|
عن
اللغة، والوعى
بالحياة
لم
تكن اللغة العربية
هى أول لغة سمعتها
تتردد فى أذنى
وأنا طفل. كانت
أمى إنجليزية،
وكنا نتحدث بلغتها
فى البيت. لذلك
لم أتعلم اللغة
العربية فى الصغر.
ولما اصبح سنى
ست سنوات التحقت
بمدرسة إنجليزية.
هكذا
خلال سنين طويلة
من الطفولة،
والشباب كانت
قراءاتى كلها،
فى المدرسة،
وفى البيت باللغة
الإنجليزية،
واستمر هذا الوضع
حتى تخرجت من
الجامعة سنة
1946، وكان سنى فى
ذلك الوقت اثنين
وعشرين سنة.
مع
ذلك كانت اللوائح
فى كلية الطب
تشترط أن أتقدم
لامتحان المعادلة
باللغة العربية،
وهو امتحان يقتضى
دراسة منهج اللغة
العربية الخاص
بالمرحلة الثانوية
كلها، فاحضر
لى أبى مدرسا
للغة العربية
كان يأتى إلى
فى البيت ثلاث
مرات فى الأسبوع،
وواظبت على هذه
الدروس طوال
السنة الأولى
فى كلية الطب،
ثم تقدمت للامتحان،
ونجحت,
لم
يكن النجاح صعبا.
كان المطلوب
الإجابة على
عدد من الأسئلة
فى قواعد النحو
والصرف، مع تطبيقاتها
على بعض النصوص،
وتحليل آيات
من القرآن، وشرحها،
وكتابة موضوع
فى الإنشاء اختاره
من ثلاث موضوعات
مطروحة فى ورقة
الامتحان. وبالطبع
لم يكن هذا كافيا
لكى أتعلم اللغة
العربية وأصولها
فبقيت قدراتى
على التعبير
بها محدودة. كنت
أتعثر عندما
أتحدث بالغة
العربية، أو
اكتبها. وكان
نطقى يتميز بلكنة
أجنبية كما كان
قاموس اللغة
العربية الذى
امتلكته محدودا
حتى مع شئ من التوسع
طرأ عليه. لكنى
منذ ذلك الوقت
واظبت على القراءة
بالغة العربية،
وعلى الأخص فى
الأدب، والتاريخ،
والدين، والفلسفة،
وقليل من العلم.
فيما
بعد انخرطت فى
العمل السياسى.
وعندئذ اصبح
على أن أعبر عن
نفسى. أن أناقش،
وأجادل فى الاجتماعات.
أن ألقى بعض الخطب،
وأكتب تقارير
أو بيانات باللغة
العربية. وهكذا
كانت الممارسة
السياسية هى
المدرسة التى
تعلمت فيها الكثير
مما كان ينقصنى
فى هذا المجال.
لكن
الممارسة علمتنى
بأسلوب مختلف
عن ذلك الذى يتبعه
مدرسو اللغة
العربية. ربطت
بين اللغة التى
استخدمتها والحياة.
جعلت منه أداة
اتصال بالناس،
لكن فيما بعد
عندما توغلت
فى القاموس الماركسى
جعلت منها أحيانا
نمط فى الكلام
يفصلنى عنهم.
ولكنها على أية
حال علمتنى كيف
أختار الكلمات،
والألفاظ، كيف
أقوم بتركيب
الجمل حسب مقتضى
الحال. ذلك رغم
أننى كنت قد نسيت
أغلب ما تعلمته
من مدرسى فى اللغة
العربية، ومن
كتب النحو والصرف،
والبلاغة والبيان
التى كنت ادرسها
معه.
أما
الكتابة الأدبية
فقد بدأت معى
فى مرحلة متأخرة
نسبيا من العمر.
فقد كتبت أول
رواياتى بعد
أن تعدى سنى ثلاثة
وأربعين سنة.
وعندما أقرأ
ما كنت اكتبه
الآن اشعر بالتقدم
الذى أحرزته.
وقد جاء هذا التقدم
نتيجة القراءة
والكتابة أواظب
عليهما تقريبا
كل يوم، ونتيجة
السعى المستمر
لتوضيح أفكارى،
والتعبير عنها،
بأبسط لغة ممكنة.
وللحب الذى تولد
عندى إزاء لغة
هى وسيلتى فى
التعبير، ومخاطبة
الناس، والاستماع
إليهم، تجسد
علاقتى بالمجتمع
الذى أنا جزء
منه.
مع
ذلك الكتابة
عندى ربما تتطلب
منى جهدا يفوق
الجهد الذى يبذله
غيرى من الكتاب،
حتى وان زادت
سهولتها مع مرور
الأيام. ومازلت
أشعر أحيانا
بعدم الرضى عن
قدراتى فى التعبير.
لكن فى السنين
الأخيرة فوجئت
بظاهرة لم أكن
أتوقعها. بنقاد
يكتبون عنى،
فيصفون كتاباتى
بأن لغتها جميلة
لكن الأهم من
ذلك أن عددا كبيرا
من القراء يعبرون
لى عن إعجابهم
باللغة التى
أكتب بها. يقولون
عنها أنها مؤثرة،
بسيطة تنفذ إليهم.
فأسعد بهذا الكلام،
وأندهش له وأتقبله
بقدر من الحرص.
أحقا صحيح أن
اللغة التى أعبر
بها جميلة. كيف
يكون ذلك وأنا
لست مثل الكتاب
الذين كانت اللغة
العربية عندهم
هى لغة الأم،
وكان تعليمهم
كله بهذه اللغة،
مما أتاح لهم
أن ينهلوا من
التراث منذ البداية
؟ ربما هو الإعجاب
بالمعانى التى
أكتبها ؟ لكن هل يمكن الفصل
بين المعنى،
وبين الشكل،
بين المضمون،
وبين الكلمة
التى تعبر عنه
؟ أم أن المقدرة
الأدبية، كما
يقول البعض هى
فى الجوهر مقدرة
لغوية، مقدرة
فى التعبير عن
المعنى ؟ فالمعنى
فى متناول الجميع،
ولكن الموهبة
تكمن فى صياغتها.
وما هى المقدرة
اللغوية التى
نتحدث عنها ؟
هكذا
قادتنى تجربتى
الخاصة فى الكتابة
إلى تأمل المسألة
اللغوية، والتفكير
فى بعض جوانبها،
وكيف يمكن أن
نفهمها. وهى قضية
أصبحت تحتل مكانا
بارزا فى اهتمامات
المثقفين فى
بلادنا، والاقتراب
منها يثير ردود
فعل قوية عند
البعض. فاللغة
العربية محاطة
أحيانا بنوع
من التقديس. "بتابوهات"
لا تمس. والشعوب
العربية لها
تراث فى البلاغة،
والبيان، لها
تاريخ طويل فى
صنوف التعبير،
فى الشعر، والكلام.
اللغة العربية
هى لغة القرآن.
وفى السنين الأخيرة
تفاقم "الغزو
التغريبى" على
بلادنا، واستفحلت
مظاهر "العولمة
الثقافية" التى
تهدد "هويتنا"
"والهوية" مرتبطة
باللغة العربية
التى تشكل ركنا
من أركانها. لأن
اللغة التى نتحدث
بها تميزنا. إنها
ثقافتنا، وتاريخنا،
لغة الطفولة
والوجدان، لغة
الوطن، والإيمان.
ومع ذلك ينحدر
مستواها فى المدارس،
وفى الجامعات،
فى الكتب، والصحف
ووسائل الإعلام،
فى كل مجالات
الحياة.
اللغة
والمعنى
عندما
أفكر فى تجربتى
مع اللغة العربية
تحضرنى صورة
الطفل الذى يلعب
بقطع ومكعبات
من الخشب الملون
ليقيم بها أشكالا
مختلقة من البناء.
ليست لديه قواعد
تحكمه فى هذه
اللعبة. ولا يوجد
أمامه سوى عدد
محدود من القطع
ولكن إذا كان
مبدعا، وصاحب
خيال يستطيع
أن يصنع بها مالا
يصنعه طفل آخر،
وفرت له أسرته
عددا اكبر منها،
ومع ذلك يكاد
لا يفعل بها شيئا
لأنه عاجز عن
الابتكار.
والكلمات
تشبه إلى حد كبير
قطع الخشب والمكعبات
التى يلعب بها
الطفل. فنحن نستخدمها
فى بناء شئ له
معنى. وأنا بالطبع
لا أقصد أن امتلاك
قاموس غنى بالكلمات
ليس مفيدا فى
الكتابة. ولا
أقصد أن المعرفة
بقواعد اللغة،
وبالتراث ليست
مهمة للكاتب.
ولكنى أقصد أن
هناك كثيرين
قد يتمتعون بهذه
الميزات ومع
ذلك يعجزون عن
كتابة أو قول
شئ ملفت للنظر،
يجعل القارئ
أو السامع بشعر
أنه أمام معنى
أو فكرة جديدة.
إن
نظرة متأملة
لإصداراتنا
الثقافية. للكتب،
أو المجلات الثقافية،
أو للصفحات الثقافية
التى نجدها منشورة
فى الصحف، والمجلات
تدل على هذه الحقيقة.
فكثيرا ما نجد
أن هناك تلازما
بين ما يوصف بالرصانة
اللغوية، بين
الإجادة الشكلية
للغة العربية
وتطبيق قواعدها،
وبين اللغو الفارغ،
أو تحصيل الحاصل،
أو جمود الأفكار
والعجز فى استخدام
اللغة فى التعبير
عن معنى خلاق.
اللغة
المعبرة، المبدعة
فيها سيولة. فيها
تركيبات غير
مألوفة تعبر
عن غرابة الحياة
وتناقضاتها.
تركيبات تصدم
وتجعلنا نتوقف،
أو نندهش، أو
ننفعل. فيها قدرة
على كسر القواعد
والخروج عن المألوف
تجعلها مثل الفراشة
الملونة فى السماء
الرمادية للروتين.
فيها التغير
يتواءم مع الظرف،
والمكان المتغيرين،
مع المتحدث،
والمخاطب. فاللغة
حوار دائم بين
اثنين، أو حوار
للفرد مع نفسه،
ومع آخرين يتحركون
فى الخيال والتفكير.
اللغة أداة للتفكير،
للاتصال، والجدال
قبل أن تكون قواعد
للنحو، والصرف،
والبيان، والتعبير.
إن
التركيز على
الكلمات، وعلى
قواعد اللغة
على نحو متعال،
منعزل عن المجتمع،
عن الفرد المتكلم
أو المخاطب،
عن الظرف، والزمان،
والمكان يفقد
اللغة أهم ما
فيها، وهو قدرتها
على احتواء المعنى
الظاهر، والكامن
فيها، وتوصيله،
تلك القدرة التى
إن فقدتها، تفقد
معها الجوهر
الذى ترتكز عليه،
والذى يبرر وجودها
كوسيلة للاتصال.
السؤال
الذى يطرح نفسه
عندما نناقش
مسالة اللغة
هو هل المهارة
فى استخدام اللغة
تأتى أساسا نتيجة
القاموس اللغوى،
والتمكن من القواعد
التى تحكمها
(وهى على أية حال
قواعد تعتمد
على بناء تكوينى
موروث وشبه غريزى
اكثر من أى شئ
آخر، بدليل أن
الأطفال يتكلمون
بطلاقة دون أن
يعرفوا شيئا
عن قواعد بناء
اللغة)، أم أنها
تنبع من القدرة
على تطبيق هذه
القواعد بمرونة
حسب الظروف المتغيرة،
والاحتياجات
المتغيرة، وإيجاد
تراكيب تنقل
الأفكار، والمعانى،
والصراعات،
وحقائق الحياة
بطريقة أسهل،
وأكثر دقة، وأكثر
إيحاءا، وأكثر
تعبيرا عن الفرد
الناطق بها،
وأكثر مواءمة
للأوضاع المحيطة
بها فى المجتمع.
إن
مركز الثقل فى
اللغة، فى الألفاظ،
وفى تركيب الجمل
لا يكمن فى ثبات
الشكل ولا يتوقف
على صبة محددة
مقدما، أى على
طرق التعبير،
والتركيب اللغوى
التى اعتدناها
ولكنه يكمن فى
المعنى الجديد
الذى تسعى إلى
تجسيده فى ظل
الوضع المتغير
التى تظل هى عنصر
فاعل فيه، متأثر
به.
إن
عملية الفهم،
والإدراك لا
تتعلق بالتعرف
على الشكل أو
التعبير اللغوى
المستخدم قدر
ما تتعلق بإدراك
معنى هذا الشكل،
معنى التعبير
اللغوى فى القول
المنطوق، أو
المكتوب.أى فهم
الجدة الموجودة
فيه، وليس التطابق
مع القديم المصطلح
عليه.
إن
التركيز على
اللغة بوصفها
كلمات مفصولة
عن الوضع الذى
تستخدم فيه،
على قواعدها،
وأصولها، يفقدها
أهم ما فيها،
أى قدرتها على
أن يكون لها معنى.
فاللغة تستقى
دورها فى المجتمع
من قدراتها الأصيلة
على التعبير
عن المعنى، وليس
من أى شئ آخر،
كما تستقى دورها
من قدرتها على
التعبير عن النفس،
عن الفرد فى حالة
معينة مرتبطة
بالمكان، والزمان،
والظرف، أى على
الفرد فى حواره
الدائم مع الآخر،
ومع نفسه، فى
سعيه للاقتراب
من الحقيقة،وتدعيم
الوعى.
هذه
القدرة هى التى
تمكن الإنسان
من التفاعل مع
العالم الاجتماعى
المحيط به، ومع
النفس داخله.
الفهم السليم
لأهمية اللغة،
ودورها لا يأتى
من كون الكلمة
ثابتة، من كونها
رمز يساوى نفسه
دائما، وإنما
من كونها قادرة
دائما على التكيف،
على التغير حسب
الوضع.
اللغة
أنماط متغيرة
لكن
هناك معضلة تواجه
الدارسين للغة
الذين ينظرون
إليها كظاهرة
اجتماعية، وليس
كشيء قائم بذاته
فى تركيب الإنسان
الفرد، أو خارج
الإنسان، هابط
من اعلى عليه،
يجب أن يتبع قواعده
بالحرف، أن يسجن
نفسه فيه، ويتبعه.
هذه
المعضلة تكمن
فى صعوبة إخضاع
كل العوامل التى
تؤثر فى اللغة
للدراسة، والرصد.
فمثل هذه الدراسة
قد تعنى ضرورة
وضع مجموعة ضخمة
من المؤثرات
تحت الفحص. مؤثرات
مثل الوضع الاجتماعى،
والسن والظرف
الذى تستخدم
فيه الكلمات.
هل فى المجال
العام، أو الخاص،
فى صالة للاجتماعات،
أو فى حجرة النوم،
تحت تأثير الغضب،
أو العواطف الجارفة،
أو فى وضع يستلزم
المجاملة الهادئة
لشخص. وهنا توجد
آلاف الاحتمالات.
فالوضع المحدد
الذى يحيط بكل
كلام لا يظل ثابتا
أبدا. بل هو متغير
على الدوام،
يرتبط بعشرات
وحتى مئات من
العوامل الخارجية،
التى من شأنها
أن تؤثر على اللغة،
على الكلمات،
واستخدامها،
وعلى الأساليب
المتبعة فى الكلام
لإيصال المعنى
المراد.
لكن
مع ذلك يوجد عنصر
ثابت لا يتغير
عندما تستخدم
اللغة. فهذا الاستخدام
يتعلق دائما
بالاتصال ما
بين متحدث ومستمع،
أو كاتب وقارئ،
أى بين طرفين،
الناطق بالكلام،
والمتلقى له.
أى أن اللغة لها
جوهر جدلى أو
حوارى ملازم
لها. هذا الطابع
موجود دائما
مهما كان الوضع
المعين الذى
يتم فيه الكلام.
والكلمة هى دائما
بمثابة كوبرى
أو صلة تتم إقامتها
بين طرف، وطرف
آخر.
لهذا
السبب تنقسم
اللغة إلى أنماط
وفقا للوضع الذى
يحيط بالكلام.
فان كان الكلام
تفاعل بين طرفين
فكلما تغير الطرفان،
وكلما تغيرت
الظروف، والأوضاع
المحيطة بهما
كلما تغير نمط
اللغة.
اللغة
والوعى
هناك
عنصر آخر هام
للغاية يقود
إلى سيولة اللغة،
إلى كونها تتغير
على الدوام بحيث
يصعب فرض قواعد
جامدة عليها،
واعتبار كل ما
يختلف مع هذه
القواعد دليل
الضعف والعجز.
ذلك
أن اللغة رموز
تعكس الواقع،
وليست الواقع
نفسه. إنها محاولة
للتعبير عن الواقع،
والاقتراب منه
وفهمه باستخدام
رموز مجردة دالة
عليه. وهى محاولة
لا تصل إلى مداها
أبدا وهذا النقص
هو حافزها الأصيل
للتطور، والإتقان
فى المجال اللغوى.
واللغة
تطور ارتباط
بالإنسان، بل
يمكن أن نقول
انه قبل النطق
بالكلام لم يكن
الإنسان، إنسانا.
إنها قدرة لا
يمتلكها الحيوان.
فالحيوانات
لها أساليب للاتصال
بالأصوات أو
بوسائل أخرى.
لها ما يمكن اعتبارة
لغة خاصة بها.
لكنها لغة بدائية
للغاية، وتختلف
تماما عن القدرة
اللغوية للإنسان.
وعن اللغة التى
ينطق بها، ويكتبها
والتى تتيح له
التواصل المستمر
والحوار مع الآخرين،
ومع نفسه. وتختلف
تماما عن كل ما
أتيح للإنسان
بسبب استخدامه
للغة كوسيلة
للتفاهم والاتصال.
التفكير
فى الحيوانات
يعتمد فى جوهره
على ردود الفعل،
أى على الاستجابة
المباشرة للمؤثرات.
فالقرد مثلا
إذا سمع قردا
آخر يصدر صرخة
لأنة لمح نمرا
يسير فى الغابة
يمكن أن يستجيب
لهذه الصرخة
بالقفز سريعا
فوق شجرة عالية
حتى يحتمى فيها.
أى أن رد فعل القرد
نمطى، وشبه آلى.
ورد الفعل هذا
مرتبط بنوع من
التفكير يطلق
عليه العلماء
"التفكير على
خط مباشر".
أما
الإنسان فإذا
سمع كلمة نمر
تنطق إلى جواره
يمكن أن يتصرف
إزاءها بطرق
مختلفة. فإذا
كانت معه بندقية
قد يتجمد فى مكانه
ثم يصوبها ناحية
النمر لاصطياده.
وإذا كان فى زيارة
إلى حديقة الحيوان
ربما اكتفى بمجرد
التفاته، أو
لا يولى للكلمة
اهتماما لأنه
مشغول بالحديث
إلى صديقة اصطحبها
معه إلى الحديقة.
أو قد يتذكر نكتة
عن النمور فيحكيها
لأصحابه. والعلماء
يطلقون على هذا
التفكير الذى
لا يترتب عليه
رد فعل نمطى،
يطلقون عليه
التفكير
"خارج الخط
المباشر" . وهذا
يعنى أن اللغة،
أى التمكن من
نطق الرمز ذات
الدلالة وهبته
القدرة على توسيع
آفاقه بتأمل
الدلالات الموضوعة
أمامه، على التفكير
أساسا فى معنى
الكلمة، وفى
كل الدلالات
التى قد تحملها
فى طياتها.
ومن
هنا يأتى وعى
الإنسان بالمجتمع
وبنفسه. وهذا
الوعى هو الذى
يميزه عن الحيوان.
فهذه القدرة
على استخدام
اللغة كرموز
دالة على الواقع
أتاحت له ملكات
أخرى تتعلق بالتأمل
والدراسة. أتاحت
له قدرة تخزين
المعلومات،
والتجارب، وأتاحت
تأجيل ردود الفعل
المباشرة ليتصرف
وفقا لمجموعة
ضخمة من العوامل
والاعتبارات
، والوقائع. أن
يخطط فى الخيال
قبل أن يقدم على
خطوة من الخطوات.
لذلك
نقول أن اكتشاف
الإنسان للغة
هل التى جعلت
منه إنسانا لأن
ما يميز الإنسان
عن الحيوان هو
الوعى بحياته،
بالمجتمع الذى
يعيش فيه، بالكون،
والطبيعة، وبنفسه
المتحركة فى
العالم، المتفاعلة
مع مختلف مظاهره،
ومعطياته. اللغة
وهبته الوعى
بنفسه فى علاقتها
بالآخرين، وبالواقع.
وأعلي درجات
الوعى
هى الوعى بالنفس،
"هى وعى النفس
بالنفس الواعية"
التى أعطت للإنسان
خياله، وقدرته
على التخطيط
لاحتياجاته،
ولحياته، وعلى
الاختيار فى
تصرفاته. هى التى
حولته من مجرد
كائن يصون حياته
عن طريق ردود
الفعل والتفكير
فى خط مباشر إلى
كائن يعرف معنى
الحرية، واتخاذ
القرارات.
اللغة
إذن هى أداة الوعى
الإنساني. أداة
الوعى بالمجتمع،
وبالناس، أى
بالآخرين يأتى
عن طريق التخاطب،
عن طريق خلق الكبارى
مع الآخر تجعله
جزءا من وعينا
بالحياة، وهى
فى الوقت نفسه
أداة وعى الإنسان
بنفسه، لأنها
تتردد فى السر،
فى أعماقنا،
فى الداخل دون
أن نسمع لها أصوات،
فى نوع من الحوار
مع النفس صامت.
فنحن فى حاله
تخاطب مستمر
وجدال مع أنفسنا.
نحن نفكر بالكلمات،
ولولا الكلمات
لعجزنا عن التفكير
وعن تأمل الأشياء.
الأفكار التى
لا تجد لنفسها
تعبيرا فى الكلمات
المنطوقة أو
الصامتة سرعان
ما تموت. فهى تظل
كالهلام دون
التجسيد الذى
يعطيها وجودها
وحياتها. أو هى
لا تولد أصلا.
إن الكلمة هى
"تجسيد مجرد"
للفكرة، لكنه
تجسيد يصنع وجودها.
والإنسان هو
هذه القدرة على
التفكير بالكلمات
أى بالرموز المجردة
الدالة على الواقع
تعطيه ملكة الربط
بين الأشياء،
ودراسة اتجاهات،
وقوانين الحركة
المتغيرة على
الدوام.
ولأن
الوعى فى حالة
تكوين، وتغير
دائم فلا بد أن
تكون الكلمات،
أى اللغة معبرة
عنه. لابد أن تكون
اللغة متطورة،
متغيرة حتى تكون
أداة صالحة للوعى.
لابد أن نبحث
عن تعبيرات أفضل،
وتركيبات أدق،
وكلمات جديدة
تصدر عن الجديد
فى الواقع، وعن
قواعد تتفق مع
سيولة الحياة،
وسيرانها المتسارع،
عن اقتراب للواقع
بشكل دائم حتى
لا تفقد دلالاتها،
وتتحول إلى شئ
فاقد الصلة بالحياة.
لذلك
اللغة الحية
تخلق قواعدها
وهى سائرة. تخلق
طرقا متجددة
فى التعبير عن
الواقع. وليس
من الصدف أن للمبدعين
لغتهم المميزة
الخاصة، التى
لا تختلف تماما
عن اللغة المعتادة،
ولكنها مع ذلك
ليست مثلها،
لأنها تكسر الكثير
من صياغتها المبنية
على العرف، والقواعد
بحثا عن المعنى،
والصورة والأفكار
الجديدة التى
تسعى نحو إيصالها.
اللغة
أداة قاصرة
لكن
اللغة رغم كل
ما قلناه عنها
فى تطور الإنسان
تحمل معها مأساتها.
هذه المأساة
هى عجزها فى التعبير
عن الواقع بكل
ثرائه. عجزها
فى التعبير عن
الحقيقة فالحقيقة
تصلنا من خلالها،
لكنها ليست الحقيقة
نفسها وإنما
رموزها الدالة.
إنها عاجزة عن
احتواء آلاف
الخيوط المتداخلة،
المتصارعة،
المتناقضة التى
تشكل الواقع،
عن احتواء الفوضى
المتوازنة التى
تصنع منظومات
الكون، والحياة
التى نبحث عن
أسرارها. وهى
تظل هى نفسها
قابلة للتفسير،
حاملة فى داخلها
سحرها، وظلالها.
أن
كل اللذين يمارسون
التعبير بالكلمة
يعيشون هذه المأساة.
يعيشون العجز
الذى تعانى منه
كلماتهم، وهذا
الإحساس المضنى
بأن التعبير
عن الواقع يفلت
منهم أثناء الكلام
أو الكتابة. وكلما
زادت قدراتهم
فى التعبير عن
الواقع، كلما
زاد سعيهم للاقتراب
من حقائق الحياة،
كلما تضاعف هذا
الإحساس بقصور
الكلمات.
هذا
العجز ينبع أيضا
من كون الحقيقة
والواقع أشياء
متغيرة، متطورة،
لا تكف عن الانتقال
من حال إلى حال.
فكل لحظة أعيشها
تصبح فى اللحظة
نفسها ماض. هكذا
أنا لا أتحدث
أو اكتب عن الحاضر
أبدا، لا أملك
الواقع المرتبط
بالحاضر فقبل
أن انطق به، أو
لحظة أن انطق
به يصبح جزءا
من الماضى. وربما
تكون هذه الحقيقة
غائبة عنا عندما
نفكر فى الماضى
وعلاقته بحياتنا.
ولكن فيما يتعلق
باللغة فهذا
يعنى أن سريان
الزمن يبقى حائلا
دون أن تعبر بدقة
كاملة عن الواقع.
لكن هناك جانب
آخر يتعلق بالعجز
الذى تعانى منه
اللغة باعتبارها
رموزا مجردة
دالة على الواقع،
وليست هى نفسها
هذا الواقع. فهذا
يعنى أن كل كلمة
أكتبها أو أقولها،
كل نظرية أدافع
عنها، كل فكرة
أقتنع بها لابد
أن تكون ناقصة
مهما اقتربت
من الحقيقة التى
أسعى للتعبير
عنها. إنني لا
يمكن أن أملك
الحقيقة طالما
أعبر عنها عن
طريق اللغة. فأنا
لا أستطيع الإحاطة
بها بلغة الكلمات.
لكنى أستطيع
فقط الاقتراب
منها على قدر
الإمكان. هذا
بالإضافة إلى
أن فهم الدلالات
سيظل يختلف بين
الناس.
من
هنا أهمية الحوار
مع النفس، ومع
الآخر بغية الاقتراب
على قدر الإمكان
من دلالات مرتبطة
بالواقع، أى
من لغة تعكس الواقع
وتعقيداته على
قدر الإمكان
وكذلك أهمية
البحث عن لغة
مفهومة، متطورة،
مرنة، وسهلة
للتعبير عن سريان
الحياة، والتعامل
مع اللغة كشيء
حى، كأداة لمواجهة
تحديات العصر،
فى عالم لا يكف
عن اكتشاف حقائق
علمية جديدة
فى مختلف المجالات.
فالهوية
فى مسالة اللغة
العربية ليست
قواعد، ونحو،
وصرف، وبيان.
لكن قبل ذلك كله
هى تعبير عن معان،
ووعى يتجدد على
مر الأيام.
|