spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

كيف نتصدى لقوى الاستغلال الطبقى الأبوى

 

بقلم د. نوال السعداوى (القاهرة 1/4/2006)

 

قرأت فى الصحف الصادرة أول أبريل 2006 ، أن الجمعية العمومية لنقابة الأطباء ، فى اجتماعها يوم 31 مارس 2006 ، طالبت بوقف الحملات الصحفية ضد الأطباء بسبب الأخطاء المهنية ، وشددت على ضرورة إسقاط عقوبة الحبس الاحتياطى للأطباء مثلما يطالب الصحفيون بإلغاء عقوبة الحبس فى قضايا النشر .

وأنا ضد الحبس الاحتياطى ، وضد اعتقال أى شخص دون محاكمة علنية وإثبات الخطأ بالدليل المادى ، لكن المشكلة فى بلادنا أن الأبرياء هم الذين يتعرضون للحبس الاحتياطى أو غير الاحتياطى ، لأنهم من أفراد الشعب العادى لا تساندهم قوة نقابية وليس لهم تنظيم سياسى له قوة وتأثير فى هذه الغابة التى نعيش فيها ، والتى تحكمها القوة وليس العدل أو الحق .

وكم أفلت من الحبس لصوص كبار من أصحاب الشركات الكبرى ، ومن ذوى النفوذ السياسى والاقتصادى ، هربوا بأموالهم إلى الخارج ، أو هددوا بفتح الملفات السرية للآخرين فى المناصب الأعلى ، فأفلتوا من المحاكمة ولم يعد أحد يحاسبهم على شىء ، وراحت القضية فى الصمت والنسيان .

قلت لنفسى : ولماذا لا يكون للمرضى والمريضات نقابة قوية ذات نفوذ تدافع عن حقوقهم فى مواجهة بطش الأطباء ونقابتهم ؟!

إشتغلت طبيبة فى مستشفيات متعددة ، وآمنت بهذه المقولة الشعبية : "الداخل إليها مفقود والخارج مولود" . لهذا كنت (ولا زلت) أعالج نفسى بنفسى ، ولا أغامر بدخول مستشفى عام أو خاص وإن أشرفت على الموت .

حتى ديسمبر 2005 حين انكسرت عظمة ركبتى اليسرى (فى حادث عابر) وحملونى إلى المستشفى بعد أن عجزت عن المشى .

كانت مستشفى من الدرجة الأولى ، يملكها بعض كبار الأطباء فى شركة خاصة بهم ، ومع ذلك رأيت ذبابا يتطاير من حول رأسى وأنا راقدة فوق ظهرى فى غرفة العمليات ، واعترضت على وجود الذباب ، إلا أن حقنة البنج اخترقت جسدى ، وأصبحت فى حال من العجز الكامل عن الاعتراض على وجود الذباب أو على وقوف أطباء البنج فى غرفة العمليات دون أن يرتدوا على وجوههم القناع الأبيض الضرورى ، وأن أحدهم كان بطرقع بلبانة فى فمه ، ويعطس فى وجهى .

بعد أن شفيت وسرت على قدمى بفضل جهاز المناعة لدى أساسا ، الذى ورثته عن جدتى الفلاحة الفقيرة ، والقادر على هضم الظلط وليس فقط الفيروسات أو الذبابات الصغيرات ، توجهت إلى مدير المستشفى وقدمت شكوى ضد وجود الذباب فى غرفة العمليات ، بل وفى الغرفة الخاصة من الدرجة الأولى التى نمت فيها ثلاثة ليال فقط ، ودفعت قبل خروجى من المستشفى إثنى عشر ألف من الجنيهات ، تشمل الغرفة والعملية والأدوية التى كتبها لى الأطباء دون حاجتى إليها .

حدث هذا لى منذ شهور قليلة ، وأنا طبيبة وكاتبة ، إلا أننى لم أجد قوة واحدة فى المجتمع تستطيع الدفاع عن حقوق المرضى والمريضات من الشعب المصرى ، هذا الشعب الذى تُهدر حقوقه كل يوم ، وفى كل مجالات الحياة ، وليس العلاج الطبى فقط ، دون أن يملك القوة المنظمة الواعية القادرة على حماية حقوقه .

خلال الستينات من القرن الماضى كنت عضوا فى مجلس نقابة الأطباء ، ورأيت مع بعض زملائى من الشباب ، أن قانون النقابة فى حاجة إلى تطوير ، بحيث يضمن حقوق المرضى والمريضات كما يضمن حقوق الأطباء والطبيبات ، وفعلا نجحنا فى تغيير القانون ، بحيث يكون العلاج الطبى أو الصحة والدواء حقا لكل شخص دون قيد أو شرط ، مثل الماء والهواء .

كان ذلك منذ أكثر من أربعين عاما ، حين كان الماء والهواء لا يزال متوفرا لأغلب الناس من الشعب ، ولم تكن مقولة طه حسين قد طواها النسيان ، " التعليم كالماء والهواء حق لكل إنسان ".

كنا فى ربيع العمر ، مملوئين بالأمل فى عالم أفضل يقوم على العدالة والحرية وليس القوة والاستبداد ، إلا أن هذه الآمال لم تتحقق ، بل زاد الاستبداد ، والبطش بنا من السلطات الحاكمة فى الدولة وفى وزارة الصحة وفى نقابة الأطباء ، وجدنا أنفسنا مطرودين من النقابة ومن الوزارة ، يطاردنا رجال البوليس والأمن .

أصبحت أعيش من أعمالى الأدبية وكتاباتى وليس من مهنة الطب أو الوظيفة فى وزارة الصحة ، لقد ساقنى أبى إلى كلية الطب وهو يقول لى : الأدباء ياابنتى يموتون فى بلادنا من الجوع أو فى السجن .

إلا أن الأدب حمانى من الجوع بعد أن فقدت وظيفتى فى الحكومة المصرية عام 1972 ، وبمثل ما رفضت قوانين مهنة الطب التى تحمى الأطباء ضد المرضى ، فقد رفضت قوانين مهنة الكتابة ، أو مهنة الصحافة ، أو غيرها .

هذه المهن الحرة فى بلادنا ، وفى بلاد العالم أجمع ، يحكمه منطق التجارة ، والربح مثل السوق الحرة والتجارة الحرة ، على حساب مصلحة الناس ، حتى أستاذ الجامعة والمدرس يتاجر بما يعرفه ليكسب من التلاميذ ، ورجل السياسة يتاجر ليكسب الأصوات فى الانتخابات ، ورجل الدين يتاجر ليكسب ضمن الكاسبين ، استطاع منطق الربح والتجارة الحرة أو حرية السوق ، السائدة فى العالم الطبقى الرأسمالى الذكورى ، أن تسلب الشعوب رجالا ونساء من حقوقها جميعا ، ليس الاقتصادية فحسب ، ولكن أيضا حق المعرفة ، وعدم غسل الأدمغة بأكاذيب الإعلام الدولى والمحلى ، وترويج المهن والبضائع الفاسدة من أجل تراكم الأرباح .

أصبح الضمير الإنسانى ضامرا شبه ميت فى ظل هذا النظام الدولى والمحلى ، وأصبحنا نرى رئيس دولة كبرى مثل جورج بوش يكذب على العالم ، ويدمر الشعب العراقى بالحرب دون أن يحاكمه أحد ، وبالمثل نرى حكاما مصريين وفى بلادنا العربية ممن يقتلون وينهبون شعوبهم ولا أحد يحاكمهم ، رغم تزايد وانتشار ما يسمونها الصحافة الحرة ، التى تنقد هؤلاء الحكام كل يوم ، دون جدوى .

أصبحت حرية النقد فى الصحف المصرية (الحكومية وغير الحكومية) مباحة كما يحدث فى الصحافة الأمريكية ، إلا أن الشعب الأمريكى أو الشعب المصرى لا يملك شيئا من القوة القادرة على التغيير الحقيقى ، قد يتغير وجه بوجه آخر عبر انتخابات ديمقراطية مزيفة ، تحكمها القوة والأموال والإعلام وليس أمانة المرشحين أو صدق برامجهم أو وعودهم ، إلا أن تغيير الوجوه لا يغير شيئا من النظام الفاسد السائد .

إن محنة مهنة الطب فى بلادنا جزء من محنة النظام كله ، ومحنة المهن جميعا فى ظل سيادة القوة والاستبداد على العدل والحرية .

ولكن كيف يتغير هذا النظام وأسسه الفاسدة طبقيا وذكوريا ؟

كيف يستطيع أى شعب أن بغير هذا النظام ؟

لقد اتضح لنا أن حرية الصحافة مثل حرية السوق لا تساعد إلا على تثبيت النظام ، واتضح أيضا أن الانتخابات الحرة أو حرية المظاهرات والخروج الى الشارع لا تساعد على تغيير أى شىء ، بل تكسب النظام مشروعية أكثر وصورة من الديمقراطية الخادعة للناس .

ما الحل إذن ؟

يبدأ الحل بكشف هذا الخداع ، والبدء فى القضاء على هذا الوعى الزائف السائد دوليا ومحليا ، هذا الوعى الزائف الذى يؤدى الى سلبية الشعوب ، وعدم إقدامها على تنظيم نفسها لتصبح قوة سياسية قادرة على التغيير الحقيقى ، وحماية مصالحها .

نحن فى حاجة الى الوعى والتنظيم ، المصاحب لهذا الوعى .

نحن فى حاجة الى صحافة يملكها الشعب الفقير ولا يملكها كبار الرأسماليين ورجال الأعمال .

هذه الصحف التى تسمى نفسها مستقلة وتخضع لسلطة أصحاب الشركات والأموال لا تخدم إلا أصحابها ، ولا يهمها الشعب المصرى الفقير ، بل إنها تستخدم آلام الشعب فى التجارة الصحفية السائدة وزيادة الربح والتوزيع ، والمنافسة فى السوق الإعلامية الحرة .

أصبحت هذه الصحف الخاصة المستقلة الحرة ترفض نشر مقالاتى ، بمثل ما ترفضها الصحف الحكومية ، ولم يعد لى منبرا أصل منه الى القراء والقارئات إلا الأنترنت .

بل إن هذا أصبح مهددا من القوى السياسية والاقتصادية السائدة والمحتكرة لأجهزة الإتصال وقنوات الأنترنت .

ولا يزال الصراع مستمرا ، ولن ينتهى طالما أن القوة هى التى تحكم وليس العدل .

ولم يبق إلا التفكير الجاد فى كيف يمكن للمرضى والمريضات أن ينظموا أنفسهم من خلال نقابة قوية أو هيئة شعبية قادرة على التصدى لنقابة الأطباء .

وكيف يمكن للقراء والقارئات أن يتشئوا اتحاداتهم من أجل التصدى لقوة نقابة الصحفيين أو اتحاد الكتاب أو المجلس الأعلى للثقافة وغيرها .

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism