spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

 


تجربتى فى كتابة السيرة الذاتية

"النوافذ المفتوحة" (ثلاثة أجزاء)

 

سنى يقترب الآن من خمسة وسبعين سنة. لكنى لم ابدأ الكتابة الأدبية إلا منذ ثلاثين سنة، عندما تجاوز عمرى الثالث والأربعين. قبل ذلك كنت منهمكا فى النضال السياسى، منضما إلى حركة يسارية كان اسمها "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى".

حتى ذلك السن رغم حبى للأدب، وقراءاتى المستمرة فيه، لم اكتب أدبا. أول رواية كتبتها كانت بعد زواجى من الكاتبة الروائية، والمناضلة من أجل حقوق المرأة، نوال السعداوى. أصرت أننى فنان أستطيع أن اكتب أدبا وشجعتنى حتى دخلت أول تجربة فى هذا المجال.

كانت هذه الرواية من وحى السنين التى قضيتها متنقلا بين سجون الوطن، من وحى سجن "قرى ميدان" (سجن مصر)، والسجن الحربى، وليمان طره، والواحات، والمحاريق فى جنوب الصحراء الغربية. تحكى عن جيل من اليساريين وحياتهم، كيف واجهوا تجربة السجن واجتازوها، وكيف انهار بعضهم ولماذا؟

كتب الكثيرون عن تجربة السجن فى مصر، والبلاد العربية. ولكنى اعتقد أن هذه الرواية كانت مختلفة عن كل ما كتب. فأنا لم اكن معنيا بالأحداث الخارجية، وتطوراتها إلا فى علاقتها بما كنت اسعى إليه أساسا، وهو التنقيب فى أعماق الإنسان السجين، السياسى، وفى الدوافع الظاهرة، والخفية التى تحرك تصرفاته. فى صدق أو زيف ذلك الشئ الذى نسميه البطولة بين الذين يرتبطون بقضايا عامة. ما هو اثر الطفولة، والشباب، ومراحل الحياة الأولى فى تشكيل الشخصيات التى لعبت دورا فى الرواية؟ ما علاقة الخاص بالعام فى فكرهم، وتكوينهم، وفى تصرفاتهم خارج وداخل السجن، فى مواجهة أزمات المعركة، ومنحنياتها وفى تحدى القهر الذى يمارس ضدهم؟ وما هى خصائص كبار وصغار رجال السلطة المشاركين فى أجهزة التتبع، والقمع المختلفة، من بوليس، وحراس، أو وكلاء نيابة، أو حتى قضاة؟

ربما سبب اهتمامى بهذه الجوانب هو مزاجى العام الانطوائى فأنا قليل الكلام أحيا فى تأملاتى الداخلية، فى ملاحظة ما يدور من حولى، وفى التفكير فيه، وفى أشخاصه. الجزء الأصغر من نفسى يشارك فى الأحداث اليومية، والمعارك، بينما الجزء الأكبر يحيا على الهامش، ويتأمل. إنها الطفولة، وسنين القهر، وزيف المجتمع الذى نعيشه دفعتنى كلها إلى نوع من الابتعاد. افتقد الشطارة الاجتماعية اللازمة لخلق العلاقات فى الأوساط المثقفة التى هى إفراز للأوضاع فى بلادنا. وهذا يساعد على عملية التهميش التى أتعرض لها مع غيرى فى مجتمع ينبنى فيه النجاح إلى حد كبير على العلاقات بمن يملكون  السلطة أو المال، أو يسيطرون على أجهزة السياسية، والثقافة، والأعلام.

اشعر بالاغتراب فى كل مكان، وفى كل البلاد، بما فيها الوطن. أضيق بهذا الإحساس أحيانا، لكنى أقول لنفسى ألا سبيل إلى أن اصبح شخصا آخر. إن القدر من الفن، ومن الصدق الذى أمارسه فى حياتى، وفى كتاباتى، ربما يرتبط بهذا الاغتراب لأنه يعبر عن تمردى ضد الأوضاع وهناك علاقة وثيقة بين الفن والتمرد، بين الفن والغضب فى بلاد يهان فيها المواطن، والإنسان، يهان فيها كل من لا يحتل موقعا، أو يملك سلطة، أو يستحوذ على مال.

سميت هذه الرواية “العين ذات الجفن المعدنى” نسبة إلى “البصاصة” المفتوحة فى باب الزنزانة، والتى تسمح للحراس، أو المباحث بمراقبة السجين أو "النزيل" كما سمى بعد سنة 1955 مع التحديث فى المؤسسات القائمة على تنفيذ العقاب.

استقبلت هذه الرواية استقبالا حسنا من بعض النقاد. ولم يرض عنها آخرون ومنهم ناقدة يسارية وصفتها بأنها رواية "ركيكة" من حيث البناء، واللغة، وتنم عن غياب الموهبة عند المؤلف. لكن الأهم من ذلك هو شئ آخر يتعلق بموضوعنا. كتب ناقد آخر من اليسار، اصبح روائيا معروفا متعدد الاختصاصات مقالا طويلا وصف فيها هذا العمل بأنه “سيرة ذاتية” اكثر منه رواية، باعتبار أن “السيرة الذاتية" صنف من الكتابة لا يرتقى إلى المرتبة الرفيعة للرواية ويستحق لذلك أن يعامل بقدر من الاحتقار. وهذا طبيعى فى مجتمع عربى تعامل فيه الذات بازدراء، ويعتبر الحديث عنها عيب، أو غير لائق، رغم أن المثقفين الثوريين مشغولين بذواتهم أيما انشغال، ناكرين لها فقط فى الخطب، والمقالات.

وعندما أعود إلى الخمس روايات التى كتبتها حتى الآن أجد أنها تتضمن دون استثناء جوانب هامة من حياتى، واعتقد أن هذا ينطبق إلى درجات متفاوتة على كل الروايات. فالكتابة إلى حد كبير انعكاس لحياة الكاتب. وفى السنين الأخيرة زاد الطابع “الذاتى” فى الكتابات العالمية، وإلى درجة اقل بكثير فى الكتابات العربية. كما أن الذاتية ظاهرة ملحوظة فى الكتابة النسائية. ولهذا السبب يعاملها الكثيرون من النقاد العرب، وهم عادة رجال باحتقار. يصفونها بأنها إرهاصات أدبية. أو بدايات ساذجة، أو محاولات روائية ليست فيها أركان الرواية الناضجة. هذا إذا لم يجد الناقد فى الكاتبة صفات أخرى تغير من أحكامه مثل أن تكون شابة متموجة القوام، أو أن يفوح من ملابسها عطر البترول. وكثيرا ما يكون على راس الأسباب التى يذكرها هؤلاء النقاد لعدم احتفائهم بهذه الأعمال هذا الطابع “الذاتى”. فهم ينسون أن “الذاتية” يمكن أن تكون إطلالة على عوالم عجزوا عن رؤيتها حتى الآن، أو تمردا ضد القهر الواقع على جنس الإناث، أو ضد الصمت المفروض على النساء وحرمانهن من التعبير عن جوانب من حياتهن ظلت محاطة بالظلام، عن أفكار، وأحاسيس نابعة من تجربتهن المختلفة عن تجربة الرجال.

الفاصل الحاد بين الرواية “والسيرة الذاتية” مسالة قد تهم النقاد المولعين بالتصنيف، وهى من بين الحفر المهنية التى يقعون فيها، لكنه فى رأيى قضية ثانوية. المهم عندى هو أن تكون “السيرة الذاتية” مكتوبة بفن وبلغة فيها إبداع، فيها قدرة على الخيال، وعلى الربط بين مختلف نواحى الحياة. أن تكون فيها تلك الشحنة التى تحرك عقل القارئ، ووجدانه، وتجعله يتساءل عن أشياء لم يتساءل عنها من قبل، ويرى أشياء لم يكن يراها من قبل. تجعله يتأمل ما نحن فيه، ويفكر فيما يجب تغييره، والوصول إليه. تجعله يضطرب، ويخرج من حالة السبات الذى سقطنا فيه.

هذا النوع من "السيرة الذاتية" يدخل فى باب الأدب. فهو رواية حياة، والحياة اكثر ثراء من أى خيال، ولذلك تعجز اللغة فى التعبير عنها. وفى "السيرة الذاتية" الجيدة شانها شان الرواية تنمحى الفواصل بين الحياة العامة، والخاصة ليصبح الفن الروائى والصدق الفنى هما ركيزتا العمل. ليصبح التاريخ، والسياسة، والاقتصاد، والثقافة، والفلسفة، والفكر خيوطا تمتزج فى نسيج واحد. وهذا يحدث فى “السيرة الذاتية” أو فى الرواية على حد سواء لان كلتيهما تعبران عن كلية الحياة.

هناك بالطبع "سيرة ذاتية" لا تمت إلى الكتابة الأدبية بصلة، أو صلتها بها ضئيلة. أنها مذكرات سياسية، أو سرد لأحداث، أو وقائع تاريخية للدفاع عن شخص، أو تيار، أو حكم، أو حزب، أو هى حكايات يرويها النجوم، أو المشاهير، أو هى خواطر، أو مجرد “أصداء" سيرة ذاتية لأحد الكتاب.

فى العقود الأخيرة حفرت السيرة الذاتية لنفسها طريقا متميزا فى الأدب، وفى الكتابة عموما. ففى عصر ما بعد الحداثة أدى التطور العلمى، والتكنولوجى فى مجال الاتصال والمعلومات إلى تطور اقتصادى سياسى وثقافى أطلق عليه اصطلاح العولمة. والعولمة عملية توحيد، وتركيز فى الاقتصاد، فى وسائل، وأنماط الإنتاج، والتجارة، والخدمات، أى فى النشاط الاقتصادى بشكل عام. فالسلع نفسها تباع فى نيويورك، والقاهرة، وبومباى، وجاكرتا، وتايوان بعد أن أصبحت أنماط الاستهلاك عالمية. كما أصبحت حياة الناس محكومة بقواعد صارمة فى العمل، والدراسة، والسكن، والانتقال، والترفيه وفى مختلف المجالات. اتجهت إلى التوحد فى كل البلاد، والمناطق ما عدا تلك التى مازالت مهمشة على أطراف الأطراف. كل شئ فى الوجود غدا مبرمجا لصالح الاحتكارات الرأسمالية العابرة للأوطان.

وهذا الاقتصاد الرأس مالى المنمط يحتاج إلى فكر، وإلى ثقافة منمطة على المنوال نفسه حتى تسود القيم، والسلوك، والعادات التى تسمح بعولمة السوق، وإخضاع الناس لمقاييس متشابهة فى احتياجات الحياة، والسلع التى تشبعها.

من هنا انبعثت تلك الحركة العالمية المضادة التى نشهدها هذه الأيام، حركة تمرد ضد النموذج العالمى الموحد لسيطرة راس المال. حركة البحث عن الهوية، والعرق، عن الأصالة والتراث، عن القومية والدين التى كثيرا ما تنقلب إلى سلفية فى السياسة، والثقافة، والأفكار والنظرة إلى الحياة. انه نوع من رد الفعل يتجه إلى الخلف، إلى الماضى بدلا من النظر إلى الأمام، شمل جماعات كبيرة من الناس.

على مستوى الأفراد أيضا تزايدت القيود، وتحكمت الأنماط التى يصعب الخروج عنها فى الحياة اليومية للناس. تقلصت الاختلافات، وفرص الاختيار، وذابت الذات فى نمط جماعى واحد. إزاء هذه التغييرات قد يتمرد الإنسان الفرد بدوره. فهو لا يريد أن يبقى ترسا من التروس، أو رقما من الأرقام، أو ذرة من الذرات تتحرك مع كل الذرات فى اتجاه واحد لا يترك مجالا للمبادرة، أو الإبداع، أو التميز، ولتصبح حتى الحرية الشخصية سرابا. الإنسان يريد أن يشعر بذاته المتفردة المختلفة عن الآخرين، وان يجد وسيلة للتعبير عنها. يريد أن يكون جزءا من جماعة دون أن يكون جزءا من قطيع.

