|
مقالات
القاهرة أول يناير 2007
إستعادة ضمير الأمة المصرية !
بقلم د. نوال السعداوى
لا أتحدث هنا عن ضميرنا الغائب فى الأمور السياسية الكبرى العالمية والمحلية , لا
أتحدث عن جرائم الحرب وجرائم السلم وجرائم السوق الحرة وغير الحرة , لا أتحدث عن
كيف تحكم القوة العسكرية والنووية عالميا , وكيف تهدر حقوق البلايين من البشر , من
أجل ثراء حفنة من الحكام فى العالم والحكام فى بلادنا التابعين لهم ,
لا أتحدث عن الديموقراطية الزائفة التى تسمح بمعارضة شرعية لا تنجح فى شىء الا
الكلام والكتابة فى الصحف والصراخ فى الفضائيات واشاعة الوهم أننا نعيش عصر
الديموقراطية ,
هناك من اعتبروا أن الأديان هى أفيون الشعوب , لكن الأفيون فى عصرنا هو
الديموقراطية وما تشمل من أحزاب وصحف للمعارضة , أو ما تسمى الصحف المستقلة , التى
يمولها أصحاب البلايين , يتنافسون مع أصحاب الحكم على المال والسلطة , بالاضافة الى
تسخير الأديان لخدمة التضليل وتحجيب العقول والوجوه ,
ألهذا السبب لم يكن ممكنا نشر هذا المقال فى أى مكان وأى صحيفة فى بلادنا ؟
الا أن عدم القدرة على النشر لا تعنى الصمت , فالصمت جريمة , وعلينا أن لا نكف عن
كشف الزيف الاعلامى الحكومى وغير الحكومى , بأى طريقة ممكنة ,
دموع التماسيح على مذابح الأطفال واغتصابهم
---------------------------------------------
كم من دموع ومقالات وصرخات حول ما تكشف فى بلادنا من
عصابات الأطفال اغتصابهم جنسيا , ثم قتلهم بالذبح أو القذف فوق قضبان القطارات ,
أما البنات اللائى يحملن بعد الاغتصاب فهن كنز أى كنز, يتم حمايتهن حتى الولادة ,
ثم يذبحن , أو يدفن أحياء تحت الأرض , ويؤخذ المواليد إلى حيث يتم بيعهم بآلاف
الدولارات واليوروهات للنساء الأجنبيات وغير الأجنبيات المحرومات من الإنجاب ,
بعض أراء تقترح حلولا لهذه المشكلة التى يروح ضحيتها أكثر من ثلاثة ملا يين طفل
مصرى , يعيشون ويموتون فى الشوارع , منهم "اثنين مليون" مما يطلق عليهم الأطفال "
اللقطاء" أو غير الشرعيين , وهم من جميع الطبقات الفقيرة والوسطى والعليا ,
جاءت إلى عيادتى النفسية منذ أيام طالبة فى الجامعة الأمريكية من طبقة عليا فى
العشرين من عمرها , ترتدى الحجاب الأنيق , وجهها شاحب , غسلته من المساحيق , تعانى
الاكتئاب والرغبة فى الانتحار , لقد حملت من ابن عمها ( فى بيتها أثناء غياب أفراد
أسرتها فى النادى ) ,
قالت لى : توقعت أن أنزف فى عملية الإجهاض فتعانى أسرتى الفضيحة بعد موتى , لم يكن
أمامى حل ( أنا وابن عمى ) إلا التخفى أيام الولادة , ثم لف الطفلة المولودة فى
بطانية صوف وتركها فى ظلمة الليل فى حى السيدة زينب بجوار الجامع .
