وأصبح
الناس يتحاورون
حوله في جلساتهم
، ومنتدياتهم.
خصصت الصحف
والمجلات صفحات
وصفحات لنشر
المقالات والآراء
المختلفة حوله
، كما أذيعت
ندوات وبرامج لمناقشة
القانون في
التلفزيون
والإذاعة طوال
الأسابيع الماضية.
لكن الغريب
في الأمر أن
أصوات الدفاع
عنه ، كانت أقل
من تلك التي
ارتفعت لتخوض
المعركة ضده
، رغم أنه كان
من المعروف
أنه حول الى
مجلسي الشورى
والشعب من أعلى
سلطة في البلاد.
وهذه الظاهرة
تنطبق حتى على
ما اصطلحنا
بتسميتها "
الصحف القومية
". وتدل على مدى
تغلغل الفكر
السلفي ، والثقافة
السلفية في
حياتنا.
حرصت
على تتبع أغلب
ما كتب أو قيل
عن القانون
الجديد. أصابتني
الدهشة إزاء
الفزع الذي
أبداه عدد كبير
من الرجال وقلة
من النساء. كان
من بينهم رجال
دين ، وصحفيون
ورجال قانون
، وقضاة ومستشارون
في المستويات
العليا ، فبدا
وكأن المجتمع
أصبح قاب قوسين
أو أدنى من الهلاك
لأن المرأة
ستستطيع اللجوء
إلى القضاء
ليحكم لها بالطلاق
إذا رأت أن الحياة
مع زوجها أصبحت
مستحيلة. ومن
بين ما قرأت
"مانشيت " مثير
في إحدى الصحف
الأسبوعية
يقول : " نهاية
عهد الرجال
" كأن رئيس
التحرير أراد
أن يسكب البنزين
على النار التي
أرادت التيارات
المعادية لتقدم
المرأة إشعالها.
وكذلك تصريح
لأحد رجال الدين
أكد فيه "أن
الرجل يملك
الساق"، فالمرأة
بالنسبة لهؤلاء
ليست إنساناً
له عقل ، وقلب
، وجسم ، وإنما
مجرد " ساق "
مجرد قطعة لحم
بلا أحاسيس
يرقدون فوقها
!!
لو كان الأمر
يتعلق بإلقاء
قنبلة نووية
على عاصمة بلادنا
لما ارتفعت
هذه الأصوات
لتثير المخاوف
في قلوبنا ،
ولما سمعنا
كل هذا الصراخ
حول الخطر الذي
يتهدد حياتنا
. إن مثل هذه الاتجاهات
هي التي تشجع
على وقوع ما
حدث في " الكُشح
" لأن الفكر
المتعصب والمتخلف
نسيج واحد لا
يتجزأ. إنها
تجعلني أتساءل
: ما هي هذه الرجولة
الهشة التي
تخشى على نفسها
، وعلى كيانها
أمام حرية المرأة
في ألا تعاشر
رجلاً إلا إذا
كانت تشعر إزاءه
بحد أدنى من
الود ، والوئام
، ولا نقول الحب
الذي لا شك يكون
مستعصياً في
مثل هذه العلاقات
؟ وما قيمة الحياة
الزوجية والأسرية
المبنية على
السلطة ، والطغيان
والقهر ؟ وما
هي الدروس الأولى
في الحياة التي
يمكن أن يتلقاها
الطفل ، أو الطفلة
عندما يريان
أمام أعينهما
مثل هذه العلاقات
بين الأب ، والأم؟
وما هو نوع الشخصية
التي يمكن أن
تنمو في ظل هذه
الأجواء البغيضة
؟
الأدهى
من ذلك هو ما
يحدث في بعض
الأوساط التقدمية
.. فمنذ أيام قليلة
كنت حاضراً
في اجتماع حزبي
مع عدد من عناصرها
القيادية ؛
فقام أحدهم
، وهو عضو في
البرلمان يمثل
إحدى الدوائر
المهمة في بلادنا
وقال :
" إنني
أؤيد قانون
الأحوال الشخصية
المعروض علينا
، لكني لا أقول
هذا الكلام
للجماهير في
دائرتي الانتخابية
وإلا فقدت الأصوات
التي أحصل عليها
". فأدركت أن
المشكلة تكمن
في أن النساء
لسن قوة لها
وزن سياسي ولا
يؤثرن في الانتخابات.
فإنهن بلا تنظيمات
تدافع عن مصالحهن
، وتناضل من
أجل تغيير وضعهن
المتدني. لذلك
فإن الأحزاب
، والقيادات
حتى التقدمية
منها مستعدة
للتضحية بهن
في أي وقت نظير
عدد من الأصوات
، وهذا ما نسميه
بالتكتيك ،
وهي مسألة لها
منطق. ولكنها
تعني أن السياسة
ما زالت تمارس
في بلادنا ،
بل وفي العالم
أجمع بطريقة
قد تؤدي إلى
كسب السلطة
، أو بعض النفوذ
، ولكنها لن
تعالج مشاكل
المجتمع الحقيقية.