"السيرة الذاتية" كتابة عن الذات، عن التجربة الذاتية المتفردة لكاتبها فى الحياة. يمكن أن تتلاقى مع تجربة الآخرين، وان تلقى عليها أضواء، ولكن يظل لها جسدها الخاص. هى فى عصر العولمة والتوحد، والتمركز مقاومة للنمطية التى تفرضها الرأسمالية على الحياة، مقاومة للخضوع الذى تفرضه الاحتكارات. صرخة الكاتب يدافع عن حريته، عن إنسانيته ضد سيطرة المال، والآلة، والكومبيوتر، والعلم، والاستنساخ الموضوع فى خدمة البارونات.

هناك عامل آخر يلعب دوره فى انتشار السيرة الذاتية فى الكتابة الأدبية. هذا العامل هو المساهمات السياسية والثقافية، والفكرية الهامة للنساء فى العالم، وفى المنطقة العربية. أنها نوع من الكتابة غذتها أصوات نصف البشرية أخذت ترتفع فى كل المجالات ضد القهر الأبوى المفروض على جنس النساء. أنها حركة تحرير المرأة، ومشاركة النساء بقدر متزايد فى مختلف نواحى المجتمع والحياة تسلطان الضوء على العلاقات المتخلفة بينهن، وبين الرجال، على فساد وفشل الأسرة كما نعيشها الآن، على الحياة الخاصة للناس، وعلى جوانب بقيت طى الكتمان، محاطة بالمحرمات فى اعمق أعماق الذات. اخذ الخاص يظهر إلى العلن، إلى النور، واخذ الفاصل بين ما هو خاص، وما هو عام يسقط بالتدريج لتنكشف معه الازدواجية فى القيم والأخلاق. وهو تطور يمهد لكتابات جديدة تسلط فيها الأضواء على كل نواحى الحياة.

هكذا أصبحت الكتابة عن الخاص، عن الذات اكثر يسرا مما كانت فى عهود سابقة. مع ذلك فان الكتاب العرب، ومعهم المصريين، عندما يسجلون "سيرهم الذاتية" مازالوا يتفادون التعرض لما هو خاص فى حياتهم بسبب التربية الدينية، والتقاليد، والقيم، وسائر المحرمات التى تحيط بالأسرة، وبالعلاقات الجنسية، وغير الجنسية بين الرجال والنساء، أو بنواح أخرى يمكن أن تكشف عن الذات العميقة، عن الضعف، والفساد، والتناقض، والازدواج، عن الحقيقة العارية المدفونة فى الأعماق.

فمثلا عندما كتب لويس عوض “أوراق العمر” لم يكرس سوى جزءا قليلا من هذه السيرة الذاتية لحياته الخاصة بينما كتب فى استطالة عن أحداث، وتطورات فى المجتمع، وفى السياسة لم تكن تمت إليه بصلة سوى أنها جرت فى مرحلة من المراحل التى كان فيها على قيد الحياة. هكذا فقد كتابه ما كنت اشتاق إلى معرفته، وهو تجربته الخاصة، وعلاقتها بالأحداث العامة التى عاشها فكان من شان هذا التناول أن ينير لى أشياء هامة فى الحياة، وان يضفى على العمل ذلك الجانب الفنى الصادق الذى أحسست به، وهو يكشف جوانب من نشأته فى الأسرة، وعلاقاته ببعض أفرادها.

"فالسيرة الذاتية" ليست مسائل اجتماعية، أو سياسية، أو تاريخية تحدث فى عصر الكاتب، فيقصها، ولكنها ذاتية بمعنى أنها تحكى عن حياته وعلاقاتها بالمجتمع من حوله، بالأحداث، والأزمنة، والأمكنة التى قامت بينه وبينها صلات أثرت فيه وتفاعل معها.

فى حياتى لم أعان من سطوة المحرمات، والموانع بالقدر الذى عانى منها زملائى من الجيل نفسه. فأمى كانت إنجليزية، وشخصيتى تأثرت بها، وبقراءاتى المبكرة فى اللغتين الإنجليزية، والفرنسية. فى أسرتنا لم أتلق التربية الدينية والفكرية التى كانت سائدة فى الأسر المصرية. أثناء حياتى ومنذ سن صغير سافرت إلى عدد كبير من بلاد العالم فى أوروبا، وأمريكا، وآسيا، وأفريقيا، وعشت فى بعضها سنوات. أدركت أن التقاليد، والقيم، وأساليب التفكير هى وليدة التاريخ، والمجتمع، وليست أشياء ثابتة مقدسة لا يجوز أن نفكر أو نغير فيها، ولا أن نناقش تأثيرها على حياتنا.

لكن أهم العوامل التى لعبت دورا فى جنوحى المتزايد نحو الإفصاح عن جزء كبير من الأشياء الحميمة فى حياتى، وتأثيرها على كان زواجى من نوال السعداوى، والحوار الذى دار بيننا طوال ثلاث وثلاثين سنة، حوار لم تقف فى سبيله أية حساسيات أو محرمات. فهى بحكم استمساكها القوى بضرورة تغيير وضع المرأة الأدنى، وتصحيح العلاقات بين الجنسين تعودت التنقيب المستمر فى كل مجالات الفكر والعمل، والحياة لأن وضع المرأة فى المجتمع مرتبط بكل ما هو خاص، وعام، بحجرة النوم، ومشاكل الأسرة، وبالسياسة الدولية والاقتصاد. كما صاحبتها فى عديد من اللقاءات، والمؤتمرات النسائية، وقرأت عن مساهمة المرأة فى العلم، والأدب، والتاريخ، والفكر، والفلسفة فأدركت أن المرأة هى الجزء المظلم من القمر الذى لم نكتشفه حتى الآن وهو أيضا الجزء المظلم من النفس الذى كثيرا ما يتفاداه الرجال لأن التعرض له يعنى تغيير الصورة التى تعلقوا بها عن أنفسهم وعن دورهم منذ قديم الزمان، منذ أن انقسم المجتمع إلى عبيد وأسياد. هذا بينما الحياة العامة لا يمكن أن تستقيم إلا إذا تغيرت طبيعة العلاقة بين الرجال والنساء.

إن جزءا هاما من الدروع التى أقمتها حول نفسى نتيجة التربية فى الأسرة، ونظم التعليم فى المدرسة، وضغوط المجتمع، والعمل السياسى والحزبى كانت نتيجة العلاقة المختلة بينى وبين النساء. أن أظل أنا الرجل، صاحب القرار، المتسلط الذى يحافظ على صورة معينة أمام المجتمع والناس لا يضعف، ولا يبكى، ولا تحركه العواطف، ولا يبوح بما هو فيه إلا أحيانا عندما يذهب إلى عشيقته فى الظلام. هو الذكر وهو على حق دائما فى كل القرارات، أو فى القرارات المهمة على الأقل، فالقرارات الثانوية، والتافهة يمكن أن تترك للنساء.

العلاقات الأبوية فى المجتمع تتضافر مع علاقات الاستغلال، مع القهر الطبقى ضد الفقر لتصنع الفرعون. والفرعون لا يمكن أن يظل فرعونا إذا افصح عن نفسه، عن نواحى الضعف فيه، عن حقيقة التناقضات التى يعانى منها، إذا واجه حقيقة الإنسان الذى يسكن فى أعماقه. الفرعون لا يستطيع أن يكتب "سيرة ذاتية". انه يستطيع فقط أن يكتب عن غزواته فى السياسة أو العمل، أو الفن، أو العلم، أو الفكر، أو مع النساء. الفرعون لا يريد أن يفهم نفسه، أن يعى ذاته، فكيف يكتب عنها.

