spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

يوميات أستاذ زائر

 ولماذا يبدعون؟

 

منذ شهر يناير سنة 1993 سافرت إلى أمريكا للتدريس فى جامعة "ديوك" بـ "نورث كارولينا"، كل ثلاثاء, وخميس نخترق - نوال السعداوى وأنا - المساحات الخضراء سيراً على الأقدام، فنحن نقوم بالتدريس سوياً وهى تجربة جديدة حتى فى الجامعات الأمريكية.

الجو منعش حتى عندما تسقط الشمس بقوة فى السماء الصافية. لا نتعب من المشى مهما طالت المسافات. المطر يغسل كل شئ، البيوت والشوارع، والحدائق، والأشجار، وحتى السيارات، وينقى الجو من كل ذرة تراب، أو دخان. يروى الخضرة، والأشجار فتمسك جذورها الضاربة فى الأرض بالطبقة السطحية مثل النسيج الضام يمنعها من التفتت والتآكل. من هذا الصراع المحتدم بين جماعات البيئة، والرأى العام ضد الشركات الضخمة التى ظلت تقطع فى الغابات بمناشيرها لتبيع الأخشاب دون أن تكترث بما يسببه ذلك من اختلال فى التوازن البيئى، من زيادة فى كمية ثانى أكسيد الكربون فى الجو، وارتفاع فى درجات الحرارة، وتغيرات فى المناخ تؤدى إلى العواصف والدوامات، وإلى اختفاء بعض أنواع النباتات وتفكك التربة والصخور، وتصحر، وفيضانات، والقضاء على أنواع كثيرة من الطيور، والأسماك، والحشرات، والطحالب التى تعتبر مصدراً للغذاء والتى تحول دون انتشار الكائنات الضارة على الحياة، فضلاً عن أهميتها فى الحفاظ على ثراء الطبيعة وجمالها.

نملأ عيوننا بألوان الطبيعة مازالت رغم العدوان الذى يقع عليها، تغدق جمالها على الناس فى هذه البقاع الشاسعة التى تمتد آلاف الأميال. اندهش كيف انتقلت هكذا فى غمضة عين من مجتمع إلى مجتمع، ومن وضع إلى وضع. ما الذى جعل هؤلاء الناس يطلبوننى، ليستفيدوا من وجودى فى أمريكا بدلاً من أن يطلبنى الذين تركتهم فى البلاد التى انتمى إليها؟

أمريكا قارة ساحرة، ومخيفة، فيها أجمل الأشياء وأقبحها. فيها إنسانية الإنسان، والعنف الفظيع الذى يمارس ضده. وفيها قبل كل شئ آخر الحركة الدائبة التى لا تنتظر أو تتوقف.

جامعة "ديوك" قامت وتقوم على الأموال الخاصة. أسسها صاحب مزارع التبغ، ومصانع الدخان فى ولاية "نورث كارولينا" اسمه "ديوك". دفع لها ملايين الدولارات من الثروة التى تركها بعد وفاته. فسموها باسمه وأقاموا له تمثالاً وسط المساحة الخضراء الواسعة أمام الكنيسة التى يصلون فيها يوم الأحد، ويضيئونها بالكشافات البيضاء فأراها تتلألأ فى الليل أعلى الربوة التى يتجه طريق الجامعة الرئيسى إليها.

ولاية اضطهاد السود

الطلبة، والطالبات فى هذه الجامعة هم أولاد الموسرين أو الطبقات المتوسطة. الأغلبية الساحقة من البيض، ونسبة صغيرة من أصل آسيوى أو لاتينى، أما السود فلا يشكلون سوى نسبة 1% رغم أن أغلبية السكان فى ولاية "نورث كارولينا"، من السود.

الجميع ينتقلون فى المساحات الشاسعة للجامعة فى الأوتوبيسات الخاصة مجاناً، أو يستقلون سياراتهم، أو يركبون الدراجات. تبدو عليهم علامات الراحة. يقرفصون أو ينامون فوق الحشيش. يثرثرون ويضحكون فى الشمس قبل أن يتوجهوا إلى الفصول. يأكلون فى كافيتريات، ومطاعم الجامعة، ويستهلكون فيها مشروبات ومأكولات بثلاثة ملايين من الدولارات فى السنة الواحدة أى ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار للفرد الواحد.

السود موجودون فى كل أنحاء الجامعة، ولكنهم عاملون فى أدنى الدرجات. أراهم وأنا سائر يهذبون الحدائق التى نتنزه فيها، أو يعبدون الطريق، أو يقطعون الحشيش بالجرارات الصغيرة المزودة بالمحركات، أو يجمعون المخلفات، وأوراق الشجر، أو ينثرون السبخ، أو يحملون البريد، وكراتين الكتب، أو يكنسون المكاتب وصالات الحصص، أو يجمعون الأطباق من فوق الموائد.

فولاية "نورث كارولينا" قامت تاريخياً على مزارع التبغ والقطن جلبوا إليها العبيد عبر المحيط الأطلسى. ولاية جنوبية مازالت التفرقة ضد السود أحد أركانها. فيها حركة أصولية مسيحية ويهودية ومسلمة وفيها قوانين جنسية متزمتة تبيح ضرب الزوج لزوجته، واغتصابها بالعنف من قبله إذا رفضت معاشرته، بينما مثل هذه القوانين ألغيت فى باقى الولايات المتحدة الأمريكية منذ زمن.

 

التخلص من النص الجامد

"لينى تشانج" طالبة من أصل صينى تدرس الإبداع مع الآخرين الذين ندرس لهم فى الفصل. قرأت شأن زملائها وزميلاتها عدداً من الروايات المترجمة لنا، ولغيرنا، ومن بينها رواية "العين ذات الجفن المعدنى".

حضرت فى الصباح حاملة تحت إبطها لفة طويلة من الورق المستخدم فى رسم اللوح، وفى يدها حقيبة ملونة من التيل. طلبت منا أن نضم المنضدتين الكبيرتين اللتين تتوسطان الحجرة وأن نبعد المقاعد عنهما. فكت الرباط من حول لفة الورق، وبسطت اللوحة الكبيرة المرسومة عليها على سطح المنضدتين ثم أخرجت من الكيس مجموعة من الأقلام "الفلوماستر" الملونة، وأنابيب لألوان الرسم، وفرش.

التففنا حول المنضدة. كانت قد رسمت على اللوحة عدداً من الرسومات تختلف فيما بينها من حيث مضمونها والأسلوب الذى لجأت إليه فى الرسم. فبعضها أخذت شكل الظلال، والخطوط المجردة، وبعضها واقعية يسهل التعرف على مضمونها، وبعضها تجمع بين هذا وذاك. ثم أضافت إليها بعض الكلمات المتفرقة، سألتها ما هذا أجابت:

"هذه هى رواية "العين ذات الجفن المعدنى" كما تصورتها، ورسمتها. انتقيت منها بعض فصولها، أو أجزائها، أو فكرت فى مجمل موضوعها، ثم حاولت أن أعبر بالرسم عن إحساسى نحوها، عن طريق رؤيتى لشخصياتها، وأحداثها، وعلاقاتها الداخلية، والصراعات التى دارت بين شخوصها. أحضرت الرسم لكى تضيفوا إليه انطباعاتكم، وتضيفوا اليه ما يخطر على بالكم".

أمسك كل منا بقلم، أو فرشاه. ساد الصمت فى الحجرة ثم بالتدريج أخذت تتخلله خشخشة الفرش والأقلام فوق الورق. انكب كل منا حول اللوحة يضيف إليها رسماً، أو ظلاً، أو كلمة عابرة فى الفراغات التى فصلت بين أجزائها. عندما انتهينا من عملية الإضافة أو التعديل بدأت المناقشة.

طلبت من "لينى" أن تشرح لنا ما أدركته، وأحست به من الرواية، والذى حاولت أن تعبر عنه برسوماتها، أن تفسر لنا ما أرادت أن تقوله بألوانها، وخطوط فرشاتها. بعد أن انتهت، أضاف بعدها كل من الطلبة والطالبات وجهة نظر، فيما قالته ورسمته "لينى"، وفى الرسومات التى أضيفت إلى اللوحة. ثم دارت مناقشة من أمتع ومن أعمق المناقشات التى حضرتها فى مجال العمل الأدبى. مناقشة نقدية تناولت الرواية من مختلف الزوايا، وعبرت بالكلمة، وبالرسم جامعة بينهما. هكذا تعلمنا من "لينى تشانج" أسلوباً جديداً فى تناول الإبداع الروائى يجمع بين فن التعبير بالكلمة، وفن التعبير بالرسم، يكسر الحواجز بينهما، يتخطى الفواصل بين العقل والحس. ويبعث الحياة فى الفصل لأن من حضره ساهم فى المناقشة وفى الرسم، وأضاف إليه. لم يكن أحد منهم مجرد مشاهد، أو متلق سلبى وإنما مشارك أحس أنه يعبر عن نفسه. لم يتلق الإبداع من غيره فحسب وإنما أضاف إليه من عنده إبداعاً واكتشف قدرات جديدة لم يمارسها من قبل. هكذا أيضاً تجسدت العلاقة بين الفرد المبتكر فى تعاون مع الجماعة المحيطة به، شأن ما يحدث فى المسرح أو فى السينما عندما لا يعتمدان على تسلط البعض وإنما على خلق الفريق المنسجم.

هذه الحرية فى تلقى المعرفة وإعطائها، هذا الخروج عن الأنماط التقليدية، وعن الحفظ مازال مجالاً للصراع بين المدارس المختلفة فى معاهد التعليم، والجامعة. فهناك تيار قوى ومسيطر مازال يعارضه. النظام هنا شأن كل النظم يدافع عن نفسه ويسعى للإبقاء عليه. فالتعليم بهذه الطريقة يخلق أجيالاً من الشباب والشابات لها رأى مستقل، قادرة على الحركة، والفكر، والفعل. وهذا الصراع هو جوهر المشكلة فى نظم التعليم، وتلقى المعرفة والعلم، إنه يجسد الفارق بين تسلط الفكر، وبين الديمقراطية، وتنمية الشخصية، والرأى المستقل.

الأستاذ فى الجامعة الأمريكية يتمتع بقدر أكبر من الحرية فى اتباع الأسلوب الذى يراه.وهناك تيار ينمو ولو ببطء، تيار يؤمن أن التعليم لا ينبع من الكتب التى نقرأها، أو من كمية المعلومات التى نختزنها، ولكنه فى جوهره محاولة للاهتداء إلى منهج للتفكير من شأنه أن يبنى شباباً وشابات ذهنهم متفتح، مستنير، وشخصياتهم مستقلة. فالمعلومات موجودة فى الكتب، والمطبوعات، والأفلام، والكاسيتات، ووسائل تخزينها، والحصول عليها تتطور بخطوات سريعة بفضل العقول الإلكترونية. ولكن منهج التفكير هو المفتاح الذى يسمح لنا بولوج كل الأبواب، وحل المعضلات التى تواجهنا.

التعليم الحقيقى هو الذى يقود الإنسان إلى اكتشاف ملكاته العقلية والحسية، والجسمية. هو ما يبث الثقة فى النفس، وفى قدراتها ويجعلنا نعيها، وندركها. هو الربط بين العقل، والعواطف، والجسم، والربط بين التفكير والفعل. فالأفكار التى لا تتحول إلى شئ مفيد نفعله تظل عقيمة، ولا توجد وسيلة لمعرفة مدى ما فيها من صواب أو خطأ.

فى كل الامتحانات التى كنت أعقدها للطلبة والطالبات فى المنهج الذى قمت بتدريسه كنت أطلب أن يعد كل منهم أو منهن عملاً ابداعياً يختاره هو أو تختاره هى بكل حرية. قصة، أو قصيدة، أو رسماً، أو لحناً، أو شعراً، أو أغنية. دراسة عن عمل أدبى، أو خواطر، أو رقصة، أو مسرحية قصيرة يؤديها الفرد. ان الغرض هو حفز الدارسين على التعبير عن النفس فى أى شكل من أشكال الإبداع. ثم أن نخضع جميع هذه العمليات للمناقشة فى آخر الفصل الدراسى قبل منح الدرجات.

إنه ليس طريقاً معبداً، وسهلاً. فالدارسون لم يتعودوه، وأحياناً يترددون فى عرض أعمالهم على زملائهم وزميلاتهن فى الفصل. المنافسة هنا شديدة، والدرجات هى الوسيلة الأولى للفرز. وفرص العمل فى المجتمع تتقلص كلما اشتدت الأزمة التى يعانيها النظام الرأسمالى فى الغرب. لكن كانت النتائج فى أغلب الأحوال جيدة فيها اكتشاف للنفس وقدراته أحوج ما نكون إليه فى نظام مازال مبنياً فى كل مكان على القهر والأنماط القائمة.

مناهج التعليم فى كل أنحاء العالم أصبحت محل صراع يزداد يوماً بعد يوم. فمازالت هناك مدرسة شائعة تتمسك بالتلقين، والتسلط والحفظ. ومازال الحكم على الطلبة والطالبات يرتبط بقدرتهم على قراءة الكتب أو المحاضرات، وإبراد النصوص، وجمع المعلومات فى الذهن أكثر من قدرتهم على التعبير عن الشخصية الأصيلة منبع كل جديد فى الفكر، والعلم، والفن.

إن المسألة ليست هى التعليم فى ذاته كما يدعى الكثيرون من الخبراء والمستشارين الذين يأتون إلينا من البنك الدولى، ومن الغرب، أحياناً فى ثوب عربى أمريكى أو فى الجلود السمراء "للشرق" وإنما ما الذى نتعلمه وكيف؟.

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism