|
العلم
والثقافة والحاضر
والمستقبل
إن القرن
الواحد والعشرين
يتطلب أن نفتح
نوافذنا، وأبوابنا،
ومسامعنا، وحواسنا
للعلم. أن يقوم
علماؤنا بدورهم
كمثقفين. وأن
يتزود مثقفونا
بالمعرفة العلمية
ليصبحوا مثقفين
معاصرين بالفعل.
لم يعد
مقبولاً أن يظل
العلم خارج نطاق
الثقافة فى هذا
العصر. لم يعد
مقبولاً ألا
يصبح جزءاً عضوياً
من كل يوم، ومن
ثقافة كل بيت
يقرأ الصحف أو
يشاهد التليفزيون.
أتعجب
لقدرة الكثيرين
من "مثقفينا
الكبار" على
الكتابة بهذه
الغزارة. أقرأ
لهم أنهاراً
من الكلام فى
كل الموضوعات،
وفى كل مكان فى
الصحف الحكومية،
وصحف المعارضة.
فى الصحف العربية
المباعة فى الأكشاك.
وفى المجلات،
مجلات نصف الناس،
وكل الناس والنساء،
والشباب. وفى
الكتب عندما
يجمعون كل هذا
ويبيعونه فى
كتاب.. أما أنا
فعندى مشكلة
مع الكتابة. أصبحت
أكتب الصفحات
بعد الصفحات
ثم أمزقها وألقى
بها فى سلة المهملات.
بدأت هذه المشكلة
قبل أن أرحل من
أمريكا لأعود
إلى مصر. أحسست
أن كل ما أكتبه
قديم، ومعاد
وفيه تكرار. كلماتى
بدت لى بلا طعم
تبعث على الملل.
وعجزت حتى الأشياء
الجميلة المحيطة
بى، عجزت الزهور،
والأشجار, والعصافير،
وعيون الطلبة
والطالبات تطل
علىّ فى المدرجات
عن تبديد هذا
الملل.
قلت. لابد
من البحث عن وسيلة
أجدد نفسى بها.
فى جامعة ديوك
توجد مكتبتان
كبيرتان "بيركنز"
و "ليلى" فيهما
مئات الآلاف
من الكتب. أبوابهما
تظل مفتوحة من
الساعة السابعة
صباحاً إلى ما
بعد منتصف الليل
ولا يكف الطلبة
والطالبات عن
التردد عليها.
أراهم جالسين
فى صالات القراءة
وأمام شاشات
الكمبيوتر يبحثون
دون كلل.
نحيت
أوراقى جانباً
واستغرقت فى
عملية البحث
مثلهم. أذهب فى
الصباح وأعود
فى المساء مع
أجراس كنيسة
الجامعة تدق
العاشرة. قرأت
صفحات فى التاريخ،
والاجتماع،
والفلسفة. قرأت
فى الأدب، وفى
الشعر، وفى القصص.
لكن مرت الشهور
دون أن أجد ما
كنت أبحث عنه:
الجديد الذى
يثير الخيال
ويدفع إلى التأمل.
فالفكر ليس فكراً
إذا لم يتجدد.
والحياة ليست
حياة إذا تجمدت.
بدا لى كأن الإنسانية
أصبحت إلى حد
كبير تكرر نفسها.
ما عدا كتابات
للنساء عن المرأة،
وأوضاعها تقدم
نظرية جديدة
فى عدد من مجالات
المعرفة. توضح
البعد الأبوى،
وتأثيره على
الفرد والأسرة،
وعلى المجتمع.
مع ذلك
ظل الطابع الغالب
على كل ما قرأته
متكرراً. فالكتابات
فى مجملها لا
تخرج عن كونها
تعليقات عن أشياء
سبقتها، أو تفاصيل
افتقدت مغزاها
لأنها لم ترتبط
بما حولها، أو
مبارزات لغوية
معقدة مفصولة
عن الناس وحياتهم
يهتم بها أساتذة،
وباحثون فى الجامعة.
عادت
إلى حالة الملل.
قلت ربما هى الغربة
وآن الأوان لأعود
إلى الوطن. ولكنى
تذكرت أن الغربة
فى الوطن كثيراً
ما تكون أشد من
غيرها. فالوطن
ليس فيه حرية،
ولا عدل، يكرم
فيه الأجنبى،
أو الحاكم، أو
الغنى، أو من
يساير الوضع،
ويصبح خاضعاً.
أما فى أمريكا
فأنا زائر ولا
يعنينى ما يحدث
فيها بالقدر
نفسه.
أدركت
أن أنأن الغربة
ليست هى السبب،
فقلت ربما هو
السن. هو الإحساس
بأن الجسم لم
يعد يستطيع أن
يجارى العقل،
وأن العقل بعد
قليل قد يصيبه
ما أصاب الجسم.
نظرت فى المرآة
لأفحص نفسى. الننى
الأسود يطل علىّ
كأنه يسخر منى.
فخرجت من البيت
مسرعاً، وسرت
فى الغابة مسافة
طويلة. قدماى
تدبان فوق الأرض،
والنبض فى الساقين
لم يضعف.
قلت إذن
هو السجن ترك
بصماته فى نفسى.
لكنى عندما ذهبت
إلى الطبيب ضحك
وقال: "لم أجد
شيئاً. يبدو أن
أكل الفول والعدس
حماك من زحف الكوليسترول
فى الدم، ومن
السكر" ملأنى
بإصرار جديد
على التخلص من
حالة الضيق التى
أصابتنى فانطلقت
من عنده لأواصل
ما بدأته.
الجينات
الأنانية
هكذا
فى ذلك الصباح
عدت إلى مكتبة
"بيركنز". من
النافذة العريضة
حيث أجلس أرى
الثلج الأبيض
يغطى الأرض،
والأشجار، وأسطح
البيوت، وظهر
السيارات المصطفة
عند الموقف. بين
يدى مجلة اسمها
"نيويورك بوك
ريفيو" تقوم
بعرض بعض الكتب
الجديدة، وبتقديم
الدراسات عنها.
لفت نظرى
مقال عن العالم
"داروين" صاحب
نظرية الانتقاء
الطبيعى، وأصل
الأنواع يتعرض
فيه الكاتب للنزاع
الذى احتدم فى
الولايات المتحدة
حول تدريس نظرياته
للتلامذة فى
المدارس الابتدائية،
والإعدادية،
والثانوية. ففى
السنين الأخيرة
انتشرت الحركات
الدينية المتعصبة
خصوصاً منذ عهد
الرئيسين ريجان
وبوش، وأخذت
تتدخل بشكل متزايد
فى تحديد مناهج
التعليم. ومن
بين ما طالبت
به هذه الحركات
حذف نظرية داروين
"فى نشوء وارتقاء
الأنواع" من
منهج علم الأحياء،
وكانت حجتها
فى ذلك أن هذه
النظرية تتعارض
مع ما جاء عن الخلق
فى التوراة.
فى المقال
وجدت عرضاً لكتاب
صدر سنة 1976 ثم أعيد
طبعه سنة 1989 اسمه
"ذى سلفيش جين"
أى "الجين الأنانى"
ومؤلف الكتاب
يدعى "ريتشارد
دوكنز" وهو عالم
مشهور وأستاذ
علم الحيوان
فى جامعة أكسفورد
بإنجلترا. والجينات
هى تلك الأجسام
الصغيرة التى
تحمل الشفرة
الوراثية فى
الكائنات، ومنها
الإنسان أى بمعنى
آخر هى التى تحدد
صفات الكائن
منذ البداية.
تذكرت
فجأة أننى فى
الأصل طبيب،
وأننى كثيراً
ما كنت أقرأ الكتب
العلمية، ولكن
حياتى أبعدتنى
عنها إلى حد كبير.
تذكرت أيضاً
ما كنت أقوله
للطلبة، والطالبات،
الذين أدرس لهم
"التمرد والإبداع"
أنه يجب ألا نفصل
بين الفن والعلم.
فالعاطفة، والغريزة،
والحدس، والحس
الفنى كلها أشياء
تدخل فى صميم
الفن، ولكن فى
غيبة العلم تظل
نصف مبصرة عاجزة
عن النفاذ إلى
حقيقة الأشياء،
عاجزة عن ارتياد
الآفاق، وتكوين
رؤية شاملة.
فى غيبة
العلم يظل الفن
كالفأر فى المصيدة،
تحركه الانفعالات
وحدها، غارقاً
فى تفاصيل لا
تكتسب معناها
إلا فى علاقاتها
بالكل، بعيداً
عن ادراك المغزى
الحقيقى للأشياء.
أريد
أن أشعر أننى
عبقرى
فى نهاية
المقال قرأت
تعليقاً يقول:
"هذا النوع من
الكتب العلمية
يشعر القارئ،
بأنه عبقرى"
ولأننى أحب الشعور
بأننى عبقرى
أسرعت إلى خدمة
الكمبيوتر فى
صالة الاستقبال
لأعرف رقم الكتاب
ومكانه على رفوف
المكتبة. بحثت
عنه إلى أن وجدته
محشوراً على
رف بين الكتب.
سجلته باسمى
عند مكتب الاستعارات
وعدت به إلى البيت
مسرعاً فوق دراجتى.
فى تلك
الليلة لم أنم.
فكم كانت المتعة
التى قرأته بها!!
أحسست
أننى مسافر فى
الكون، فى رحلة
الكائنات الحية
بدأت منذ ثلاثة
ملايين سنة،
منذ أن تحولت
جزيئات من المادة
العضوية بفعل
البرق، أو طاقة
أخرى إلى أبسط
شكل من أشكال
الحياة على الكرة
الأرضية.
لغة الكاتب
بسيطة سهلت ما
كان يمكن أن يستعصى
علىّ فهمه. فمن
يعرف موضوعه
حقاً يعبر عنه
بأيسر السبل.
التعقيد كثيراً
ما يخفى الجهل.
لغة فيها مزيج
من العلم والفن
وحرارة من يذود
عن رأيه، وخيال
يرتكز على الواقع.
منذ ذلك
اليوم حتى عدت
إلى مصر ظللت
أقرأ فى كتب العلم.
كنز كان يرقد
بالقرب منى دون
أن أنتبه له،
ففى العالم الغربى
تيار ثقافى جديد
أخذ على عاتقه
تبسيط العلم،
والكتابة عنه
بحيث يستطيع
أن يهضمه أى شخص
حصل على قدر من
الثقافة المناسبة
وهو تيار أصبح
يشترك فيه أشهر
وأكبر المتخصصين
فى مختلف فروع
العلم.
هذه الكتب
فتحت أمامى عالماً
كنت أجهله. اكتشفت
فيه أن المادة
مكونة من جزيئات،
أو أمواج، أو
طاقات تتحرك
فى الفضاء، وتتحول
ما بين هذه الحالات
الثلاث. إن الجزىء
من المادة (الكوورك)
يمكن أن يوجد
فى مكانين فى
وقت واحد. إنه
يتحرك وفقاً
لقانون، أو يتمرد
عليه، ويفلت
منه. هنا تأتى
الصدفة وهى الوجه
الآخر للسلوك
المتوقع، وفى
ظروف معينة هى
خالقة للتطور.
هكذا فإن المادة
تتصرف بروح مبدعة
لتزيل الفاصل
بين العلم والفن
ولتتحكم قوانين
متشابهة فى تطور
المادة، والفكر
والكون كله. فالأجرام،
والكواكب، والنجوم
هى الأخرى تحركها
قواعد مماثلة
تجعل من كل الأجسام
من أصغرها إلى
أكبرها منظومة
واحدة، تتحرك
وفقاً للقانون
أو تفلت منه.
اكتشفت
أننا نحيا فى
كون لا نهائى
دائم التمدد،
ومسافات، وأزمان
لا نهائية تتحرك
فيها ملايين
الملايين من
الكواكب، والأجرام
والنجوم. إن هذا
الكون نشأ منذ
خمسة عشر مليار
سنة عندما حدث
ما يسميه العلماء
"الانفجار الكبير"،
وأن هناك أكوان
تولدت قبله،
ومنه يعد عمرها
هى أيضاً بآلاف
البلايين من
السنين. إن هناك
نجوماً كثيرة
يصل ضوءها إلينا
حتى الآن رغم
أنها انطفأت
منذ بلايين السنين،
وذلك بسبب الزمن
الذى يستغرقه
اجتياز المسافات
اللانهائية
للكون قبل أن
يصل إلينا.
توغلت
مع هذه الكتب
فى علم الأحياء
من أول خلية حية
إلى خلايا متعددة
ظلت تنقسم وتنقسم
وتتجمع، وتتفرع
لتنشأ منها الآلاف
من الكائنات
الحية، ومنها
الإنسان. عرفت
أن العمل واللغة
هما سر تطور الإنسان،
وارتقائه فوق
الكائنات الأخرى
لأنهما مصدرا
التجربة والمعرفة.
فاليد تحررت
من مهمة السير
فوق الأرض عندما
وقف الإنسان
الأول وأصبحت
تعمل وتجرب وتصنع،
واللغة جعلته
يكتشف الرموز
الدالة على الواقع
ليصبح قادراً
على تخزين الخبرة،
والتفكير المجرد،
والتأمل بدلاً
من أن يعتمد على
ردود الفعل المباشرة
مثل الكائنات
الأخرى. فحصت
الجينات حتى
أفهم كيف تختزن
الشفرة الوراثية
التى تتكون من
ملايين المعلومات
الضرورية بحيث
يمكنها أن تتحكم
فى نمو الكائنات
الحية. فقدرتها
على التخزين
تفوق أكبر الكمبيوترات
التى وصل العلماء
إلى تصميمها،
ويمكننا أن نتصور
كمية المعلومات
التى يتحتم على
الجينات أن تقوم
بتخزينها حتى
تستطيع برمجة
جنين الإنسان
من المرحلة الأولى
للبويضة إلى
أن يكتمل نموه
فى رحم الأم.
اطلعت
على معلومات
جديدة تتعلق
بالصحة والمرض
ودور العمليات
الكهربائية
والكيميائية
فى الجسم، ففى
كل خلية حية معمل
لا يكف عن تخليق
المواد، أو تفتيتها،
عن إجراء عمليات
تتعلق بالتغذية
والبناء، والهدم،
والتنفس، وهذه
العمليات أصبحت
سر الأمراض،
ومصدر المقاومة
والمناعة ضدها.
وقد وصل العلم
إلى اكتشاف حقائق
مذهلة وضعتنا
على أعتاب عصر
جديد فى التخلص
من المرض. ودرست
أبعاد الزمن،
والفضاء، والأمكنة،
والنسبية، والجاذبية،
وميكانيكا الجزيئات،
وتكنولوجية
الاتصالات،
وثورة المعلومات،
وكيف يقود كل
هذا إلى إعادة
تنظيم المجتمع،
إلى أساليب جديدة
فى إدارة الأشياء
والناس وشئون
حياتنا.
ثقافة
القرن الواحد
والعشرين
فى هذا
العصر أحدث العلم
تغييرات عميقة،
وخطيرة فى الحياة
وفى المجتمع.
لذلك فالمعرفة
العلمية، يجب
أن تكون جزءاً
أساسياً من الثقافة
فى أى بلد، والمثقف
الذى يجهل مساهمات
العلم الأساسية
فى المعرفة،
وإلى أين تسير
بنا ليس مثقفاً،
ولا يستطيع أن
يلعب دوره فى
المجتمع.
الثقافة
حتى الآن اقتصر
اهتمامها على
الإنسانيات.
على الأدب، والتاريخ،
والفلسفة. على
الفن، والشعر،
والقصص. المثقف
عندنا هو من يكتب
فى الأدب، والاجتماع،
والتاريخ. أما
المشتغلون بالعلم،
أو بالمهن المتعلقة
به فلا يطلق عليهم
وصف المثقفين،
ولا يعتبرون
من عدادهم. العلماء
يغيرون العالم
والمجتمع بينما
المثقفون انشغلوا
بالثرثرة، ومع
ذلك تظل الثقافة
عندنا تلك المجالات
التى اضمحل أثرها
لأنها انفصلت
عن عصرنا، عن
مجالات مهمة
للمعرفة، لأنها
لا ترى أن المستقبل
ارتبط بفئات
ظلت مهشمة، بجماهير
الشباب، والمرأة
فى المدن والقرى.
لأنها لا ترتبط
بالعلم. أصبحت
متخلفة كالبطة
العرجاء تسير
فى مؤخرة الركب،
رغم كل الضجة
المثارة حولها
لأنها يمكن أن
تندثر وتنسى
إذا لم تجد نفسها.
إن الثقافة
التى تظل منشغلة
بالماضى، وبما
بقى منه فى الحاضر،
بالتراث والقصص
والشعر عن المقاهى،
والأزقة، والحوارى
وناسها، بالسياسة
اليومية للبلاد،
بطه حسين والعقاد،
أو بعبد الناصر
والسادات، بابن
حنبل، وابن بطوطة
لتعرج أحياناً
على هيجل أو ديكارت
لا بأس بها، ولها
دورها. فكل هذا
جزء من نسيج حياتنا،
لكنه لا يكفى
لدخول القرن
الواحد والعشرين
بشئ من الأمل.
فظروفنا صعبة
ولا توجد وسيلة
سوى الاعتماد
على فكر جديد،
متقدم ينتزعنا
من الجمود والسلفية
الزاحفة علينا.
فى السنين
الأخيرة زاد
إدراك العلماء
لخطورة الانعزال
عن الناس. فمنذ
زمن أصبح العلم
المصدر الأساسى
للتطور الحادث
فى العالم. أطلق
قوى للتغيير
تكاد تكون بلا
حدود. أطلق حركة
ديناميكية خطيرة
تغلغلت إلى كل
مجالات النشاط
الإنسانى. وجه
العالم اليوم
لم يعد كما كان
بالأمس ووجهه
فى الغد سيختلف
تماما عما هو
عليه اليوم.
من هنا
نشأت حركة ثقافية
جديدة تستهدف
تبسيط العلم
حتى يعى الناس
أثره، وحتى يستفيدوا
منه ويتطور تفكيرهم
فيكون لهم موقف،
ورأى فيما يحدث
لهم نتيجة وتيرة
التقدم العلمى
المستارع دائماً.
أصبح العلماء
يشكلون فئة من
المثقفين الجدد،
فئة تملك بين
أيديها قوة مادية،
وفكرية، وثقافية
جبارة. فلجأوا
إلى الكتابة،
إلى التليفزيون،
والأفلام، ومختلف
وسائل الإعلام،
ليصبح التكوين
العلمى، ولتصبح
المعرفة العلمية
جزءاً من الحياة
اليومية للأطفال،
والشباب والكبار
فى أمريكا وأوروبا
واليابان.
إن القرن
الواحد والعشرين
يتطلب أن نفتح
نوافذنا، وأبوابنا،
ومسامعنا، وحواسنا
للعلم. وأن يقوم
علماؤنا بدورهم
كمثقفين. وأن
يتزود مثقفونا
بالمعرفة العلمية
ليصبحوا مثقفين
معاصرين بالفعل.
لم يعد مقبولاً
أن يظل العلم
خارج نطاق الثقافة
فى هذا العصر.
لم يعد مقبولاً
ألا يصبح جزءاً
عضوياً من ثقافة
كل يوم، وثقافة
كل بيت يقرأ الصحف
أو يشاهد التليفزيون.
علينا
أن نخلق ثقافة
علمية مبسطة
تصلح للمدارس،
لكتب الأطفال،
ولإذاعة برامج
فى الراديو والتليفزيون.
وفى هذا السبيل
يمكن أن نستورد
بعض البرامج
العلمية الجيدة
من الخارج تتناول
موضوعات من المهم
أن يطلع عليها
كل الناس وبالذات
الشباب ذكوراً،
وإناثاً. وأن
نقوم بترجمة
الكتب العلمية
المهمة. يجب أن
يفتح المثقفون،
والهيئات القائمة
على الثقافة
والإعلام الأبواب
لهذه الحركة
الثقافية الجديدة.
أن يدخل العلم
فى القصة والشعر،
والفيلم، فى
التاريخ، والفلسفة،
والاجتماع. أن
يحدث تزاوج بين
الإنسانيات
والمعرفة العلمية
فى مختلف المجالات.
آن الأوان
لكى نجعل من العلم
جزءاً لا يتجزأ
من الثقافة والفكر
فى بلادنا، ألا
يظل وصف المثقف
حكراً على الذين
يكتبون، ويؤلفون
فى مجالات الأدب،
أو التاريخ،
أو الاجتماع،
أو الفكر عموماً.
أن نضع العلماء
على قدم المساواة
معهم من حيث أنهم
مثقفون. فدورهم
فى التوجيه الفكرى
للمجتمع لن يقل
عن هؤلاء يوم
أن يصبح العلم
جزءاً من الثقافة
المتاحة للناس،
يوم أن تتلاقى
العقلية العلمية
والثقافة العلمية
لدينا مع التراث
الفنى الذى ورثناه
من الإنسانيات.
بهذه
الطريقة يمكن
أن تنتقل ثقافتنا
من ثقافة بلاغة
وطرب إلى ثقافة
جمالها يقترن
بالعمل، والفعل.
من ثقافة ما زالت
تسيطر عليها
خرافات كثيرة
فى الفكر إلى
ثقافة تمسك بزمام
الأمور، قادرة
على التغيير
لأنها ربطت بين
العاطفة والعقل،
وبين الفن والعلم.
عندما
خرج العرب من
شبه الجزيرة
العربية اهتموا
بنقل ودراسة
العلوم التى
سبقتهم، ثم أضافوا
إليها، وطوروها
بالجهد. وكان
هذا عنصراً هاماً
فى التقدم الذى
حققوه، وفى الحضارة
التى بنوها على
امتداد الأرض
والبحار من الهند
والصين فى الشرق
إلى الأندلس
والمغرب فى الغرب.
فلماذا نتذكر
"شهريار" و "شهرزاد"
وننسى التراث
العلمى للأجداد؟
|