وأين ذهبت الطفلة المولودة :
---------------------------
تبكى الفتاة الطالبة وعيناها شاردتان فى الخواء
وتقول : شفت عينيها وأنا ألفها بالبطانية , بنتى المولودة , وأنا أتركها على أرض
الشارع , فى الهوا والبرد , شفت عنيها مليانة دموع و ساكته خالص , ما أقدرتش أمشى ,
عينيها فى عينى , وصوابعها الخمسة ماسكة فى صباعى الصغير ده ! لولا ابن عمى شدنى
وأخدنى بعيد كنت بقيت لحد ما يمسكونى , وياريت بقيت جنبها , على الأقل كنت أعيش
معاها فى الشوارع وأحميها من عصابات الأطفال ,
يا ترى انت فين يا بنتى ؟!
السؤال أين ذهبت هذه الطفلة ؟!
اكتشفنا من خلا ل الصحف أن عصابات الأطفال هى مؤسسات كاملة محلية ودولية لجمع
اللقطاء والأطفال السفاح , وأطفال الشوارع الشرعيين الهاربين من الفقر أو قسوة الأب
أو زوجة الأب , أو قسوة العم الذى يتولى الولاية بعد موت الأب , أو قسوة الأم ذاتها
التى تدفعها الظروف القاسية للتخلى عن فلذة كبدها .
يشتغل فى مؤسسات عصابات الأطفال نساء مدربات على توليد الأم الطفلة بطريقة سليمة ,
حتى لا تتعرض للخطر , وعلى انتزاع المولود من أمه بعد لحظة خروجه من الرحم , وقبل
أن تلتقى عينى الأم بعينى طفلها ,
لماذا ؟
لأن الأم وإن كانت طفلة فى الرابعة عشر من عمرها , لا يمكن أن تنسى عينى طفلها ,
وقد تدافع عنه بقوة خارقة قد تسبب المشاكل لهذه العصابات , لهذا ينزعون المولود
بسرعة فائقة , ويحملون الأم الوالدة وهى لا تزال تنزف إلى حفرة فى الأرض ثم يوارون
عليها الطوب والتراب , ويرشونها بالماء , ويزرعون عليها الجرجير والبصل والخس
والخيار . لمجرد التعمية ,
لا توجد إحصاءات بهذه الأمهات الصغيرات الموؤدات فى مصر , ولا توجد إحصاءات بعدد
عصابات الأطفال , وكل يوم نكتشف وكرا جديدا لعصابة كاملة .
عصابات معلومة ومجهولة :
------------------------------
قرأنا فى صحف 28ديسمبر 2006 أن أجهزة الأمن اقتحمت فى الإسكندرية المسرح المهجور فى
الإبراهيمية , وقد حولته عصابة من عصابات الأطفال إلى قلعة مسلحة , كما توجهت قوة
إلى وكر " أم رشا " التى تتاجر فى أعراض بنات الشوارع وتقوم ببيع الأطفال " السفاح
" الناتجة عن اغتصاب هؤلاء البنات بواسطة رجال العصابة , لكن المتهمة تمكنت من
الهروب والاختفاء . كيف هربت ؟ هل هناك من يتستر عليها فى البوليس ؟
كما ألقى القبض على سيدة معروفة باسم "أم ياسر" تمارس نشاطا واسعا فى جمع أطفال
الشوارع من البنات الهاربات ( من أسرهن خوفا من الفضائح ), تتولى "أم ياسر "
رعايتهن والتكسب منهن بالطرق الثلاثة :
1- المتاجرة بأجساد البنات فى موسم البغاء الأكبر خلال فترات الصيف لرواد المصايف
من الرجال الأجانب وبلاد النفط .
2- بعد أن تحمل البنت منهم , وتلد طفلها , يتم انتزاعه منها بالقوة أو بالخداع ,
ويتم بيع الطفل للأجانب وغير الأجانب من الرجال والنساء فى سوق بيع الأطفال التى
أصبحت منتشرة فى مصر خلال السنين الثلاثين الأخيرة , ( وقد سبق لى الكتابة عنها
خلال الثمانينات فى مجلة تضامن المرأة العربية , التى أغلقت دون أى سند قانونى , )
3- تؤخذ الأم الوالدة الصغيرة , فتدفن فى الحفرة المعدة لها , لكنها قبل أن تدفن
يستأصلون منها الكليتين والقرنية والكبد وغيرها وذلك لبيعها فى الأسواق المتزايدة
للتجارة فى الأعضاء البشرية .
معلومات معروفة للجميع :
-----------------------------
هذه المعلومات جميعا نشرت على مدى السنين الماضية , وأخيرا انفجر الدمل المزمن
الملئ بالصديد , وخرجت الرؤوس من تحت الرمال , وصاحوا :
ما الحل لمشكلة أطفال الشوارع المزمنة , ومنهم 2 مليون طفل غير شرعى , بعضهم من
عائلات عالية مثل تلك الطالبة فى الجامعة الأمريكية التى جاءت إلى قبل أن تشرب السم
وتنتحر .
ما هو الحل ؟
---------------
ليس الحل هو جمع هؤلاء الأطفال ( 3 مليون على الأقل شرعيين وغير شرعيين ) ووضعهم فى
الملا جئ أو تحت رعاية الجمعيات الخيرية أو الأهلية أو الحكومية , فلم يحدث فى
العالم غربا وشرقا أن استطاعت هذه المؤسسات حكومية و غير حكومية ( وإن زاد عددها
وزاد تمويلها ) أن تستوعب هذا العدد الهائل المتزايد من أطفال الشوارع ,
اهتدت بلاد العالم فى الغرب والشرق , ومن مختلف الأديان , بما فيهم أندونيسيا(
ويسكنها 300 مليون مسلم ) إلى أن الحل ليس رعاية أطفال الشوارع فى الملاجئ
والمؤسسات , بل الحل الوحيد هو :
-----------------------------------
القضاء على الأسباب التى تدفع بالأطفال إلى الشوارع .
----------------------------------
الأمة الأندونيسية المسلمة عندها ضمير :
-------------------------
دعيت إلى أندونيسيا لافتتاح المؤتمر الدولى لكاتبات المسرح يوم 19 نوفمبر 2006 ,
والتقيت بكاتبة مسرحية معروفة فى جاكارتا , إسمها راتنا سارومبايت , كانت رئيسة
المؤتمر , وشاركت إبنتها فى المؤتمر , فتاة ممشوقة , تلمع عيناها بالذكاء ,
سألتها ما إسمك ؟ قالت : إسمى " Atiqua Hasi Holan "
تصورت أن هذا هو إسمها الثلاثى الذى يحمل إسم أبيها وجدها لأبيها , لكنها قالت لى :
اسمي باللغة الأندونيسية يعنى : أنا أحب الحرية ,
اندهشت : هل هذا اسم ؟ هل هذا اسمك الثلاثى فى شهادة ميلادك ؟
قالت : نعم انه اسمى الثلاثى ,
وشرحت لى والدتها الأستاذة رئيسة المؤتمر والكاتبة المسرحية المعروفة فى أندونيسيا
.
قالت : القانون فى بلادنا يعطى الطفل المولود الإسم الذى تختاره الأم أو الأب أو
شخص آخر فى الأسرة أو خارجها , وينص القانون على أن جميع المواليد يتمتعون بالشرعية
والشرف وجميع الحقوق التى يتمتع بها أى مواطن فى الدولة , بصرف النظر عن الطريقة
التى جاؤا بها العالم ,
إشتدت دهشتى , وسالتها : ألا يوجد عندكم مشكلة أطفال سفاح أو غير شرعيين؟
قالت : جميع الأطفال فى بلادنا شرعيون , وقد استطعنا بالقضاء على
مشكلة الأطفال غير الشرعيين انقاذ 75% من أطفال الشوارع فى بلادنا , وأغلبهم بنات
كن يلدن فى الشوارع تستغلهن مؤسسات تتاجر فى البشر وأعضائهم , عصابات الرقيق
الدولية المعروفة , التى تتخذ أسماء انسانية خادعة , وتتخفى تحت حماية قوى سياسية
ودينية فى معظم البلاد ,
وتابعت الكاتبة الأندونيسية كلامها :
أصبح أمامنا 25% من اطفال الشوارع الذين يدفعهم الفقر أو قسوة الأهل للهروب من
البيت , وهذه مشكلة لها خطط طويلة الأجل , لأن القضاء عليها يلزمه القضاء على الفقر
والبطالة المتزايدة , وهذا يلزمه القضاء على الاستعمار الخارجى وأعوانه فى الحكومة
المحلية , وهى شروط لتحقيق التنمية الاقتصادية , وزيادة الإنتاج الوطنى , ورفع
الوعى , وكلها تحتاج الى تغيير كامل للنظام الحاكم ,
أما قسوة الأب أو الأم , فهى مشكلة ربما أصعب من القضاء على الفقر أو المشكلة
الاقتصادية , لأن تغيير عقلية الأب ليفهم معنى الأبوة الحقيقية , أى المسؤلية تجاه
أطفاله , وعدم التخلى عن هذه المسؤلية أبدا لإشباع رغباته الجنسية بالزواج بأخريات
, أو بإنفاق أمواله على نفسه ومتعه المتعددة , وكذلك تغيير عقلية الأم لتفهم حقوقها
كأم وحقوق أطفالها ولا تتخلى عن هذه المسؤلية أبدا , وتفرض على أبيهم الالتزام
بمسؤلية الأبوة , وكذلك تغيير عقلية المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية
والأخلاقية , بحيث لا يعاقب أى طفل لأى جريمة يقترفها الأب أو الأم , فالطفل
المولود مواطن مستقل عن أبيه وأمه , له حقوق الموطنة كاملة , وبحيث لا تعاقب الفتاة
اجتماعيا أو أخلاقيا إن خدعها رجل وحملت دون عقد زواج موثق , ويكون لها جميع حقوق
المواطنة هى وطفلها أو طفلتها التى تولد من غير أب ,
هل يمكن أن يصدق أحد أن القوانين فى أندونيسيا أكثر انسانية وعدالة من القوانين فى
بلادنا ؟
بل قوانين أغلب بلاد العالم , فى الشرق والغرب , من شمال أمريكا إلى جنوب أفريفيا ,
ومن استراليا وأندونيسيا شرقا إلى فرنسا وأسبانيا غربا , أصبحت هذه القوانين لا
تعاقب الطفل لأن الأب ندل ( بلغة نزار قبانى ) الأب الندل هو من يمارس الجنس مع
امرأة ثم يرفض اعطاء اسمه للمولود , لمجرد أنه لم يوقع على ورقة ! أهناك ندالة أكثر
من هذا ؟
وماذا نقول عن أمة بكاملها تتواطأ مع هذا الأب الندل ضد المولود البرىء الذى لا حول
له ولا قوة ,
الأب غير الشرعى الهارب :
--------------------
هل نرفع رؤوسنا من الرمال ونواجه مشاكل أطفال الشوارع وعلى رأسهم الأطفال ضحايا
الأندال من الرجال , متزوجين أو عزاب , شباب أو كهول , يخدعون البنات باسم الحب أو
الزواج , أو التهديد , أو الإغراء , ثم يهربون من مسؤليات الأبوة ,
القانون فى مصر يحمى الأب الندل لأنه رجل وإن كان زانيا !
ألم يعترف أحد الممثلين فى مصر أنه مارس الجنس مع فتاة ثم رفض أن يعطى اسمه للطفلة
المولودة , ورفض كل الطرق لإثبات أبوته بما فيها تحليل الشفرة الوراثية (D N A ) ,
ولولا كفاح الأم المهندسة وأبيها الأستاذ الدكتور على مدى العامين الكاملين لما
خرجت القضية إلى المحاكم والرأى العام , ولولا نزاهة القاضى وضميره الحى لأصبحت هذه
الطفلة البريئة ضمن الأطفال السفاح أو غير الشرعيين , وليس لها حق فى القانون , سوى
أن تحمل اسم أمها وتحمل معه لقب " ابنة الزنا " , وتحرم من كثير من الحقوق
الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التى يحظى بها من يحملون اسم الأب
ويتمتعون بالشرعية
الأب الهارب الشرعى :
----------------
جاءتنى منذ أيام امرأة فقيرة تشتغل فى البيوت بأجرة يومية , حكت لى قصتها , تزوجت
وأنجبت بنتين أرسلتهما إلى المدرسة , ودفعت مصاريفهما من أجرتها لأن الأب ترك أسرته
وتزوج امرأة أخرى , ثم طلق زوجته الأولى أم البنتين , حاولت الأم أن ترفع على
مطلقها قضية نفقة دون جدوى , لقد اختفى الأب من الحى كله ولم تعرف له عنوانا ,
اضطرت الأم أن تترك شقتها , وتسكن فى غرفة فى حى شبرا الفقير , وكان لابد لها أن
تحاول نقل أوراق ابنتيها من المدرسة الابتدائية بالمعادى إلى مدرسة فى حى شبرا
الخيمة , إلا أن إدارة المدرسة رفضت تسليم الأم الأوراق , رغم إثبات الأم أنها
الحاضنة الرسمية لابنتيها ,
قالت لها المديرة : الأم الحاضنة أو الأم الوصية ليس لها حق الولاية على أطفالها ,
ولابد من ولى أمرها( وهو الأب ) كى يتسلم أوراقها بنفسه حسب القانون .
تعذبت الأم عامين كاملين , تبحث عن الأب دون جدوى , وبحث المحامى ( الذى دفعت أجره
إحدى الأسر التى تشتغل عندها ) عن أى ثغرة فى القانون تسمح للأم بسحب أوراق ابنتيها
من المدرسة , دون جدوى ,
وصلت الأم (عن طريق مخدوميها من الأسر الكبيرة) إلى بعض المسئولين الكبار فى وزارة
التعليم , على رأسهم الوزير , لحل مشكلتها دون جدوى وحصلت على وساطات حكومية وغير
حكومية , دون جدوى ,
لم تتمكن الأم من نقل ابنتيها إلى مدرسة قريبة من غرفتها فى شبرا , وظلت تتكبد كل
يوم فى سبيل مرافقتهما إلى مدرستهما من شبرا إلى المعادى , ما يساوى نصف أجرتها
اليومية ,
وأخيرا بعد عامين من الشقاء , تمكنت من الوصول إلى أم زوجها , أو جدة الابنتين ,
وأخذت تتوسل إليها بالدموع (مع دموع حفيدتيها الطفلتين ) أن توصلهما إلى الأب
الهارب , وذهبت الجدة العجوز , توسلت إلى ابنها أن يرحم طفلتيه ويذهب إلى المدرسة
ويسحب أوراقهما لنقلهما إلى المدرسة الابتدائية بشبرا , ووافق الأب أخيرا بشرط أن
تتنازل مطلقته , أم الطفلتين , عن قضية النفقة فى المحكمة ,
تنازلت الأم عن القضية واستلمت أوراق طفلتيها .
هذا مثل واحد على أن النظام الأبوى السائد لم يعد صالحا ولا بد من تغييره ان كان
عندنا ضمير ,
لإحياء الضمير فى بلادنا :
------------------------
القانون فى بلادنا يجب أن يتغير , فلا يكون للأب وحده الولاية على أطفاله , بل يكون
من حق الأم الحاضنة والوصية على أطفالها ( أو إخوتها الصغار ) حق الولاية أيضا ,
لأن الأم الحاضنة تعيش مع أطفالها وتنفق عليهم ( أغلب الآباء يتهربون من النفقة وإن
حكمت المحكمة يزيفون الأوراق , ومنابع الدخل حتى تنخفض قيمة النفقة إلى أقل ما يمكن
) , تعيش الطفلة فى حضانة أمها حتى تبلغ سن الرابعة عشر , ( والطفل الولد حتى
الثانية عشر ) فكيف يمكن أن يظل الأب الهارب من المسؤلية هو صاحب الولاية , وليس
الأم التى تعمل وتكد وتشقى من أجل أطفالها .؟
والابن الذى انتحر بسبب أبيه الهارب :
وهل قرأنا ما نشر فى صحف يوم 28/12/2006 عن الابن الذى انتحر لأن الأب هرب من البيت
تخلصا من مسئولية الانفاق على أولاده وبناته , وكم قرأنا هذه القصص , وغيرها , عن
أولاد وبنات ينتحرون , يأسا من الحصول على الرزق , مع تزايد البطالة , وبسبب
الحرمان من الأبوة , وكم من آباء يشجعهم القانون على تشريد الأم وأطفالها , تحت اسم
تعدد الزوجات , وحق الرجل فى اشباع نزواته الجنسية على حساب مصلحة أطفاله ,
المطلوب منا الشجاعة للتغيير :
------------------------
إننا فى حاجة إلى استعادة ضمير الأمة المصرية الغائب , وإذا كان ضميرنا موجود
ويتألم من أجل عقاب الأطفال الأبرياء وأمهاتهم , فكيف نصمت ؟ كيف تمر السنين
والعقود دون أن نغير شيئا فى القانون أو القيم الأبوية السائدة ؟
علينا أن نطالب بشجاعة بالآتى :
-------------------------
1- أن نحذف من القانون المصرى كلمات من نوع " إبن الزنا " " أولاد الحرام " ,اللقطاء
, أطفال السفاح , أطفال غير شرعيين , هذه الكلمات لا تصدر عن أمة لديها ضمير حى ,
أو قيم أخلاقية عادلة تعاقب المذنب الحقيقى ( وإن كان رجلا ) وليس الضحية ( وإن
كانت طفلة ) .
2- حين يتهرب الأب من المسؤلية سواء كان شرعيا أو غير شرعى ( لم يعترف بالأبوة )
تصبح الأم الحاضنة أو الوصية هى صاحبة الولاية على أطفالها حتى يكبرون , ويصبح من
حقهم أن يختاروا الولى أو الولية , إن كان الأب أو الأم , حسب مصلحة الأبناء
والبنات ,
3- ويصبح لاسم الأم الشرف ذاته الذى يكون لاسم الأب , ومن يحمل إسم أمه يكون طفلا
شريفا له جميع حقوق المواطنة مثل الأطفال الآخرين , وليس ابن زنا ,
4- تتغير المناهج التعليمية والإعلامية والدينية والثقافية بحيث يتعلم الإنسان
المصرى احترام الأم مثل احترام الأب , و تتولى الأحزاب السياسية والجمعيات غير
الحكومية والحكومية مهمة الثقافة والتنوير ومنع الظلم تحت مسميات مسميات سياسية أو
دينية أو أخلاقية مزيفة ,
هذه هى البداية لتستعيد أمتنا المصرية ضميرها الغائب ,
-----------------------------------------
وبدون هذه التغيرات الأولية علينا أن نشعر بالخزى كلما سمعنا شيئا عن مآسى أطفال
الشوارع , ولا نتهم هؤلاء الأطفال بانعدام الأخلاق , أو نعطيهم لقب أولاد الزنا ,
ونفرض عليهم الخزى والعار ,
فالعار هو عارنا نحن الأمة المصرية , وعلينا أن نمسح عارنا , وأن نستعيد ضميرنا
والا فليس أمامنا الا الانقراض , فلا شىء يؤدى الى انقراض الأمم أو المجتمعات
الانسانية الا غياب الانسانية والضمير الحى ,
د . نوال السعداوى
القاهرة أول يناير 2007
|