spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

عن الإبداع والقهر

 

حدث لى فى السنين الأخيرة ما لم أكن أتوقعه. تضاعفت الأسئلة الحائرة التى تطاردنى، وضاع كثير من المسلمات التى كنت مؤمنا بها متيقنا منها.

انتمى منذ سنين طويلة إلى ما يسمى باليسار، ولا أحد يعرف أين يقف هذا التيار الآن. لذلك من الصعب أن اقرر هل خرجت عنه أو مازلت جزءا منه. لم اعد اتمسك بالتسميات أو الصيغ الجامدة، ولكنى لا احترم الذين يقفزون من سفينة إلى سفينة كلما ظنوا أن السفينة التى يركبونها لن تبحر بعد الآن. ففى رأيى أن التاريخ مستمر. ينتقل من مرحلة إلى مرحلة. لا شئ يضيع لكنه يتبدل. فربما مازلت فى سذاجة الرعيل الذى فتح عينيه مع الحركة الوطنية فى الأربعينات قرب نهاية الحرب العالمية الثانية.

كان تيار اليسار السياسى فى أغلبه متغاضيا عن واقع الحياة والمجتمع، مستغرقا فى التجارب السابقة والنص، متشبها فى ذلك بالتيارات الدينية المتطرفة التى انتشرت منذ أواخر الستينيات.

هذا لا يعنى أن النظام الرأسمالى لا يفرض قهره وحدوده على إبداع العقل. فطالما أن المجتمع يبنى على التفرقة بين الناس على أساس الطبقة أو اللون أو الدين أو الجنس لابد أن يوجد قهر. والقهر معاد للفكر والإبداع لأن الإبداع يريد أن يخترق ما هو قائم ليصل إلى ما سوف يقوم ...

الإبداع الحر لا ينبع إلا من الذات، من النفس، من الرغبة فى الخلق الموجودة فى داخل الإنسان الفرد، وفى كل جماعة تربط بينها أواصر العمل أو المصلحة أو الوطن أو الفكر. لذلك إذا أراد أن يكون حرا من كل قيد لا يمكن أن يرتبط بأى رغبة غير رغبة الأصل الذى ينبع منه، أى رغبة الذات المبدعة ولا شئ سواها.

فالإبداع الحقيقى يتعارض مع الخضوع لأى شئ. يريد أن يكتشف ما لم يكتشف بعد، أن يتجاوز الواقع إلى ما هو ابعد منه وإلا لما استحق أن يطلق عليه صفة الإبداع أو الخلق.

الإبداع يتعارض مع كل قيد وكل نص وكل مؤسسة هدفها البقاء على ما هو موجود. الإبداع عملية بناء ولكن الخطوة الأولى فى كل بناء هى الهدم. لذلك المبدع الحقيقى عنصر تغير مستمر ينظر إليه بوصفه خطرا يجب محاصرته والقضاء عليه، بينما الأمل الوحيد فى أن تصبح الحياة افضل مما نجدها هو ألا تتوقف عملية الهدم والبناء فى أى وقت.

المبدع بطبيعته يضيق بكل ما يحاصر عقله، أو الأفكار والآراء التى تستجد، يضيق بقيود الدولة والحزب، بقيود المؤسسات الثقافية والفكرية والسياسية والدينية القائمة، يضيق حتى بالأسرة والزواج والحب. إنه يريد أن يقول ما يؤمن به بصرف النظر عما يراه غيره أو يحس به أو يفضله. وفى هذا دائما خطر الإيلام والجرح. إن الإبداع الحقيقى اكثر إيلاما من السيف يصل إلى القلب ويحطمه ليخلق قلبا جديدا، والى العقل لينسفه ويصنع عقلا جديدا...

هذه مقدمه تفسر المسار الذى سرت عليه. تفسر ما عانيته وتعلمته خلال سنين المشاركة الطويلة فى حياة مصر وفى الفكر الذى صنعته، أيا كانت هذه المشاركة. حاولت، ودفعت الثمن الذى كان لا مفر منه.

لم اصل إلى هذه الأفكار إلا فى السنين الأخيرة ... فربما نضجت .. فيما مضى كنت أظن أن النضج يعنى المعرفة واليقين اللذين لا يتسلل إليهما الشك .. ولكنى تغيرت .. أصبحت أميل إلى التساؤل .. أدركت أن الحياة تتبدل مياهها فى كل لحظة .. قال "هيركليتس" إننا لا نستطيع أن نغطس فى نفس النهر مرتين"، لأن مياهه تتبدل طوال الوقت لتصنع نهرا آخر غير النهر .. أدركت أن لا شئ يبقى على حاله، وان عملية الهدم والبناء فى السماء والأرض مستمرة .. انه لا توجد حقيقة ثابتة. الفارق بين ما يبدو ثابتا وما يبدو متغيرا يتعلق بالزمن الذى يستغرقة التغيير. لذلك كلما زادت دائرة المعرفة عندى زاد الإحساس بالجهل.

 

صراع للتعبير عن الذات

1- مع الأم:

ولدت من أب مصرى، ومن أم إنجليزية .. علاقتى بابى ظلت سطحية .. كان غائبا اغلب الوقت .. ربما كان هذا الغياب مفيدا من بعض الوجوه فلم يمارس على تلك السلطة الأبوية التى كثيرا ما تعوق نمو القدرات فى البنت أو الابن .. ولكن أمى كانت امرأة قوية، وصارمة .. تربت على قيم ومثل العهد "الفيكتورى" تلك القيم التى صنعت الإمبراطورية البريطانية، والتى قيل عنها "إنها إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس" .. قيم العمل المستمر، والنظام، والدقة والاهتمام بتفاصيل الحياة، وهى قيم ليست ضارة لأن الإنجاز والإبداع يعتمدان على الجهد والصبر .. لكن فى الوقت نفسه كثيرا ما تتعارض مع الإبداع الفنى .. فالمبدع إنسان حر، يجوب الآفاق بعقله، ويترك لخياله العنان.. ويتأمل، ويسأل. انه يميل إلى الفوضى .. ولكنها ليست فوضى حقيقية .. إنها رغبة فى البحث .. فى عدم قبول الأشياء كما هى. إننا نحيا فى عالم ملئ بالفساد والظلم والأنظمة القائمة فى العالم لا تحقق للإنسان ما يحلم به. الدفاع عنها مهمة المستفيدين منها .. مهمة الدولة .. ، والقادة، والأحزاب .. ولكنها ليست مهمة المبدع .. ولذلك فالمبدع متهم بالفوضى .. بأنه يريد أن يقلب ما هو قائم رأسا على عقب ..أما الذين يجيدون إدارة الأشياء والناس .. أصحاب الصرامة، والدقة، والقدرة على العمل المستمر فهم يصلحون فى مجالات أخرى غير الفن .. وهم كثيرا ما يكونون أدوات للقهر، أو الحفاظ على الصروح المقامة بالفعل ..

عندما كنت صغيرا تكاثرت على التساؤلات عما يدور حولى، وهذا شئ طبيعى فى الطفل .. فالتساؤل والتجربة تقودانه إلى المعرفة .. إلى الخروج من نطاق الاعتماد على الآخر، والجهل .. كنت دائم السؤال عن كل شئ.. لماذا ؟ لماذا ؟ وكانت تنهرنى أمى عن هذه التساؤلات بشىء من الضيق.

كانت أمى أول من قهرنى فى الحياة .. أنا مدين لها ببعض الصفات، لكنها فى الوقت نفسه صبغت على صفات أخرى تتعارض مع الفن .. مع التصرف، والتفكير الحر .. مع التساؤل، والخيال، وكسر الأنماط. كنت احب الموسيقى حبا كبيرا .. وفى ذلك الوقت لم تكن هناك وسائل للتسلية سوى الراديو، والسينما. كان يوجد فى غرفة المكتب راديو كبير ماركة "جروندج". كنت اغلق على نفسى الباب واستمع الموسيقى الأجنبية والعربية التى تذاع من عواصم العالم .. حفظت ساعات الإرسال، والبرامج، والموجات .. انتقل من محطة إلى محطة. أتصور نفسى قائد فرقة موسيقية، فاقف أمام المذياع وأحرك ذراعى.

