|
الإبداع
وتجربة فى الوعى
الباطنى
أثناء
الحديث مع الآخرين
كثيرا ما نقول:
"جاءتنى الفكرة
فجأة .. أو سقطت
على هذه الفكرة
من السماء" .. أو
"لا اعرف من أين
جاءنى هذا الخاطر"
.. وهذه الجمل المختلفة
تعبر فى الواقع
عن شىء واحد،
عن ظاهرة الأفكار،
أو الخواطر التى
تصعد من منطقة
اللاوعى إلى
الوعى، كأنها
تخترق الفاصل
بينهما فجأة
لتظهر إلى النور
..
كان "فرويد"
أول العلماء
النفسيين الذى
كشف عما يسمى
بالعقل الباطن
أو اللاوعى ... وقد
قدم بذلك مساهمة
مهمة للغاية
فى فهم مكنونات
النفس الإنسانية،
ودوافعها والحالات
المختلفة التى
تطرأ عليها ... ومع
ذلك فإن الحديث
عن وجود اللاوعى
أمر يفتقد إلى
الدقة. فهو ليس
إلا اصطلاحا
يقصد به وجود
إمكانيات للفكر،
وللفعل، للوعى
فى نفس الإنسان
لم تستخدم أو
تستغل بعد .. إنها
إمكانيات واعية،
ولكنها كامنة
فى الأعماق،
أو فى حالة بيات
شتوى تنتظر الشرارة
أو الدفء الذى
يطلقها.. تنتظر
الحدث أو الاحتياج،
أو عملية التنقيب
الداخلى التى
نقوم بها لاستكشاف
واستخدام الأفكار،
والتصورات المدفونة
فى النفس. إنها
طاقات، وقدرات،
وخبرات مختزنة
تنتظر الإشارة
المناسبة لكى
تظهر على السطح،
فيصبح الإنسان
واعيا بوجودها..
وهذه الطاقات
والإمكانيات
الخفية التى
لم ننتبه إليها
هى أحد المنابع
الهامة والأساسية
لما يمكن أن نسميه
بالإبداع الحر،
وكأن فى أعماق
النفس كنزا ثمينا
من آلاف الأشياء
اختزنت فيه.. ثورة
من المواد الخام،
تنتظر عملية
الكشف والاستخراج
من باطن العقل..
البطل
فى رواية كريمة
هذا هو
ما أخذت اتبينة
منذ أن شرعت فى
كتابة روايتى
الأولى "العين
ذات الجفن المعدنى"
سنة 1968. وبالتدريج
تطورت خبرتى
غى العمل مع الطبقات
"اللاواعية"
للعقل ... ففى هذه
الرواية الأولى
مثلا ظللت أبحث
عن الخط الأساسى
الذى يمكن أن
يحكم سياقها
عدة شهور إلى
أن اهتديت اليه،
وهو تجربة القهر
النفسى والإنسانى
الذى يتعرض إليه
السجين ... ومحاولة
الإحاطة التفصيلية
به، وبالوسائل
والأساليب التى
يلجا اليها للتغلب
على هذا القهر
... ثم الدخول فى
أعماق عملية
المقاومة بما
يعترضها من حالات
القوة والضعف
... فلما أمسكت بطرف
هذا الخيط "كرت
معى البكرة"
. وظللت اكتب كل
ليلة دون انقطاع
لمدة سنتين وكأنى
انهل من "عين
فى أغوار النفس
لم اكن واعيا
بوجودها من قبل.
ولا مدركا لما
تحتوى عليه من
المدفون. ولكن
من بين مختلف
التجارب مع رواياتى
تظل التجربة
التى خضتها مع
اللاوعى أثناء
كتابة رواية
"كريمة" ماثلة
أمامى بشكل خاص،
ربما لارتباطها
بكثير من الأشياء
الحميمة فى النفس
... أو لأن عقلى
نجح فى تسجيلها
مرحلة بعد مرحلة
وكأنه يستعد
لاستخدامها
فيما بعد ..
وتتميز
رواية "كريمة"
بأنها تتعرض
للعديد من القضايا
التى تشغل بال
العاملين فى
حقل السياسة
من مفكرى اليسار.
وأنها تتضمن،
من بين ما تضمنته
نقدا لبعض المظاهر
الفكرية والسلوكية
فى حياة ونضال
تيار اليسار
الاشتراكى الذى
انتمى إليه ... مظاهر
مثل تفشى ما يمكن
أن اسميه المنهج
النفعى أو
البراجماتى
فى المواقف الشخصية
والسياسات العامة
للذين يتصدرون
العمل فى مختلف
ميادين النشاط،
والجنوح إلى
الاهتمام بالاعتبارات
التكتيكية دون
ربطها بالأهداف
أو المبادئ الأساسية،
بل وفى كثير من
الأحيان على
حسابها .. ذلك الجنوح
الذى لا يستقيم
مع المميزات
المبدئية التى
ينبغى أن تشكل
العامود الفقرى
لليسار الاشتراكى
بوصفه تيار يسعى
إلى مجتمع تنقضى
فيه كل صور الاستغلال،
والقهر، والتفرقة...
كما تتضمن نقدا
لمظاهر سلبية
أخرى فى النشاط
السياسى لهذا
التيار ومنها
الافتقاد إلى
الصراحة الواجبة
فى مواجه الأخطار.
خصوصا إذا كانت
صادرة من المستويات
العليا المسئولة،
وتغليب العلاقات
الشخصية على
حساب العلاقات
الجماعية السلمية.
ويدور
صراع فى الرواية
بين البطل، وهو
شاعر يدعى "حمدان"
وبين الجماعة
التى وضع مع أفرادها
داخل المعتقل
فى قلب الصحراء
... وفى هذا الصراع
ينضم إليه شاب،
وامرأة اسمها
كريمة هى ابنة
قائد المعتقل
الذى اقامتة
السلطات على
مقربة من طريق
الأربعين المتجه
جنوبا إلى السودان
على بعد قليل
من الواحات البحرية
"الفرافرا،
وباريس...
وخلال
الفترة السابقة
على كتابة هذه
الرواية كنت
مشحونا بالغضب
والاستياء من
تلك المظاهر
السلبية نتيجة
مشاركتى فى بعض
الأنشطة السياسية
التى جعلتنى
المسها عن قرب...
وعندما شرعت
فى كتابتها وجدت
نفسى اختار شخصية
شاعر ليكون بطلها
دون أن أعى إذ
ذاك أسباب هذا
الأختيار بالتحديد
... فالشاعر شخص
ذو تركيبة نفسية
خاصة ... الشعور
عنده قوى، وعميق
... الحب، والكراهية،
والغضب، والاقتحام
مسائل تلعب دورا
مميزا فى حياته
... إنه يميل إلى
التطرف، والى
الإطلاق فى أحكامه،
ولا يقبل بالحلول
الوسط، أو المساومات
...
وهكذا
صورته فى الفصل
الأول. تعرضت
لطفولته، وشبابه،
ثم لحادثة القبض
عليه، ونفيه
فى الصحراء بسبب
الأشعار لتى
كان يلقيها فى
الشوارع، والجوامع،
والميادين. وتعرضت
للعوامل التى
دخلت فى تكوينه
منذ سنه المبكر
وعلاقته بأبيه،
وتحمله مسئولية
أمه بعد وفاة
الرجل الذى ورث
منه الكبرياء
والصلابة، وحب
النغم الجميل
والشاعرية فى
لغة القران.
فى هذه
المرحلة المبكرة
من الرواية أخذت
تتجسد المعالم
الأساسية لهذه
الشخصية دون
أن أدرك الدوافع
التى جعلتنى
اختارها بالذات،
فلم يكن لها مثيل،
أو حتى شبيه فى
أى رواية من رواياتى
السابقة ... وجدتها
تكاد ترسم نفسها
بنفسها، كأنها
تعد للقيام بالدور
الذى تستجيب
للأحاسيس التى
سيطرت على وخلقت
عندى حالة نفسية
تتسم بقدر كبير
من السخط، والغضب
على المظاهر
السلبية التى
لعبت، ولازالت
تلعب دورها فى
عرقلة مسيرة
التيار الاشتراكى...
كنت أعانى
شعورا من الإحباط
فى المجالين
الشخصى، والعام
إزاء نواحى القصور
فى نشاطنا، وكأننا
مصابون بمرض
عضال استعصى
على العلاج ... فتولد
عن ذلك تلك الشخصية
الرومانسية
للشاعر التى
تتجسد فيها مميزات
نحن فى حاجه إليها
للخروج من الردة
التى وقعت فيها
البلاد، ولتخطى
الأزمة التى
تعانى منها قوى
التقدم والاشتراكية
منذ سنوات.
إنها
شخصية رومانسية
ولدت كاستجابة
لكل شئ غائب فى
الحياة ..فيها
ذلك الميل الغريزى
إلى المطلق الذى
هو سمة من سمات
الفن ... فالفن يرسم
الأشياء بألوان
قوية لا تساوم
... الفن نور كاشف
...قوة ناقدة للعيوب
والأدران التى
نعانى منها فى
كل المجالات
بما فيها التيار
الاشتراكى لأنه
أحد الأدوات
الأساسية فى
تغيير المجتمع،
وتطويره ... قوة
طليعية لها دور
بارز فى تحقيق
التقدم ... والفن
مارد متمرد فى
أعماق الإنسان
ضد الزيف، والفشل،
واللامبالاة،
والطغيان ... ثائر
يريد أن يبدل
كل الأشياء...
وهكذا
أخذ ينصهر فى
أعماقى ذلك البطل
احتاج إليه لإعادة
ترتيب الحياة
.. للتيقن من وجود
قوى قادرة على
إزاحة العقبات،
وإعطاء نموذج
أريد أن أومن
بوجوده حتى وان
قتل فى يوم ما
أو مات ... فالنموذج
كالعدوى تتوالد
عنه عشرات من
النماذج. كالفن
والخلق يولدان
قوى جديدة قادرة
على الإبداع
... هكذا صنعت الرجل
الذى سيحقق ما
أصبو إليه أنا،
أتصوره وأصبو
إليه بكل كيانى،
والذى سيقتل
هو و "كريمة"
فى نهاية المطاف
بمدفع رشاش يصوب
إليهما وهما
يهربان فى الصحراء
من طائرة هليكوبتر
استقلها أبو
"كريمة" قائد
المعتقل ... عقل
جبار وقلب بلا
مشاعر ... أداة من
أدوات المستخدم
للقهر والسحق
كالقضبان، والقيود،
والدبابات المجنزرة
...
البطل
... وقود المأساة
صنعت
البطل، وفى النهاية
قتلته. كان يمكن
أن أبقيه على
قيد الحياة .. ولكن
فى الزمان الذى
نعيشه الآن الأبطال
لا يبقون على
قيد الحياة ... انهم
يقتلون دائما
بشكل أو بآخر
لأنهم نماذج
تسري كالعدوى
وتتكرر، لأنهم
خطيرون على ملوك
المال، والاستعمار،
على الظالمين
فى كل مكان ... والبطل
فى عصرنا هذا
دائما ما يكون
وقود المأساة.
لذلك ينبغى له
أن يحترق ... إنه
إنسان يحلم بالغد
... وكثيرا ما يعجز
عن تحقيق الأحلام
... ولكنه إذا مات
يظل حيا فى الخيال
... عن طريق الذكرى
أو فى كتب التاريخ
أو رواية تستمد
صورها من واقع
الحياة... إنه يظل
مصدرا للحب،
وللحماس ...
ومنذ
مرحلة مبكرة
من الرواية ولان
"حمدان" كان
رجلا، وشاعرا
ثائرا قادته
إلى المعتقل
... وحتى اللحظة
التى هبط فيها
من السيارة "الجيب"
على ارض المعسكر
المحاط بالأسلاك
الشائكة، بعد
رحلة طويلة فى
الصحراء لم اكن
اعى الموضوع
الأساسى للرواية،
ولا حتى مغزى
الأحداث التى
سار معها قلمى
.. كنت مدفوعا
بإحساسى، وبالتجارب
المختزنة فى
الأعماق .. تلك
التجارب التى
عشتها مرات،
ومرات حتى أصبحت
قادرا على أن
أحياها من جديد
بأدق التفاصيل
... لم اكن قد أمسكت
بخيوط القصة
التى اكتبها
ولم اكن قادرا
على رؤية الطريق
الذى يمتد أمامى
رغم إحساسى بالرضا.عما
كتبت، وكأنة
تفجر بقوة دفع
دافئة، ونقية
لا علاقة لها
بى سوى أننى الوعاء
الذى تفجرت فيه
... قلمى عبارة عن
أداة مطيعة تجرى
فوق الورق مدفوعة
بتيار يأتى من
اللاوعى، من
شحنة لا أعرف
كنهها، ولا إلى
أين ستقودنى
... ولكن بعد أن
وصل "حمدان"
إلى المعتقل
بدأت أشعر
بالقلق ... لماذا
أدخلته فى المعتقل
؟ هل كان لابد
من ذلك ؟ هل ستفرض
على تجربتى الطويلة
فى السجن تكرار
ما كتبته من قبل
فى "العين ذات
الجفن المعدنى"
ولو حتى بصورة
أخرى، أو من زاوية
جديدة ؟
مرحلة
القلق والصراع
قلت لنفسى:
"لم لا ؟". إنه
موضوع خصب أستطيع
أن اكتبه عن معرفة،
فقد شكل جزءا
أساسيا من تجربتى
فى الحياة. ونفذت
إلى كل ما فيه
من أطوار، وأبعاد،
وأعماق ... ولكن
لم اكن راضيا
عن هذا الكلام.
ثمة صراع كان
يدور بين عقلى
الواعى، وبين
أشياء مدفونة
فى الأعماق ... وعندما
أعود إلى تلك
الليالى التى
قضيتها سيرا
على الأقدام
حول شاطئ النيل
فى الجيزة أحيا
من جديد التناقض
و القلق العميق
الذى ظل يطاردنى
طوال الساعات
وكأننى إنسان
ممزق ... كائن منقسم
على نفسه ... عقله
الواعى يريد
أن يسير فى اتجاه
... وعقله الباطن
يقول له "لا"
... انك تهرب من
شئ ما ... وكان ذلك
الإحساس الباطنى
هو مصدر القلق،
والمعاناة الذين
استوليا على
تماما.
وفجأة
أخذت شخصيات
أخرى تفرض نفسها
على ... "كريمة"
حبيبة الشاعر
الأولى ... ثم "كريمة"
حبيبته الثانية،
ابنه قائد المعتقل
...وقائد المعتقل
نفسه ورجل السياسة
"بيومى حسنين".
وكأننى اعد الممثلين
للدور الذين
سيلعبونه على
مسرح الرواية
... وفى هذا الصدد
أتذكر أنه عندما
انتهت وتقدمت
بها إلى إحدى
دور النشر كتب
المستشار الذى
أنيط إليه بقراءتها
تقريرا سلبيا
أوصى فيه بعدم
نشرها ...ومن بين
ما قاله أن هذه
الطريقة فى الكتابة
"بقصد وصف الشخصيات،
وماضيها قبل
إدخالها فى صلب
الأحداث المرتبطة
بالرواية" أصبحت
قديمة وعفى عليها
الزمان فتساءلت
آنذاك ، ومازلت
أتساءل ، هل توجد
طريقة فى الكتابة
الروائية عفى
عليها الزمن
؟ ... أم أن الأشكال
الفنية والروائية
يمكن أن تتكرر،
ولكن على مستوى
اعلى يحددها
العصر، والواقع
الثقافى،ومضمون
القصة ..؟ أليس
المهم فى كل ذلك
هو مضمون الرواية
ومدى النجاح
فى صياغتها صياغة
فنية مؤثرة ؟
أدركت أنه مازالت
تسيطر الميول
المدرسية عند
عديد من النقاد
وتدفعهم إلى
التمسك بالقوالب
والتصنيفات
الجامدة كمعيار
للحكم على فنية
الأعمال الروائية.
المهم
أننى وجدت نفسى
بعد ذلك منهمكا
فى رسم هذه الشخصيات
الجديدة بطريقة
تقترب من السرد
التقريرى وربما
كان هذا السرد
من الأشياء الأخرى
التى طبق عليها
السيد المستشار
مقاييسه الجاهزة
منذ زمن بعيد،
ثم أوصلتها جميعا
إلى ارض المعتقل
الذى اصبح بذلك،
ودون وعى مسبق
منى، معدا ليكون
المسرح الذى
ستدور فوقه الأحداث.
طوال
هذه المرحلة
الثانية ظل التفاعل
قائما بين العقل
الواعى والباطن
كما هو الحال
دائما فى كل عمل
إبداعى، ولكن
كان يغلب عليه
طابع التنافر،
والاضطراب،
والقلق الدائم
.. كنت أعانى من
إحساس عميق بوجود
تناقض، لا أستطيع
أن أحدده ولكنه
قائم فى الاعماق
..
مرت عدة
أسابيع، وفى
إحدى ليالى شهر
أغسطس كنت مستغرقا
فى النوم بعد
أن هدأ ضجيج الشارع
الذى أسكن فيه..
فتحت عينى فجأة
وأخذت أحملق
فى الظلام .. ذهنى
يقظ تماما كأننى
نمت نوما طويلا،
ومريحا .. من أسفل
العمارة تأتينى
أصوات السيارات
القليلة وشئ
آخر كالتنفس
العميق للنائمين
فى المدينة .. أحسست
أننى أحملق فى
الصمت الذى يسبق
الفجر. دلفت إلى
الصالة .. أضأت
المصباح، وجلست
على أحد المقاعد
ثم مددت ساقى
فوق الكليم ..جاءتنى
صورة للمعتقل
الذى كنت أفكر
فيه طوال الأسابيع
المنصرمة. من
حوله تلتف الأسلاك
الشائكة تحول
دون خروجنا من
المساحة الضيقة
التى نتحرك فيها
.. ترمز إلى الإحباط
الذى أعانيه
..إلى الحواجز
التى تسد الرؤية،
وتمنعنا من الانطلاق
نحو الآفاق البعيدة
.. وظلت هذه الفكرة
تنمو، متخطية
الحاجز الذى
يفصل بين التفكير
الواعى والأحاسيس
.. إلى أن أصبحت
كالضوء الباهر
يضيء حتى الأركان
الدفينة.
أدركت
فى تلك اللحظة
أننى أهتديت
أخيرا إلى مفتاح
اللغز الذى ظل
يحيرنى .. أننى
وصلت إلى لب الموضوع
الذى أريد أن
أتناوله فى رواية
"كريمة". تملكتنى
راحة عميقة،
وكأن الاتجاه
الأصيل فى نفسى
وجد طريقه ..أو
أن ذاتى الحقيقية
هى التى انتصرت
على المنطق المدروس،
والحجج التى
الجأ اليها لتفادى
الحقيقة. وكان
هذا هو جوهر الصراع
الذى دار طوال
الفترة السابقة
بين إحساسى الباطنى
الغامض، وبين
العقل الواعى
بحساباته ..
فأنا
إنسان جئت إلى
الأدب بعد سنين
طويلة من النضال
السياسى ..أنا
مؤمن بالعمل
الجماعى، بضرورة
وجود حزب اشتراكى
طليعى .. عقلى الواعى
الذى صقلته بالتجارب
والأحداث التى
شهدتها منذ عهد
فاروق والاستعمار
الإنجليزى،
والعمل المتواصل
فى إطار حزب سياسى
له جذور قديمة
.. عقلى الواعى
هذا يقول لى انه
لا يجوز أن أتناول
بالنقد العلنى
أمام قراء رواية
"كريمة" تلك
المظاهر السلبية
التى أعيشها
فى التيار السياسى
الذى انتمى إليه
.. فالرجعية وأبواقها
لا يكفون ليل
نهار عن التقطيع
فى اللحم الحى
للقوى التقدمية
والاشتراكية
أينما وجدت .. وهى
لا تترك فرصة
للنيل منها دون
أن تستغلها إلى
أقصى حد ممكن
بوسائل كثيرا
ما تخلو من الخلق
والمبادئ .. مستفيدة
فى ذلك من إمكانياتها
الهائلة .. من مساندة
الدوائر الاستعمارية
العالمية، والصهيونية،
والمال، والأجهزة
القمعية، ووسائل
الإعلام العصرية
.. بينما تيار الاشتراكية
فى البلاد مازال
يحاول الخروج
من الحصار المضروب
حوله ... كيف يرتفع
صوت علنى ناقد
من بين صفوفه
؟ ...
كانت
كل هذه الاعتبارات
كالغطاء الذى
يضغط على، ويمنع
الشيء الصاعد
من التعبير عن
نفسه ومع ذلك
انتصرت الأحاسيس
المدفونة فى
أعماق العقل
الباطنى ... انتصرت
التجربة الطويلة
المختزنة التى
كانت تنتظر فرصتها
للخروج إلى المساحات
المفتوحة. فترى
ما الذى حدث بالضبط
فى تلك اللحظة
الحاسمة ؟ إن
الرؤية الجديدة
للمعتقل، لا
كشىء فرضته السلطات
فقط وإنما كرمز
للحصار المضروب
من التيار الاشتراكى
نفسه حول ما يمكن
أن اسميها "بقدرات
الخيال الفكرى"
وآفاقه ..هذه الرؤية
اخترقت الفاصل
بين باطن المخ،
"والإدراك الواعى
العلوى" ضد مقاومة
عنيدة مصدرها
الحجج العقلانية
المنطقية التى
كنت مؤمنا بها
لحظة أن جلست
لكتابة الرواية
... فدار الصراع
بين "الوعى الباطنى"
و "الوعى العلوى"
قبل أن تصعد التجربة
الأصلية التى
تبحث عن منفذ
لها إلى المستويات
الواعية ...
التناقض
بين الوعى واللاوعى
إن عملية
الاختراق من
"اللاوعى" إلى
الوعى ليست مجرد
انبثاق أو نمو
لفكرة كامنة
فى الاعماق... وهى
ليست مجرد اتساع
فى نطاق الوعى...
إنها معركة تدور
بين ما يفكر فيه
المبدع بمنطقه
وعقله الواعى
وبين رؤية تصارع
لكى تولد...وعندما
رسمت المعالم
الأساسية للشاعر
بطل رواية "كريمة"
كان "حمدان"
هذا تجسيدا لرؤية
تجاهد لكى تبعث
إلى الحياة والنور.
كان يمثل ذلك
الجزء الباطنى
المدفون فى أعماقى
الذى يريد أن
يخرج إلى الوجود
.. كان عليه أن يطلق
الجدل الدائر
بين الفنان و
المنظر السياسى
.. وحتى تكتمل الرؤية،
وتخرج بكل كيانها
النابض إلى النور،
اصبح من المحتم
أن تتميز شخصية
"حمدان" والطريق
الذى اختاره
بالدفاع عن الحق
أينما وجد .. أن
يكشف الزيف،
وضيق الأفق فى
كل مكان حتى عند
اقرب الناس إليه
.. فالصدق عند الفنان
لا يمكن أن توضع
له حدود .. أن يطبق
معاييره عندما
تتعلق المسألة
بالآخرين أو
بهيئات ومؤسسات
لسنا مسئولين
عنها، أو عن تسيير
أمورها ..ثم يتوقف
عن تطبيقها أو
يتركها تتجمد
أو تموت، عندما
يتناول التيار
الفكرى أو النضالى
الذى كرس له عمره
..
إن كل
عملية إبداع
أو خلق هى فى الوقت
نفسه عملية تدمير
لأشياء أخرى
.. وفى التجربة
التى هى موضوعنا
كنت أحطم فى داخلى
تلك التحفظات
القديمة الراسخة
إلى حد كبير،
والتى تقول أنه
ليس من حقى عندما
اكتب رواية أن
انقد ذلك التيار
الذى أنتمى إليه
أمام جمهور القراء
.. كنت أحطم أشياءا
وأفكارا راسخة
فى ذهنى منذ أن
دخلت صفوف الحركة
الاشتراكية
فى سنة 1946 ... وكان
هذا الصراع بين
الإحساس الجديد
الذى تولد فى
أعماقى وبين
الأفكار المسيطرة
على عقلى الواعى
حتى ذلك الحين
مصدر القلق الذى
انتابنى طوال
الأسابيع التى
تبلورت أثناءها
فكرة الرواية.
ولحظة أن
اكتملت الفكرة
فى ذهنى زحف على
الاحساس بالانسجام
بين العقل، والشعور
... بين الجسم والروح
وكأننى أصبحت
إنسانا متكاملا
بعد أن كنت مجزءا،
مثخنا بالجراح
اختلط الرضى
بالنشوة، كأننى
طائر احلق فوق
المروج الجميلة.
بدت كل الأشياء
من حولى، شديدة
الشفافية والوضوح
كأننى اكتسبت
قدرات خارقة
على رؤية الجمال،
والنفاذ إلى
أسراره ... وتحولت
الألوان الباهتة
فى شوارع المدينة،
فى أحجارها وأسفلتها،
وكباريها العلوية
ترتفع كالضلوع
العارية لقفص
كبير إلى ألوان
نابضة قوية ... اختفى
قبح الحوارى
الضيقة، بمياهها
الآسنة، وبيوتها
القوية .. أصبحت
أحيا لحظات من
الكثافة الشعورية
... لكن لم تكن للحالة
التى استولت
على ادنى علاقة
بالشعور الذى
ينتاب الأفكار
أثناء الحلم
.. على العكس .. كانت
قدرتى على الإدراك
الحسى بالأشياء
والمظاهر مضاعفة
..
ثمة ظاهرة
أخرى لاحظتها
عندما أتضحت
الرؤية أمامى،
وتحدد الصراع
الأساسى الذى
ستدور حوله الرواية
هى أن اتضاح هذه
الرؤية لم يكن
وليد الصدفة
ولم يأتى بلا
جهد، أو ممارسة
إراديه من جانبى
بل كان جزءا من
عملية متكاملة،
جزءا من جهد متصل
وتمسك بالوصول
إلى الهدف. عملية
بحث مستمر، وتفكير،
وتخيل مرهق للغاية
... وهذا يعنى أن
الرؤية، بمعنى
صعود الفكرة
من العقل الواعى
الباطن إلى الوعى
لا تأتى بالصدفة
من خارج المبدع
. إنها ليست ذلك
الوحى الذى مازال
يتحدث عنه بعض
الفنانين المؤمنين
بكهنوت الفن،
وبالخرافة. إن
الرؤية تتولد
من مناطق اللاوعى
فى ارتباط وثيق
بالموضوع الذى
يبذل فيه الفنان
جهدا متصلا،
وبالمحاولات
المستمرة للوصول
إلى حل مناسب
للمعضلة أو المشكلة
التى تشغله ... أى
بمعنى آخر هى
نتاج التزام،
واستغراق، وعمل
شاق ...
وأخيرا
فمن الملاحظ
أن عملية الرؤية
هذه هى عادة ما
تحدث فى فترة
ينتقل فيها الفنان
من العمل الشاق
إلى حالة يعد
فيها نفسه للراحة
والاسترخاء
الكامل ... تختار
لنفسها تلك المرحلة
الانتقالية
التى تقع ما بين
الجهد والاسترخاء..
تنبثق من الأعماق
لا فى لحظة عمل
مركزة، ولا بلحظة
راحة تامة
وكأن
التركيز المستمر،
المكثف، على
المشكلة التى
يفكر فيها، والمحاولات
التى لا تنقطع
للوصول إلى حل
مناسب لها تساعده
على الاقتراب
من الحل، على
اكتشاف الثغرة
التى يمكن النفاذ
منها، أو الفكرة
الوليدة التى
تتصارع حتى تخرج
من الاعماق الباطنة
إلى النور ... ولكنها
تخرج من خلال
مسالك أخرى غير
التى كان يتوقعها
... وكأن التركيز
على جانب معين
يؤدى إلى نوع
من الشد والتوتر
الذى يغلق منافذه
أو يسدها ...
لذلك
فإن هذا الانبثاق
للفكرة المحورية
فى العمل الإبداعى
كثيرا ما يتعثر
إذا ظل الكاتب
منكبا على عمله،
مستغرقا فى الجهد،
عازفا عن الترويح
عن نفسه وإعطائها
فرصة للراحة
يسد عليها الطريق
بالتركيز على
الفكرة الواعية.
فهو عندما يركن
إلى الراحة،
أو إلى فعل شىء
آخر يكون
فى الغالب مشغولاً
بفكرة غير تلك
التى تخرج من
تلقاء نفسها
من الظلمات إلى
النور ...
فلابد
من إزالة التوتر
الذى يغلق منافذ
المخ، والذى
يحول دون أن يصبح
واعيا بطبقات
المعرفة الأخرى
المدفونة فى
الأعماق، أو
دون أن تصعد إلى
مستوى الوعى
...ومن هنا تلك الظاهرة
المعروفة، ... ظاهرة
تولد الفكرة
المحورية نتيجة
تتابع فترات
الراحة والجهد.
لقد تساءل
"اينشتين" العالم
الرياضى المشهور
ومكتشف نظرية
"النسبية" لماذا
تأتيه أحسن الأفكار
فى الصباح و هو
يقوم بحلاقة
ذقنه أمام المرآة
فأجاب أحد أصدقائه
من الأطباء ...
"لأنك
فى تلك اللحظة
ترخى حبال التحكم،
والقيود المفروضة
على المخ" ...
العقل
المبدع فى حاجة
إلى السرحان
... إلى التخيل ...
إلى ترك زورقه
على الأمواج
الحالمة تقود
إلى شاطئ المجهول.
وأثناء فترات
الاسترخاء هذه
تصعد الأفكار
من باطن المخ
الواحدة تلو
الأخرى كالفقاقيع
الملونة ... فيتأملها
العقل الواعى،
ويقلبها، ويخضعها
للتجربة السريعة
.. ثم يطردها عندما
تعجز فى حل العقدة
... ولكن فجأة من
بين عشرات الأفكار
تتولد فكرة معينة،
أو خاطر، أو صورة
... شئ فى الإدراك
الحسى يقول: "حقا
إنها رائعة"
.. ولا يعرف المبدع
لماذا يأتيه
هذا الإحساس
بالنسبة إلى
هذه الفكرة أو
الصورة بالذات
... ولكن السبب يتضح
بالتدريج ... إنها
تتسلل إلى نسيج
العمل فتستقيم
كل الأشياء،
ويكتشف أنها
تحقق الوظيفة
التى افتقدها
فى كل الأفكار
التى خرجت قبلها
من مختلف طبقات
المخ.
منذ اللحظة
التى اتضح فيها
محور الصراع
فى رواية "كريمة"
وتخلصت من كل
تردد فى كشف ما
أراه الحقيقة
تفتحت فى أعماقى
أشياء كثيرة
.. انهارت سدود
فى خضم التجربة
الجديدة ... تجربة
الكشف عن أعماق
فى الآخرين،
وفى نفسى كنت
أخفيها .. فالمبدع
ينبغى أن يتعلم
كيف ينصت إلى
صوت الأشياء
التى تضطرم فى
أغواره البعيدة.
|