هذا هو التحدى الصعب الذى يواجهه كاتب السيرة الذاتية. “السيرة الذاتية” تختلف عن الرواية فى أنها تتعرض لحياة الكاتب بشكل مباشر، وتعلنها. فى الرواية يستطيع أن يخفى شخصيته وراءها لكنه فى السيرة الذاتية يجد نفسه مواجها باختيار صعب كلما وصل إلى موضوع حساس فى حياته. فيمكن أن يكذب حتى يحافظ على صورته، أو أن يصدق ويتحمل تبعات الصدق. ولكن إذا اختار الصدق فانه يستطيع أن يقترب من العظمة، أن يعطى نموذجا، وان يصنع صورة اجمل، وانصع تجتذب الإنسانية الكامنة فى قرائه. صورة تريحه أيضا من تمثيل الدور المفروض عليه فيما يكتبه فتتفجر فيه قوة إبداع متجددة، ويجرى قلمه بيسر فيما كان محرما عليه من قبل. فالصدق والفن مرتبطان، وممارسة الصدق عادة تتطور مع كل خطوة يتخذها للتخلص من الزيف. وكل كاتب يختلف فى الصورة التى يسعى إلى إبرازها حسب فلسفته فى الحياة، والمبادئ التى يؤمن بها، لكنى اكتشفت أن الصدق مريح، وله مردود لا يضارعه شئ حتى إن طال الزمن قبل أن اشعر به وبصداه عند الذين يهتمون بما اكتبه. من يؤمن أن الكتابة رسالة، وليست مهنة لابد أن يدفع الثمن. وفى هذا المجال أتذكر كيف أن أحد دور النشر الكبيرة التى يرأسها أحد رجال "النخبة المفكرة" أبت أن تنشر الجزء الأول من سيرتى الذاتية. ومن بين الأسباب التى ساقتها لهذا الرفض تعرضى لحادث اعتداء جنسى وقع على وأنا طفل، والآثار النفسية التى ترتبت عليه. وهى تجربة يتعرض لها مئات الآلاف من الأطفال الذكور والإناث فى كل بلاد العالم. ولكن المطلوب منا هو أن نخفى هذه الحقيقة التى تكشف فساد الأسرة وما يحدث فيها فى الخفاء مثلما نفعل فى الكثير من شئوننا.

لكن لم يقف الموضوع عند هذا الحد. لامنى عدد من أصدقائى، ومعارفى على هذا الكشف لأننى فى رأيهم من "الشخصيات العامة" وكان يجب أن احرص على سمعتى فى بلد يعتبر فيه الرجل، إذا اعتدى عليه جنسيا، حتى وهو طفل، موصوما. ثم استدعانى رئيس الحزب الذى انتمى إليه وطلب منى حذف هذا الجزء من “سيرتى الذاتية”. علم لا اعرف كيف ربما من رئيس تحرير السلسلة التى كانت ستتولى النشر ثم رفضته، شيئا عما كتبت. فدارت بيننا مناقشة أبلغته فيها أننى حر فيما اكتبه، وللحزب أن يحقق معى، وان يفصلنى إذا وجد فى اللائحة ما يبيح هذا الفصل.

 

*          *          *          *

 

السيرة الذاتية تتطلب منى أن أتخلص من القيود التى كانت تحول دون أن اعبر عن تجربتى فى الحياة بصدق، بما فيها قيود فرضتها على حياتى السياسية.  ولعب اليسار دورا مهما فى ذلك القدر من التحرر الذى وصلت إليه.

انضممت إلى اليسار فى فترة تمردت فيها على انغلاق الأسرة، وحياتها، وعلى اغترابى عن المجتمع المصرى، وسعيه نحو الحرية والاستقلال ضد حكم الإقطاع والملك، والاستعمار البريطانى لمصر. اليسار حطم الأنانية الأسرية، والطبقية التى حالت دون أن أرى ما كان يجب أن أتنبه إليه، فحررنى من أفكار وقيم كانت تثقل الحركة الحرة للنفس. حطم قبولى لسطوة المال، والسلطة، والفكر الدينى، على أوضاعنا لكنه فى الوقت نفسه فرض على قيودا من نوع جديد كان على أن اكسرها فى مرحلة لاحقة من حياتى. جمود فى الفكر وبعد عن الواقع ظلا معى سنين طويلة إلى أن حررنى منهما الفن والوعى بالمرأة، ومشاكلها، وقدر اكبر من النضج.

لذلك يمكن تلخيص سيرتى الذاتية فى المشوار الطويل سرت عليه للتخلص من الفكر الأبوى، والطبقى فى مجتمعنا. وهو مشوار لم ينته بعد.

 

*          *          *          *

 

كثيرا ما أتساءل ترى ما مدى الصدق الذى كتبت به سيرتى الذاتية؟ اقتحمت مجالات لم يقتحمها غيرى فى مصر. سعيت إلى أن احكى بصدق أشياء تتعلق بحياتى العامة والخاصة، بدوافعى، بالأزمات التى مررت بها لكن عندما أفكر فيما كتبت أدرك أن ما ظهر فوق السطح، ما استطعت أن افصح عنه اقل بكثير مما ظل محاطا بالصمت. انه كان مثل جبل الثلج فى المحيط، ما يظهر منه ليس سوى جزءا صغيرا يبرز على السطح، بينما كتلته الأساسية تبقى غارقة فى العمق، وتحتوى ربما على ما هو اخطر، واهم. فأنا لم استطع أن أتعرض إلى أشياء تتعلق بالدين أو بقمم الحكم، أو بالجنس، أو بعلاقتى الأسرية الحميمة ليس بسبب خوفى من السجن، أو من المساءلة، أو حتى التكفير الذى شاع فى أيامنا، ولكن أساسا لان سطوة الفكر الطبقى الأبوى فى مجتمعنا، سطوة السلفية، والمحرمات، والجهل والثقافة السطحية المسيطرة فى بلادنا، وسطوة الإعلام المشوه الذى زحف إلى كل أسرة، وبيت، وعقل تحول كلها دون أن يسمع صوت يريد أن يصدق فى كل ما يحيطه الزيف والكذب والإخفاء لتستوى حياتنا.

إذا كتبت ما أريد أن اكتبه ربما لن يقف معى أحد. بل لن أجد من ينشره. فأنا إلى جانب الروايات، والأجزاء الثلاثة للسيرة الذاتية اكتب من حين لآخر فى بعض الصحف، والمجلات. لكن الكثير مما اكتبه لا ينشر، أو يناله الحذف. لذلك كدت أتوقف عن كتابة المقالات. فما فائدة أن أضيف إلى سيل المقالات التى لا تجدد فى شئ، وتظل مجرد ترديد وتكرار لما اعتدنا عليه. فلا محاولة للدخول فى جذور الأوضاع الفاسدة، والفكر الذى يحكمنا لان النظام يريد منا جميعا أن نمحى شخصياتنا، أن نصبح جميعا صورة مكررة كالنقود التى تسك، وتدفع بها إلى مواقع الصدارة فى مجتمعنا. أن يصيبنا جميعا ذلك الصدأ الذى اشعر به فى الثقافة والفكر.

ترى متى أستطيع أن اكتب ما يبقى حتى الآن مختزنا فى أعماقى؟ متى أستطيع أن أتنفس، أن أتخلص من ثقل هذا القهر؟

 

*          *          *          *

 

بدأت فى كتابة الجزء الأول من سيرتى الذاتية قرب نهاية سنة 1991. لا اذكر اليوم، ولا الشهر الذى جلست فيه أمام مكتبى وأمسكت بالقلم لأبدأه. انتهيت من هذا الجزء بعد سنة ونصف. وفى أوائل سنة 1993 سافرنا إلى أمريكا بعد أن وضع اسم نوال السعداوى فى قوائم الاغتيال. أقمنا فى مدينة صغيرة اسمها "درهام" بولاية "نورث كارولينا" بعد أن التحقنا بجامعة "ديوك" كأستاذين زائرين نقوم بالتدريس سويا مرتين فى الأسبوع فى المنهج الذى اخترناه، والذى سميناه "التمرد والإبداع". كانت عندى ساعات طولة أتفرغ فيها للقراءة والكتابة فعكفت على كتابة الجزء الثانى بعد وصولى بمدة قصيرة لانتهى منه فى أواخر 1994 أى بعد سنتين.

أما الجزء الثالث فقد استغرق هو أيضا سنتين بعد عودتى من أمريكا فى أوائل سنة 1996. ليصدر فى فب