أمى كانت تمسك يدى، وتقول: "هذه اليد يد عازف بيان أو جراح ماهر ".. ولكنى عندما تمكنت من توفير مبلغ من المال اشتريت به كمانا، رفضت أن ترسلنى إلى مدرسة للتدريب على العزف حتى لا انشغل بمجال الفن لأنه لا يؤدى إلى الربح.

هكذا وأنا لا أزال صبيا لم يتعد الأثنى عشر عام قهرت فى أول إرهاصات الفن .. ولكنى ظللت أقرا الروايات الأجنبية ... ففى تلك المرحلة من الحياة لم اكن تعلمت اللغة العربية بعد .. كانت لغتى الوحيدة هى الإنجليزية، لغة الأم، ولغة المدرسة التى أرسلت إليها فى الشارع "طومانى باى" بالزيتون .. بالإضافة إلى قليل من الإيطالية تعلمتها وأنا فى "روما" عندما عمل أبى ملحقا زراعيا فى السفارة المصرية سنتى 1929 و 1930.

كان فى داخلى عالم مستتر من الخيال لم أعرفه .. وعالم آخر من العواطف المكبوتة لم يكن من المستساغ فى الجو الإنجليزى أن أعبر عنها .. وكان التحاقى بالمدرسة الإرسالية الإنجليزية، التى كانت تدار وفقا لقواعد الاستعمار فى مصر، عنصرا جديدا أضاف إلى قهر الأم قهر النظام الدراسى. كنت أنال الجائزة تلو الجائزة بسبب التفوق ولكن هذا التفوق لم يكن من النوع الذى يؤدى إلى الإبداع والفن .. كان نوعا من الإتقان للدروس، وحفظ المعلومات، والخضوع لنظام كنائسى صارم يقتل الخيال، والخلق، ويحول التلميذ إلى أداة جيدة تنفذ سياسات لا تمت بصلة إلى البلد الذى هو جزء منها..

خرجت من مرحلة الطفولة ثم المدرسة بعد أن صقلت كأداة طيعة للقيام بدور لا اعرفه.. شاب جاف العواطف متباعد، يشعر بالغربة فى مجتمع هو ليس منه .. هكذا أعددت للدخول فى كلية الطب رغم أن ميولى الأساسية كانت تجنح نحو الفن، وهى حقيقة كنت اشعر بها تتحرك على الأطراف البعيدة للوعى، دون أن أدركها.

خضعت لحلم أبى وأمى فى أن يريا ابنهما طبيبا ماهرا .. فلم تكن تكونت لدى حتى ذلك الوقت أسباب المقاومة وأسلحتها .. أو على الأقل لم تكن وصلت إلى درجة النضج.

 

2- فى كلية الطب:

إن النظم الدراسية المتبعة عندنا، وفى العالم ليست موجهة نحو تنمية المواهب المستقلة للفرد، وحرية الفكر، والقدرة على الخلق. إن المنهج المبدع فى عصر مبنى على الاستغلال والقهر، والتضليل الواسع النطاق مستحيل .. لأنه يؤدى الى الثورة أى إلى تغير كل شئ. التغيير قد يكون مطلوبا فى بعض المجالات مثل التكنولوجيا والعلم ولكنه ليس مطلوبا فى الأمور التى تتعلق بالفعل، والفكر .. فالفكر الحر المبدع امضى سلاح لصراع الإنسان ضد الاستغلال، والتفرقة، والقهر.

وما ينسحب على نظام التعليم عموما ينسحب بالذات على الطب الذى يتطلب جهدا مستمرا فى التحصيل والحفظ، والذى بنيت تقاليده على خلق فئة متميزة تستخدم عملها، ومهارتها للربح .. عليها أن تقنع المرضى والمساكين بأن مصيرهم، وحياتهم، معلقان بخيط رفيع .. بإرادة الله فى السماء، وبإرادة إله آخر على الأرض هو حامل شهادة الدكتوراه فى الطب .. وقديما كان الأطباء فى مصر هم الكهنة .. ومازالوا .. على الأقل كبارهم. فالصغار فى هذا الزمن مساكين هم أيضا .. يلجأون أحيانا للعمل فى الفنادق، أو على سيارات للنقل.

إذا سألنى أحدهم "لماذا لم تنم فيك بذور الفن رغم الميول الدفينة التى ظلت حية فى الأعماق؟" سأجيب عليه "لأنى خضعت لرغبات الآخرين .. للقهر .. فى الأسرة، والمدرسة، وكلية الطب. لم استمع إلى الصوت الخفى الذى كان يحدثنى عن حقيقة، أن داخلى شيئا آخر هو الإبداع والفن تجاهلتهما جريا وراء الأنماط المتبعة، والقيم السائدة، والعرف" ...      

 

3- وفى الحزب:

كان انضمامى لليسار سنة 1945 دليلا على أننى غير راض عن الطريق الذى سلكته حتى ذلك الوقت. كانت ثورة على الاستعمار، والملك، والظلم، والفقر الذى رأيته فى عنابر مستشفى فؤاد الأول.. وثورة أيضا على الغربة التى أحس بها.. على الكبت الذى أعانى منه، والذى يبحث عن مخرج من الحياة الضيقة للبيت، والطب..

لذلك ليس من قبيل الصدف أننى ألقيت بنفسى فى مضمار الكفاح السياسى بكل كيانى، غير عابئ بالمخاطر التى قادتنى إلى سنين طويلة من السجن، والهروب، والمطاردة، والاضطهاد المستمر من قبل القوى المسيطرة على المجتمع.. ومن هذه الزاوية فان السياسة كانت بالنسبة الى أداة تحرر.. ووسيلة للفهم.. فمن خلالها ألقيت عن كاهلى بالأنماط والقيم التى سرت حتى تلك اللحظة وفقا لها.. وانفتحت على عالم جديد، ونظرة جديدة للمجتمع.. أدركت مدى القهر الواقع على الناس، ومدى الظلم الذى يعانون منه.. ومدى التفرقة التى توجد بينهم على أساس من الدين، والعرق، والطبقة، والجنس.. ولذلك كانت لهذه المرحلة، مثل المراحل التى سبقتها، نواح إيجابية، أفادتنى، ودخلت فى تكوينى، وخلقت قدرات فى التصرف، والفكر، ما كان لى أن استمتع بها لولا التجارب الغنية التى مررت بها.

السياسة لا تنفصل عن الفن، إنها تساعدنا على الفهم. وتجعلنا نربط بين ظواهر الحياة، ونعالجها ككل.. إنها جزء لا يتجزأ من تطور الإنسان.. وهذا بصرف النظر عن مدى ممارستنا لها.. فليس المقصود هو أن على كل فنان أن يلقى بنفسه فى هذا الخضم.. إلا أنها كانت ذات آثار ضارة للغاية على الفنان بسبب الطريقة التى تمارس بها حتى الآن.. وقد تجلى هذا الضرر فى ممارسات اليسار السياسى، وعلاقته بالفنانين والفن رغم أن أغلبية الفنانين فى بلادنا كانت لهم علاقة باليسار على الأقل فى الفكر.. حاول اليسار أن يضع أطرا جامدة للفن.. وأن يخضع الفن لمقتضيات الدفاع عن النص وتطبيقاته، أو عن قياداته.. أن يحوله إلى أداة للدعاية.. أن يقضى على استقلاله، ورؤيته الناقدة التى هى جزء من كل إبداع.

والممارسة السياسية فيها قدر "كبير" من الزيف.. من إخفاء الحقيقة.. من التبرير.. ومن التعامل مع المجردات، والتقسيمات، والأنماط بدلا من التعامل مع التجربة الحية للفرد.

إن اكبر مشكلة أواجهها حينما اكتب هى هذه التربية السياسية التى أحاول التخلص منها.. والتى تطغى فى كثير من الأحيان على الأفكار، والصور والكلمات التى اسطرها… وكأنها غلاف حديدى يقيدنى غصبا عنى، كما قيدتنى أمى من قبل.. وكما قيدنى السجن من بعد، ليضعنى فى قالب أصارع للتخلص منه.. فانجح أحيانا، وافشل كثير.. وأعيش مأساة التكوين الذى خضعت له، وصعوبة التحرر منه.

 

4- ثم الخلق:

اعتقد أن لولا لقائى مع "نوال السعداوى" لما كتبت.. فالفنان الذى كان بداخلى ظل يعيش. ولكن أنفاسه كانت قد ضعفت إلى حد كبر.. بحيث يستطيع أن يستمتع بالفن، أن يستهلكه، ولكنه عاجز عن إنتاجه، عاجز عن الخلق.

ولكن "نوال السعداوى" هى التى شجعتنى.. هى التى قالت: " فى داخلك فنان فلماذا لا تحرره.. وتكتب عما عشته وعرفته؟ لماذا لا تعبر عن نفسك، وتكسر القيود المحيطة بك.."؟ ففعلت.. وعندما فعلته أول مرة سعدت.. وعندما سعدت أردت أن أكرره.. فأصبحت ممن يكتبون.. أما الحكم على ما اكتبه فهو لم يصدر بعد.. ولا اعرف إن كان سيصدر فى يوم ما، أم أننى سأظل هكذا كاتبا على حافة الوعى فى البلد الذى أنا جزء منه.

هكذا تخلصت إلى حد ما من قيود القهر على إله الخلق الذى ولد معى.. تخلصت من أمى، والأسرة التى ولدت فيها.. من الطب.. من الحزب.. ولكن بقيت أشياء. فكلما تخلصت من قيد على حريتى، وعلى شجاعتى، اكتشفت أننى لم أتخلص تماما منه.. واكتشفت أن هناك قيودا لم اكتشفها بعد.. أو أن هناك قيودا جديدة تظهر مع كل انتقال من وضع إلى وضع.

وأنا أعى طبعا مدى القيود المفروضة من الدولة، ومن المؤسسات الدينية، ومن السوق ومن النشر، على الكتاب والمبدعين.. إنها واضحة للجميع ولا أستطيع أن أضيف الكثير لما سيقوله غيرى من الكتاب. ما أردت أن اركز عليه، وأن أقوله بصدق، أن القهر الأعظم، والأخطر على الكاتب ينبع من مصادر ربما لا تكون مرئية له.. أو تحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة والصدق للتخلص منها.. السجن الذى نتحرك خلف جدرانه موجود فى النفس.. خلقته عوامل اجتماعية، وثقافية كثيرة، لدرجة أن القهر قد يأتى من اقرب الأشياء إلى قلبنا.. حتى ممن نحب.. القهر يبدأ مع الطفولة.. ويمتد طوال الحياة. ينتقل من مرحلة إلى مرحلة.. ليكشف عن صور جديدة لم نألفها.. يبدأ من النظام العالمى الجديد الذى فرضه "بوش".. ويمتد إلى الوطن.. وإلى الأزهر.. وإلى العلاقة بين الرجل والمرأة فى الأسرة… فكم من الأشياء نخفيها باسم الزواج والحب..؟ وكم من الأشياء نخفيها باسم الصداقة..؟ وكم من الأشياء نخفيها باسم العرف..؟ وكم من الأشياء نخفيها باسم القيم..؟ وكم من الأشياء نخفيها باسم الذوق؟ وكم من الأشياء نخفيها باسم الخوف من المواجهة؟ لأن المواجهة لا تعنى بالضرورة الوصول إلى المصادرة، أو السجن، ولكن قد تعنى فقط أن اقرب الناس إلينا سيغضون الطرف عندما يمرون بالقرب منى.

فى منطقتنا يرفع سيف التقاليد والعرف، والغيبيات، والإيمان الذى لا يعرف الجدل أو الخلاف، وسمعة مصر فوق رقاب المبدعين، وفى كل لحظة من لحظات العمر.

هذا العدو الأول لكل إبداع.. تستنده أجهزة، وأدوات القمع، وأساليب التجاهل، والصمت.. هو اخطر الأعداء لأنه يحيا فى نفوسنا.

وطالما أن الحال يظل كما هو فان الإبداع الحقيقى لم يأت بعد. وكلنا، ما عدا استثناءات لا تعد حتى على أصابع اليد الواحدة، سنخلق فنا عاديا.. ليظل الفن العظيم حبيس النفس.

اللهم فك عنا هذا الكرب.

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism