|
الإغراء
الأخير
لا أحد
يملك الحقيقة
كلها.. هذا هو ما
يجب أن نؤمن به
إذا أردنا أن
تنصلح أمورنا
وان يتعاون الناس
فى بلادنا لتغيير
الأوضاع التى
نعانى منها.
وهى فكرة
بديهية ومع ذلك
يوجد أناس كثيرون
يقودهم التعصب
لفكرة من الأفكار،
أو مذهب من المذاهب،
أو دين من الأديان
إلى نسيان هذه
الحقيقة التى
بدونها تنتفى
إنسانية الإنسان
وقدرته على التعايش
مع من يختلف معه
فى الرأى..
فى الأيام
الأخيرة قرأت
عن فيلم أثار
جدلا واسعا فى
بلاد الغرب.. وهو
يعرض تحت اسم
"الإغراء الأخير
للمسيح". والعنوان
مأخوذ من الرواية
التى بنى عليها
الفيلم والتى
نشرت بالاسم
نفسه.. وهى رواية
للكاتب اليونانى
"نيكوس كازنتساكيس"
مؤلف زوربا اليونانى
"وإعادة صلب
المسيح".
انه فيلم
يدافع عن فكرة
أساسية وهى أن
نبل المسيح وعظمته
ورسالته تنبعث
كلها من كونه
تعرض لكل أنواع
الإغراء التى
كان يمكن أن يتعرض
لها.. ضعف أمامها
أحيانا، ولكنه
قاومها، وتغلب
عليها وضحى بالاستقرار
وبالسعادة فى
دنياه ليموت
مصلوبا على يد
الرومان.. ذلك
لأنه أصر على
الدفاع عن المبادئ
التى آمن بها،
وعن الرسالة
الإلهية التى
وهب نفسه لها
والتى تقول أن
الإنسان إنسان
أمام ربه سواء
كان من قلة الأسياد
والأغنياء أو
من كثرة العبيد
والفقراء. بأن
الظلم والعبودية
حرام.. وبأن الحب
والسلام يجب
الدفاع عنهما
حتى الممات. فكانت
صيحة مدوية داعية
إلى المساواة.
التعصب
الدينى اصبح
ظاهرة فى هذه
الأيام حتى فى
الغرب. ففى يوم
15 يوليو الماضى
أذيع أن الأمريكى
"بيل برايت"
أحد قادة حركة
الحملة الصليبية
فى سبيل المسيح
عرض على شركة
"يونيفرسال
بكتشورز" أن
يشترى منها جميع
نسخ الفيلم مقابل
مبلغ يساوى ثمنها
بالكامل مضافا
إليه جميع المصاريف
الأخرى التى
تكبدتها الشركة..
وكان هدفه من
ذلك الحيلولة
دون عرضه على
الجماهير. ولكن
الشركة ردت على
هذا العرض فى
صفحة إعلان كاملة
وضحت فيها أن
حرية الفكر ليست
معروضة للبيع...
لقد بذلت
بعض الأوساط
الدينية ذات
الاتجاهات الأصولية
والتى تتمتع
بنفوذ واسع،
وإمكانيات مالية
كبيرة قصارى
جهودها للضغط
على شركات توزيع
وعرض الأفلام
حتى تحملها على
مقاطعة الفيلم،
ورفض التعامل
فيه مع شركة "يونيفيرسال".
وعندما عرض أخيرا
فى مهرجان البندقية
(فينيسيا) اصدر
مجلس الكنائس
الإيطالى بيانا
بأن الإغراء
الأخير للمسيح
فيلم لا يستحق
المشاهدة، ودعت
الناس إلى الإعراض
عن رؤياه.
خلال
الشهور الماضية
شن عدد من القساوسة
ورجال الدين
حملة على المخرج
الأمريكى "مارتين
سكورسيسى" متهمين
إياه بأنه حاول
أن يحط من قدر
المسيح، وان
ينال من منزلته
عند الجماهير
المسيحية عن
طريق التعرض
لحياته الخاصة
بأسلوب لا يليق
بمقامه. فقد تناول
مثلا علاقاته
بمريم المجدلية
ومريم من "بيت
عانيا" وأختها
"مارتا"، وصور
بعض مناظر الحب
تصويرا بطيئا
كاشفا فيه عن
تكثيف جمالى
وحسى وعاطفى
مما يتنافى مع
قداسة حياته.
لكن فى الوقت
نفسه نشأت حركة
قوية للدفاع
عن الفيلم كعمل
فنى رفيع المستوى
يعطى تفسيرا
ارقى لحياة المسيح،
وبالتالى يعمق
رسالته الدينية.
وأصحاب هذا الاتجاه
من الرجال والنساء
فى الجامعات
والمعاهد والأوساط
الفنية والعلمية
والدينية يرون
فيه عملا جريئا
بالغ الجمال
والتأثير على
المشاهدين،
عملا يرتقى بوعيهم
ومشاعرهم على
عكس ما يدعيه
المناهضون للفيلم
لأنه يصور الأفكار
والخيالات والخواطر
التى تمر بذهن
المسيح، وعلى
الأخص خلال الأربعين
دقيقة الأخيرة
من حياته وهو
فى شبه غيبوبة
يعانى جسده المصلوب
العطش والعذاب
والآلام الفظيعة.
أربعون دقيقة
يسترجع فيها
مسيرته قبل أن
يلفظ أنفاسه
الأخيرة. يسترجع
فيها الاغراءات
والعثرات والصراعات
المريرة التى
استطاع أن يسمو
فوقها.. إنها الدراما
الحقيقية والمأساة
تزيد من نبل حياته.
فبقدر نجاح المخرج
"سكور سيسى"
فى تصوير الاغراءات
التى اعترضت
طريقه بالقدر
نفسه استطاع
أن يبرز عظمة
المسيح، ويجسد
النموذج الذى
تركه للناس جميعا.
أن الرجل
المصلوب فوق
الصليب يتخيل
نفسه ولمدة لحظات
قصيرة وهو ينام
فى أحضان المرأة
التى يحبها.. يتصور
نفسه رب أسرة
سعيدة يعمل ويمرح
فى بيته الصغير..
يتصور نفسه وقد
اكتسب منزلة
خاصة فى الناصرة
لأنه اصبح امهر
نجاريها. يتصور
السعادة التى
افتقدها طويلا
ولكنه مع ذلك
يرفض هذه الصورة
الوردية ليواصل
حتى آخر لحظة
ذلك الطريق الذى
اختاره.. فالفيلم
يقول أن عظمة
الأنبياء لا
تكمن فى انهم
ليسوا من البشر..
وإنما فيما يتحملونه
من عذاب، فى الاغراءات
التى يرفضونها
من اجل أشياء
آمنوا بها من
اجل السير خطوات
جديدة نحو تحرير
الإنسان من الظلم
والفساد، وأساسا
فى قدرتهم على
مقاومة الإغراء
الأكبر، وهو
أن يعرفوا معنى
الراحة، وان
يعيشوا لحظات
السعادة المتاحة
للناس العاديين.
فالخيرون فى
الحياة كثيرون
والأغلبية الساحقة
تختار طريق الخير،
ولكنها فى الوقت
نفسه تؤثر السلامة
فإذا ما حدث تعارض
بين الاثنين،
بين الاستقرار
والزواج والأولاد
وماديات الحياة
ومتعها الصغيرة
وبين الدفاع
عن الخير، عن
العدالة والحرية
والحق، أى بين
السعادة بمعناها
اليومى المعتاد
وبين المبادئ
صمتوا، وآثروا
السلامة. أما
الأنبياء، أما
أخير الناس وأعظمهم
فهم يواصلون
طريقهم حتى النهاية
ولو أدى هذا إلى
فقدان كل شئ. وكان
المسيح ينتمى
إلى هذه القلة
النادرة التى
تستطيع أن تدير
ظهرها للسعادة
وللمتع العادية،
للاستقرار والراحة
وللأمان، لحضن
امرأة ويدها
تربت عليه.
هذا ما
أراد أن يقوله
المخرج بوسائله
الفنية.. فقد صورالمسيح
وعظمته ليلهم
بها الشعوب فى
سنين الظلمة
والردة الطاغية
التى نعيشها،
وربما بالإضافة
إلى كل هذا أراد
بجهده الفنى
أن يعيـد إلى
الذاكرة كلمات
المسيح الخالدة
ضد المتعصبين..
ولماذا
تنظر الى القذى
الذى فى عين أخيك..
وأما الخشبة
التى فى عينك
فلا تفطن أليها..
الرؤية
بعيون النساء
منذ أيام
قليلة رأيت فيلم
"محمد خان" الأخير
"أحلام هند وكاميليا"..
وبعد أن رايته
أحسست أن النقاد
ظلموه.. ربما لأنهم
عجزوا عن إدراك
أهم ما فيه.. انه
استطاع أن يضيف
شيئا هاما وجديدا
إلى السينما
المصرية.. رؤية
يمكننى أن اسميها
"رؤية المرأة"
لما تعانيه،
وتفكر فيه..
ولعل
السبب فى ذلك
هو أن المهتمين
بالثقافة فى
مصر، والذين
يكتبون، أو ينقدون
لم يتنبهوا بعد
إلى ظاهرة من
أهم ظواهر العصر..
ظاهرة التغير
فى النساء وتأثيرهن
المتزايد فى
المجتمع، وصراعهن
من اجل خلق علاقات
اكثر إنسانية
ومساواة بينهن
وبين الرجال..
حتى الذين يدافعون
عن "المستضعفين
فى الأرض" يتفادون
الحديث عن هذا
الموضوع بحجة
أن هناك ما هو
أهم، واكثر ضرورة..
ذلك أن الحديث
عن قضية المرأة
مفعم بالمخاطر،
والمحرمات فى
مرحلة تزحف فيها
عقلية النقاب،
وتسيطر فيها
مصالح لا تمانع
فى الحديث عن
الفساد صباح،
مساء، وفى كل
وسائل الإعلام
شريطة ألا نكشف
عن جذوره فى المجتمع..
فهذا أمر لابد
من حصاره ووأده
بكل الوسائل
.. وقضية المرأة
إذا ما أخذت بمفهومها
الشامل مسألة
تمس المجتمع
من جذوره.
لقد أنتجت
أفلام عن مشاكل
النساء من قبل،
ومنها أفلام
أخرجها النساء،
ولكن فيلم "محمد
خان" مختلف .. إنه
يدور حول حياة
اثنتين من الشغالات
هربتا من أسرتيهما،
ويجمعهما العمل
فى بيوت أسر الطبقات
المتوسطة الحال
.. وصداقة .. وأحلام.
وإن كان
من الصحيح أن
الفيلم يصور
لنا حياة الفئات
الهامشية فى
الطبقات الدنيا
من المجتمع فإنه
يذهب أبعد من
ذلك. فالأفلام
التى تتناول
هذه الفئات واسعة
الانتشار تتناولها
لأنها تجد فيها
معينا لا ينضب
لمختلف أنواع
المشاكل ولكل
أنواع الإثارة
من جرائم، وإدمان
ودعارة، ومن
جنس بمعناه السوقى
الفج.
ولكن
هناك نوعا أخر
من "الجنس" يكشف
طبيعة العلاقات
بين الرجل والمرأة
وتناقضاتها،
ويسعى إلى تهذيب
الفكر، وتطوير
الإحساس فى هذا
المجال الذى
يمس أخص ما يوجد
فى حياة الإنسان
.. وهذا هو ما سعى
إليه "محمد خان".
الجديد هو أنه
أراد أن يخرج
لنا فيلما عن
النساء .. عن المرأة
ليس كموضوع ولكن
كذات .. ليس كمفعول
بها، ولكن كفاعل
فى الحياة .. وليس
عن جسدها، وشيطانيتها،
وألاعيبها،
أو ضعفها، أو
إغرائها للرجال
.. أو كأم للأطفال
.. أو زوجة مظلومة
تبكى مرارة الخيانة
.. ولكن عن المرأة
الإنسان الساعية
إلى العمل، والى
الاستقلال .. إلى
الشرف الذى يأتى
من الاعتماد
على النفس، ورفض
الخضوع لقهر
الرجل الذى لا
يرى فى زوجته
سوى شغالة تعمل
بلا أجر كما قالت
"كاميليا"، وجسدا
يشبع فيه الحرمان
..
لذلك
ليس من قبيل الصدف
أن الصداقة الحقيقية
الوحيدة فى هذا
الفيلم هى التى
قامت بين هاتين
المرأتين يطاردهما
المجتمع بواسطة
رجال من الطبقات
الدنيا أو من
الفئات المتوسطة
التى تعملان
كشغالات فى بيوتها.
المحاولات الوحيدة
للبحث عن عمل
شريف فى بيع الخضار،
أو فى "نصبة للشاى"
أو فى مسح البلاط
هى المحاولات
الدائبة "لهند"
و"كاميليا" تطاردهما
الحياة من مكان
لمكان.. أما الرجال
فهم ضحايا للمخدرات،
أو تجارها، أو
لصوص، أو صبيان
فى السوق السوداء
للدولار..
ولذلك
عندما تتزوج
"هند" من "عيد"
بعد أن حملت منه،
فإنها تنجب طفلة
تسمى "أحلام"..
طفلة أنثى ترمز
إلى الأشياء
الغائبة فى حياة
المرأتين.. هكذا
تتكون أسرة "أنثوية"
من ثلاثة "هند"
و"كاميليا" والبنت
الصغيرة.. أما
"عيد" الزوج،
والأب فيظل غائبا
خلف القضبان
بينما تواجه
هذه "الأسرة"
قسوة الحياة..
و"كاميليا"
امرأة جميلة
اختارها المخرج
ربما ليقول لنا
أن المرأة المستقلة
القادرة على
الخوض فى اصعب
التيارات، ومقاومة
الاستسلام لكل
صنوف القهر حتى
ولو كانت باسم
الزواج ليست
شاذة، وقبيحة،
وخالية من الجمال..
وان الأنوثة
ليست مرادفة
للضعف والاستسلام،
وإنما شرف، وعمل،
وذكاء. الأنوثة
هى أن تكون المرأة
إنسان، لها كرامة،
ورقة فى الإحساس..
و"كاميليا" قادرة
على أن تحب طفلة
ليست طفلتها،
وان ترعاها وكأنها
أمها.. وان تقاوم
محاولات "عيد"
للاقتراب منها
حرصا على صديقتها
التى تربطها
بها علاقة اقوى
من كل إغراء.. وان
تقول لنا الحب
والسلام يجب
الدفاع عنهما
حتى الممات. فكانت
صيحة مدوية داعية
إلى المساواة.
أن فيلم
"هند وكاميليا"
وليد التغييرات
التى شهدتها
مصر بين النساء..
وانعكاس لحركة
المرأة الصاعدة
فى مواجهة الصعاب..
انه ليس مفصولا
عن مظاهرات النساء
فى برلين تأييدا
لدول العالم
الثالث ضد البنك
الدولى وسياساته..
ولا عن الألعاب
الرياضية التوقيعية
التى شاركت فيها
فتيات من مختلف
بلاد العالم
فحطمن كثيرا
مما يقال عن عودة
المرأة إلى البيت،
واثبتن أن جسد
الأنثى يمكن
أن يكون مصدرا
للمتعة الحلال
والاعجاز.. فالذين
شاهدوا هذه الألعاب
ارتقت أحاسيسهم
إلى أشياء أخرى
لم تكن على بال
الفقهاء الذين
لا يرون فى المرأة
سوى جسدا مثيرا
ينبغى أن يغطى
لأنهم عاجزون
عن رؤيتها كانسان.
إن هذا
الفيلم إبداع
فنان قادر على
رؤية الجديد
فى حياتنا رغم
الردة التى نشهدها
هذه الأيام.. قادر
على أن يرى بعيون
النساء.. وهذه
الحقيقة تجعلنا
ننسى بعض الهنات
التى لا يخلو
منها أى عمل فنى
مهما كانت ميزاته..
|