spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

قضية "معزوزة" ليست فردية
قتلها آلاف المرات وهى قتلته مرة واحدة !

 

بقلم د. نوال السعداوى

القاهرة 10 أبريل 2006

قرأت فى جريدة "المصرى اليوم" (10/4/2006) عن قرار محكمة جنايات الجيزة بإعدام "معزوزة ابراهيم محمد" شنقا لاتهمها بقتل زوجها بسم الفئران.

بعد أن قرأت قصتها فى الجريدة ، تركت لها التزاماتى وجلست لأكتب هذا المقال ، لأمنع وقوع هذه الجريمة "وهى شنق معزوزة" ، فهى بريئة أيها السادة ، رغم أنها وضعت سم الفئران لزوجها فى طعامه ، الذى وضع لها السم فى حياتها يوما بعد يوم منذ تزوجها وهى فى السابعة عشر من عمرها ، وهو يكبرها بحوالى عشرين عاما .

قصة "معزوزة" تشبه قصة آلاف الأطفال البنات اليتيمات الفقيرات ، فقدت أمها وعمرها سنة واحدة ، ثم مات أبوها وهى طفلة فى التاسعة من عمرها ، قادتها مكاتب تشغيل الخادمات إلى شقة امرأة طيبة ميسورة الحال ، فى عمارة كبيرة ، يحرسها بواب إسمه "سعيد" رآها وهى تدخل وتخرج من باب العمارة مثل غيرها من الخادمات ، فقرر الزواج منها ، فتاة فى السابعة عشر من عمرها ، قوية البنيان ، تصلح لخدمته وخدمة أولاده الستة ، بعد أن فقدوا أمهم ، ويمكن أن تمتعه أيضا .

عاشت "معزوزة" مع زوجها وأولاده الستة ، فى شقة صغيرة بمنطقة كرداسة ، وأنجبت طفلتين ، تخدم الأسرة الكبيرة ثمانية أفراد وأبوهم ، الذى تقاعد عن العمل ، وبدأ يضربها لتخرج إلى العمل كخادمة فى البيوت ، حتى تنفق عليه وعلى الأسرة .

أصبحت "معزوزة" مثل آلاف النساء الفقيرات فى مصر تعول أسرتها من الأجر الذى تحصل عليه من مسح البلاط فى بيوت الناس ، أصبحت تعمل داخل البيت وخارجه ، تتولى مسئولية الإنفاق ، وتعود منهوكة القوى قبل منتصف الليل بساعة واحدة ، لتجهز العشاء لزوجها ، وللأولاد والبنات .

دخل زوجها وراءها إلى المطبخ ذات ليلة ، وانتزع من حقيبة يدها كل ما بداخلها من نقود ، كان يضربها ويستولى على نقودها ليشرب الدخان .

قالت له : أنت رجل البيت والمفروض أن تشتغل وتصرف على أولادك .

كان أجرها من مسح البلاط ضئيلا لا يكفى دخانه وطعام الأولاد ، فقال لها : إتعرفى على الشباب وانتى تطلعى منهم بفلوس كثيرة !

نزلت هذه الكلمات على "معزوزة" كالصاعقة ، فهى امرأة فقيرة لكن شريفة ، لم تأكل أبدا بثدييها كما تفعل بعض النساء الفقيرات ، تفضل أن تمسح البلاط عن أن تعمل فى سوق البغاء .

إلا أن زوجها لم يكن يهمه أن تكون زوجته مومسا ، من أجل أن يشرب دخانه ويشبع مزاجه ، وأصبح زوجها عقبة كبرى فى حياتها وحياة الأولاد والبنات الذين يحتاجون إلى مصاريف طعام ومدارس وأدوية .

كانت أبواب الطلاق والخلع كلها مغلقة أمامها ، وليس معها أجر المحامى ، ولا تعرف الطريق إلى المحاكم ، وهى تريد الحفاظ على شرفها وشرف أولادها وبناتها ، وتضمن لهم مستقبلا شريفا .

أخيرا إشترت بخمسين قرش سم فئران ، ووضعته له فى الطعام .

وصمتت "معزوزة" حين سمعت الحكم بإعدامها شنقا فى المحكمة ، لم يكن يهمها الإعدام شنقا ، فهى مشنوقة يوميا منذ تزوجها هذا الرجل ، منذ كانت فى السابعة عشرة من عمرها .

عشرون عاما عاشتها "معزوزة" مع زوجها ، تشقى من أجل أن تخدمه هو وأولاده ، أخلصت له ولم تعرف رجلا آخر ، رفضت أن تبيع نفسها فى سوق البغاء كما أراد لها زوجها أن تكون .

كان يضربها كل يوم ، قتلها آلاف المرات على مدى عشرين عاما ، وهى قتلته مرة واحدة فقط دفاعا عن نفسها وشرفها ومستقبل الأولاد والبنات فى الأسرة .

ألم يسمع القضاة فى المحكمة قصة "معزوزة" ؟ ألم يدركوا أنها لبست قاتلة بل مقتولة ؟! ألا يعرفوا أن مَنْ يقتل دفاعا عن حياته ليس قاتلا بل بريئا ؟!

إن دوافع الجريمة أيها السادة هى التى تحدد إن كانت جريمة أو ليست جريمة . فلماذا أيها السادة لم تدركوا الدوافع وراء ما فعلته "معزوزة" ؟

هناك مبدأ فى العدالة يقول :

"الدوافع وراء الفعل هى التى تحدد إن كان جريمة أو عملا مشروعا."

هذه هى العدالة أيها السادة ، فكيف لم تتوخوا العدالة فى حكمكم بالإعدام على "معزوزة" ؟!

ملحوظة: مفارقة صارخة تدل على ازدواجية القيم والقوانين التى تحكمنا فى اليوم نفسه الذى صدر قرار إعدام "معزوزة" حكمت المحكمة بتبرئة "معزوز" قتل زوجته بعد أن رآها مع ر<ل آخر ، لم يتمالك شعوره وأغمد السكين فى صدرها وحصل على البراءة مع دفع الغرامة !

أنا ضد الإعدام شنقا لأى إنسان ، قبل أن نتحرى العدالة ودوافع الجريمة قبل إصدار الحكم .

أنا أيضا ضد ازدواجية القوانين والمقاييس ، قانون للرجال وقانون للنساء .

والمفروض أن تسرى القوانين والقيم على جميع المواطنين بصرف النظر عن الجنس أو الطبقة أو اللون أو العقيدة أو غيرها .

إن قضية "معزوزة" ليست الأولى من نوعها ، بل هى متكررة ، وقد كتبت عنها مرارا على مدى نصف القرن الماضى . إنها ليست قضية فردية بل قضية مجتمع تحكمه قوانين غير عادلة .

لماذا لا تهب جمعيات المرأة ومنظمات حقوق الإنسان للدفاع عن "معزوزة" ومثيلاتها من المقتولات ؟!

أليست هى قضية إنسانية وقضية عدالة تستحق الاهتمام ؟!

أليست هى أهم من الجهود المراقة يوميا لخدمة قضايا تافهة لا حصر لها ، مثل قضية تحريم التماثيل .

 

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism