|
ما يستحيل البوح به ،
ما يستحيل أن نعرفه
What cannot be said
What cannot be known
بقلم نوال السعداوى
(القاهرة 8 أبريل 2006)
منذ الطفولة المبكرة أدركت أن هناك ما يستحيل
البوح به لنفسى أو لأقرب الناس إلىّ .
أولها
: علاقتى بالله .
ثانيها
: علاقتى بجسدى .
كان أخى يتمتع بحريات وحقوق ليست لى ، لمجرد أن
الله خلقه ذكرا .
فى غرفتى أغلقت الباب علىَّ وبكيت لأنى خُلقت
بنتا وليس ولدا ، كانت هذه أول دموعى فى الحياة
.
ثم جففت دموعى وقررت كتابة خطاب إلى الله أسأله
لماذا يفضل أخى علىَّ ، رغم أنه بليد فى المدرسة وفى البيت ، وأنا متفوقة فى دراستى
، وأساعد أمى فى أعمال البيت من تنظيف وطبخ ودعك المراحيض وترتيب السراير بما فيها
سرير أخى .
لم أعرف عنوان الله فى السماء ، وبقى الخطاب
مختفيا فى مكان سرى فى غرفتى ، لا أقترب منه حتى أشعر بالذنب ، لأننى تشككت فى
عدالة الله ، ويستبد بى الخوف من الحرق فى نار جهنم ، وأخيرا تخلصت من الخطاب بحرقه
فى النار .
كان الله يتجسد فى خيالى وأحلامى على شكل رجل
عيناه حمراوتان مليئتان بالغضب علىَّ .
لم أعرف سبب غضب الله وأنا فى السابعة من العمر
، ثم بدأت أدرك بالتدريج أن هذا الغضب يتعلق بجسدى الذى خلقه الله وخلق فيه عضوا
جنسيا اسمه البظر ، عضو آثم ملأه الله بالرغبة الجنسية ، وأمرنا بقطعه بالسكين حتى
يصبح الجسد طاهرا نظيفا ، لا ينجذب الى الجنس الآخر
.
هكذا تعرضت فى طفولتى المبكرة لعملية جراحية
بشعة ، لاستئصال البظر من جسدى ، شعرت بالألم والعار والخزى من نفسى ، لم أملك
الجرأة لأسأل الله كيف يخلق فى جسمى عضوا ثم يأمر بقطعه
"لأنه عضو فاسد الأخلاق" ، ولم أملك الجرأة لأسأل أمى
(أو أسرتى) عن أى شىء يتعلق بقطع البظر من أجساد البنات الأطفال ، ويسمونها عملية
الطهارة بالعامية ، والختان باللغة الفصحى .
فى التاسعة من عمرى فاجأنى ما يسمونه الطمث أو
الحيض ، رأيت الدم فى سروالى الداخلى ، وكتمت الأمر فى نفسى ، تصورت أن غشاء بكارتى
تمزق فى الليل وأنا نائمة ، أن روحا شريرة من الجان دخلت من تحت عقب الباب ، ومزقت
الغشاء الذى خلقه الله فى جسدى ليؤكد به عذريتى وطهارتى من الإثم ، تعذبت عدة أيام
بسبب تدفق الدم من بين فخذى ، تصورت أنه عقاب من الله على شكوكى فى عدالته ، أو مرض
خطير أصابنى ، ثم عرفت أنه الحيض الذى يصيب كل النساء شهريا ، وأن دم الحيض ليس مثل
الدم المقدس النقى فى أجسادنا ، بل هو دم نجس مدنس ، لا أتخلص من نجاسته إلا
بالاستحمام الجيد بالماء الساخن والصابون ، وقراءة بعض الآيات المطهرة الواردة فى
كتاب الله .
أصبحت أيام الحيض فى حياتى عذابا ، وعارا ،
وفضيحة ، يجب أن أخفى كل مظاهرها عمن حولى فى البيت أو فى المدرسة أو الشارع ، ويجب
ألا يعرف أحد موعد هذه الفضيحة ، ولا يرى شيئا منها ، وإن كانت بقعة صغيرة من الدم
تتسرب إلى ملابسى الخارجية .
كان مستحيلا أن أعرف سبب الحيض حتى دخلت كلية
الطب ودرست علم وظائف الأعضاء ومنها عضو الرحم فى جسد الأنثى
.
أما عملية الختان فلم نعرف عنها شيئا فى كلية
الطب ، لأن علم الجنس كان غير موجود ضمن المقرر ، وبظر المرأة لم يكن موجودا فى أى
كتاب من كتب الطب الإنجليزية أو العربية ، وكذلك غشاء البكارة لم ندرس شيئا عنه فى
كلية الطب ، لقد درسنا الأعضاء التناسلية للمرأة فقط مثل الرحم والمبايض .
وتخرجت فى كلية الطب عام
1955 ، إشتغلت طبيبة عدة سنوات دون أن أعرف شيئا عن
مضار ختان الإناث أو الذكور ، إلا أننى امتنعت عن إجراء أية عملية منها ، أدركت
بالذكاء الفطرى أنها عمليات ضارة ويجب تحريمها للأطفال البنات والأولاد ، ولم
يقنعنى أبدا ما أسمعه من الأطباء أو رجال الدين أن الله هو الذى أمر بختان الإناث
والذكور ، فكيف يأمر الله بقطع شىء خلقه فى جسم الإنسان ؟ هل يقع الله فى هذا
التناقض الصارخ ؟
كان الفقر أيضا يبعث على الخزى والعار فى نفوس
الفقراء ، وكان علىَّ أن أخفى مظاهر الفقر عن زميلاتى وزملائى ، كنت أخفى عمتى
الفلاحة الفقيرة حين يزورنى فى بيتى أحد من الصديقات والأصدقاء ، أو أقول لهم أنها
واحدة من الجارات وليست من أسرتى ، وكنت أخفى الثقب فى السجادة بقدمى حتى لا يراه
أحد .
حتى أدركت بالتدريج أن الفقر ليس عيب الفقراء ،
وليس هو إرادة الله ، بل هو عيب النظام الطبقى الذى يحكمنا
.
كانت مصر فى طفولتى مستعمرة بريطانية ، منهوبة
الموارد بالاستعمار الخارجى ، وبالحكومة المصرية التابعة لهذا الاستعمار فى ظل
الملك فاروق ، وكان المدرسون والمدرسات يمدحون الملك والإنجليز ، ويتملقون
التلميذات من الطبقة العليا ، وكانت البشرة البيضاء والشعر الناعم من سمات الجمال ،
وكانت خالتى شقيقة أمى تدربنى على تغطية بشرتى السمراء بمسحوق البودرة الأبيض ،
وتكوى شعرى المجعد بالمكواة الساخنة ليفقد تموجاته وبصبح ناعما كالحرير .
كنت أشعر بالعار والقبح بسبب بشرتى السمراء ،
وشعرى المجعد ، حتى تخلصت بالتدريج من أثر المدارس الحكومية وغير الحكومية ،
والمقررات التى فرضت علينا حتى تخرجت فى كلية الطب ، وبدأت أفتح عينى على الحقائق ،
واكتسب معارف جديدة من خلال تجاربى فى الحياة ، وقراءاتى المتعددة خارج المقررات
المدرسية .
فى سنين المراهقة كنت أكتم كل ما أشعر به من
تغيرات جسمية ونفسية ، وأخفى رغباتى الجنسية
.
أما الحب فكان محرما على البنات ، رغم أن
الراديو لا يكف ليل نهار عن إذاعة أغانى الحب الملتهب ، وأغلبها قائم على الحرمان ،
أو على الحب العذرى الروحانى الطاهر الذى يعلو على الجسد المدنس
.
هكذا كان مستحيلا أن أعترف لنفسى أننى وقعت فى
الحب ، أو أننى مشتعلة من الداخل برغبة جنسية ، أو عاطفية ، كان الحرمان هو القانون
السائد المفروض علينا نحن البنات والنساء ، أما الرجال فكانوا يطاردوننا ويحاولون
الإيقاع بنا دون تأنيب ضمير ، بل بالتفاخر بالرجولة ، كانت الازدواجية الأخلاقية هى
القاعدة ، الرجل يصبح رجلا أكثر حين يصطاد الفتاة ، والفتاة تصبح ساقطة إن استجابت
له أو صدقت كلامه .
فى مرحلة المراهقة والشباب لم يكن فى إمكانى
البوح بتجارب الحب ، حين يخفق القلب ، وتتصاعد ضلوعى بالدقات القوية
. كان الحرمان يلهب العواطف المكبوتة ، أغلب تجارب
الحب فى حياتى من طرف واحد ، هو أنا ، لأنى لم أكن أعترف بالحب ، ولا يعرف الطرف
الآخر ما يدور فى أعماقى ، ولا يمكنه أن يسمع خفقات قلبى
.
كانت القيم الأخلاقية المزدوجة تمنعنى من
الاعتراف بالحب ، لأن الفتاة التى تقع فى الحب تفقد احترامها فى نظر الناس ، بل وفى
نظر الرجل الذى تحبه ، كان الرجال لا يثقون فى الفتاة الصادقة التى تكشف عن مكنون
صدرها ، يتصورون أنها فتاة سهلة رخيصة ، أما الفتاة المدربة التى تلعب بهم ، وتغدر
بهم ، فهى من تفوز بحبهم .
أما الزواج فهو منفصل عن الحب ، فالرجل لا
يتزوج إلا العذراء البتول التى لم تقع أبدا فى الحب ، حتى فى حبه هو ، ولهذا تخفى
البنات والنساء عن أزواجهن كل شىء يتعلق بالحب أو الجنس أو أعماق القلب ، ويمكن
للزوج أن يتفاخر أمام زوجته والناس بتجاربه خارج الزواج ، أما الزوجة فالمفروض أن
زوجها هو أول رجل فى حياتها ، بل الرجل الوحيد
.
لكن زوجى
(د. شريف حتاتة) كان مختلفا عن أغلب الرجال فى بلادنا
، بل وفى بلاد كثيرة من العالم ، لم يكن يؤلمه أن أكشف عن تجاربى السابقة ، بل كان
يشجعنى دائما على البوح والتخفف مما ينوء فى صدرى ، أو يسبب لى الألم أو الشعور
بالعار .
كان حادث الختان فى طفولتى من الأحداث المؤلمة
التى كتمتها بسبب الإحساس بالخزى والعار ، وقد حاولت أن أكتب عن هذا الحادث دون
جدوى ، كان مستحيلا لى أن أبوح للناس بما حدث لى ، كأنما اقترفت ذنبا ، كأنما أنا
المذنبة وليس المجتمع أو النظام الحاكم فى العائلة والدولة والدين
.
وفى يوم كنت فى الهند مع زوجى ، فى جنوب الهند
المطل على المحيط ، وكتبت بضع صفحات عن حادث الختان فى طفولتى ، ساعدنى البعد لأن
أكتب بحرية دون القيود الاجتماعية المفروضة علينا فى الوطن وبين الأهل .
أعطيتها لزوجى ليقرأها ، فأعجب بها وقال لى
إنشريها ، إلا أننى مزقت الورق وألقيت به فى المحيط
. وظل زوجى يشجعنى حتى كتبتها مرة أخرى ، بل ونشرتها
ضمن الفصل الأول فى كتابى الذى كنت أعده للنشر حينئذ .
يحتاج الإنسان والإنسانة إلى من يشجعه أو
يشجعها دائما على كسر المحظور وهتك الأسرار ، وتساعد الكتابة أو أى عمل إبداعى على
كشف المكنون فى الصدور أولا بأول ، وقد تحررت بالتدريج من أسرارى
مع الكتابة الإبداعية ، أصبحت قادرة فى السنين الأخيرة على البوح بكل ما كنت أخجل
منه فى حياتى العامة أو الخاصة ، وتخلصت من عبء الأسرار ، والإحساس بالخزى والعار
.
حققت ذلك عن طريق الكتابة ، وكشف المكبوت للناس
، هذا الكشف الذى حوَّل الجهل إلى معرفة ، والعار إلى شرف
.
إنها المشاركة الجماعية الإنسانية فى الآلام
والأحزان المكبوتة الفردية ، هذه المشاركة الجماعية التى تجعلنا نشعر أننا لسنا
وحدنا ، وأن ما حدث لنا يحدث لغيرنا فى جميع بقاع العالم ، بأشكال مختلفة ودرجات
متفاوتة ، إلا أننا جميعا نعيش فى ظل نظام طبقى أبوى مزدوج المقاييس تحكمه القوة
والأكاذيب والحيل والخداع سواء بين الأفراد أو الدول ، ويعاقب فيه الضحايا الأبرياء
من الأطفال والنساء والفقراء على حين يطلق سراح الجناة الذكور من ذوى السلطة والمال
والسلاح .
ولهذا يحتمى الناس من البطش والعقاب بالكتمان
وعدم البوح بما يدور فى عقولهم وصدورهم
.
وليس أمامنا إلا العمل الجماعى معا (عالميا ومحليا) من أجل تغيير هذا النظام
الفاسد الذى يحكم العالم ، من أجل أن تكون الحرية عامة للجميع ، نساء ورجال وفقراء
وأغنياء ، فى الشرق وفى الغرب ، ومن أجل أن يكون الصدق عاما للجميع بصرف النظر عن
الطبقة أو الجنس أو الجنسية أو اللون أو اللغة أو الدين أو غيرها .
أقول ذلك لأننى عرفت معنى الحرية ، وقد تحررت
من أسرار حياتى عن طريق الكتابة والنشر ، أصبحت أبوح بما كنت أكتمه فى حياتى العامة
والخاصة .
أصبح لى جناحان أنطلق بهما فى الفضاء الواسع ، نعم
دفعت ثمنا غاليا لهذه الحرية ، بما فيها النفى والسجن وتشويه السمعة والتهديد
بالموت ،
إلا أن أى ثمن يرخص من أجل الحرية والإبداع
.
|