|
مقالات عن الدكنور شريف
نوافذ مفتوحة
أمـل الجمل
الحياة - 14/05/06//
تجربة الروائي شريف حتاتة في مذكراته النوافذ المفتوحة هي من الأجرأ في تاريخ
الأدب المصري، وربما كانت من أندر تجارب السير الذاتية في الأدب العربي الحديث التي
جمعت بين جرأة الحكي وبلاغة الأسلوب الفني، بين رقة الفنان وقسوة المنقب عن حقيقة
الأشياء.
لم يجرؤ كثرٌ من الكتّاب المصريين على تدوين سيرهم الذاتية، وإن فعلوا خرجت يكتنفها
التردد والحذر والمواربة. لكن اعترافات صاحب النوافذ المفتوحة، (دار ميريت
،2006)، جاءت تعبيراً دقيقاً ومطابقاً للعنوان. هي مكاشفة صريحة، وإضاءة لما هو
معتم ومتوار وسِري في الحياة. كشف فيها المؤلف من أوراق حياته ما يخشاه كل عربي
ويسعى جاهداً لدفنه وربما حرقه في محرقة النسيان. كتب حتاتة عن المُحرّم الجنسي
مخترقاً حدوداً اجتماعية وسياسية وأخلاقية راسخة. حاول استعادة سنوات طفولته التي
ضاعت قبل الأوان بسبب النزاع المستمر بين أمه وأبيه. حكى عن لحظات استكشف فيها
العالم الحسي من حوله، عن علاقته بخالته التي وهبته الدفء وأشبعت احتياجه إلى
العاطفة واللمس، وشجعته على التمرد واختراق الحدود الصارمة، عن العقاب الذي ناله
طفلاً لأنه وبنات عمته حاولوا التعرف على أجزاء من أجسادهم لا تراها الشمس، عن حادث
الاعتداء الجنسي الذي تعرض له في طفولته، عن أول امرأة في حياته، التي بعد أن
اغتصبها دفنها في أعماقه وأكمل الطريق. كان مراهقاً وكانت هي خادمة في بيت جده،
يعترف: أنا أُدرك خطأ ما أُفكر فيه، لكن الرغبات الهوجاء استولت عليّ يُشجعها وضعي
في هذه الأسرة الكبيرة والحماية التي تجلبها إليّ، فمهما فعلت لن تنطق هذه الفتاة
بكلمة، لأن كل كلمة لن تكون إلا وبالاً عليها.
لم يكن صاحب المذكرات يُدين نفسه بمقدار ما يُدين المجتمع بأسره، فما حدث مع تلك
الفلاحة الخادمة في الأربعينات من القرن الماضي ما زال يحدث مع معظم النساء في
القرن الحادي والعشرين، وإن اختلفت آليات القهر والتحرش الجنسي من الزملاء والرؤساء
في العمل.
فتح حتاتة ملفاته السرية، وأخذ يمر على المناطق المعتمة داخل ذاكرته بكشاف قوي
متجهاً إلى إضاءة الحياة النفسية والاجتماعية والفكرية والسياسية، فكشف الفساد
والظلم الضاربين في عمق المجتمع. حاول القبض على بصمة المراحل الأولى من حياته في
تشكيل شخصيته، على علاقة الخاص بالعام في فكره وتكوينه، في تصرفاته خارج السجن
وداخله، في مواجهة الأزمات، في تحدي القهر. حكى عن تأثير الهوة العميقة في أصوله،
فوالدته إنكليزية مسيحية فقيرة، ووالده مصري إقطاعي مسلم، عن فقر وقهر النساء، عن
إنسانية بنات الهوى، عن التأثير العميق للبيئة، والأسرة جعلته يُشارك في دفن جدته
لأمه وهي ما زالت على قيد الحياة، لأنها كانت فقيرة ومن أصل يهودي، يُضيف: وعندما
اعتنقت الأفكار الاشتراكية... كان أحد الأسلحة التي استخدمت للهجوم على الاشتراكية
في مصر هو الزعم بأن الفكر الاشتراكي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصهيونية، لذلك أصبحت
أخجل من كشف هذه الحقيقة.
لم يكتفِ الروائي بسرد الأحداث والتفاصيل والتواريخ، لكنه جنح بقليل من اليقين
وكثير من الشكوك، إلى طرح مزيد من التساؤلات، إلى التنقيب في الأعماق الدفينة، إلى
التحليل الدقيق وإعادة رؤية الأشياء من منظور مختلف، فتمكن من فهم بعض الأمور، منها
صدق أو زيف البطولة بين الذين يرتبطون بقضايا عامة، من تفسير سلوك شخصيات عجز عن
فهمه سابقاً، ومنها تراجع بعض اليساريين عن مواقفهم، أو تحولهم إلى صفوف السلطة.
كان حتاتة كمن يُعيد اكتشاف نفسه والمجتمع من جديد... بحث عن المرة الأولى التي
اهتز فيها يقينه بأنه لا يوجد ما يستحق أن يهتم به خارج الإعداد لمهنة الطبيب. أدرك
أسباب تحوله من طالب مجتهد، الأول على دفعته، إلى المشاركة في الحركة الوطنية ضد
الإنكليز والملك، إلى إدراك أخطاء التنظيم الطالبي عام 1946 إلى العضوية في حركة
يسارية أصبح فيها محترفاً سياسياً، إلى مسجون يهرب من سجنه ويسافر في قاع سفينة
للشحن، ولاجئاً في باريس يقع في حب امرأة زائرة جاءت من مصر.
سعادة في السجن
النوافذ المفتوحة هي محاولة للتنقيب في أعماق البطل الحقيقي لفيلم في بيتنا رجل،
في أعماق حتاتة الإنسان، السياسي، والسجين، في الدوافع الظاهرة والخفية التي
تحرك تصرفاته، ومنها مخاطرته بالعودة من منفاه إلى الوطن سراً ليستأنف نشاطه
السياسي في قرى الوجه البحري إلى أن قُبض عليه مرة أخرى. صدر عليه حكم بالأشغال
الشاقة مدة عشر سنوات قضاها في السجن الحربي وليمان طرة وسجن مصر... وواجه فيها
مختلف الضغوط من الإهانة وفنون التعذيب التى يعشقها رجال الاستخبارات والمباحث. مرت
عليه لحظات أوشك فيها على الانهيار العصبي. مع ذلك يكشف النقاب عن سعادة السجن،
سعادة لم يتحدث عنها كتاب أدب السجون، فيقول: من يظن أن السجن دائماً عذاب مخطئ.
السجين يعرف لحظات من السعادة الحادة لا يعرفها الذين يعيشون حياتهم في سلام. السجن
كالبحر الرمادي تتشابه فيه الأيام والأشياء، سأم لا بد من التغلب عليه، مقاومة
للاحتضار البطيء. ولكن فوق هذا السطح الباهت المتشابه لحظات وامضة تنبض.
أعاد الكاتب تقويم تجربته السياسية، فاعترف بأن اليسار لعب دوراً مهماً في تحقيق
قدر من التحرر وصل إليه، لكنه أيضاً فرض عليه قيوداً كثيرة، منها الجمود في الفكر
والبعد عن الواقع. أكد أن عبدالناصر وزملاء عبدالناصر كانوا أكثر إدراكاً، من
اليسار، بالظروف الجديدة التي تواجه الاستعمار البريطاني، وأن قسوة الإجراءات
القمعية والضربات التي كانت تكيلها السلطة إلى اليسار عموماً وإلى حدتو بالتحديد
كان لها ما يُبررها.
في مذكراته كشف المؤلف هنات الحـــركة اليــسارية المصرية ومن بينها إهمال الفرد
وعدم الاهتمام به، فيقول: كان علي أن أتحمل تبعات المسؤولية من دون أن أتمتع بحق
الرؤية، أو التـــحديد، أو المـــناقشة، أو إبداء الرأي في مسار الـــحركة الـــتي
أنتمي إليها. كان أسلوباً شائعاً في التنظيم، بني على مفـــهوم للمركزية
الديموقراطية يؤكد الطاعة والتطبيق الدقيق للمهمات، ويجرد الأعضاء من حقوقهم
الديموقراطية، وهذا المفهوم كان إحدى آفات الحركة اليسارية، لعب دوراً في تعطـــيل
النـــمو الطـــبيعي للأعضاء، وحال دون اتساع الرؤية الســـياسية والثقافية، وساعد
على استفحال الانقسامات والوصــول بالخلافات إلى آخر مداها.
تعلم حتاتة اللغة العربية أثناء دراسته الطب، فظلت قدراته على التعبير بها محدودة.
كان يتعثر عندما يتحدث بها أو يكتبها. كان نطقه بها يتميز بلكنة أجنبية... مع ذلك
فكتاباته الروائية والسياسية تتميز بلغة بسيطة، لكنها جميلة مؤثرة تنفذ إلى عقل
القارئ ووجدانه... يختار كلمات مرموزة تحمل صوراً تشي بكثافة دلالية. يتحرك في
الزمن بحرية شبه كاملة فاتبع سياسة تشكيلية درامية تسمح بالقطع والوصل والحركة
الدائبة المتوترة بين الماضي والحاضر والمستقبل - ارتداداً وتقدماً وعودة - في
دوائر متلاحقة ومتشابكة. فالقارئ المثالي له هو قارئ غير سلبي يلعب دوراً إيجابياً
في بناء مشاهد موازية في مخيلته لإعادة بناء النص وتشكيله.
تقنية المونتاج وتجزئة الزمن بالقفز به للوراء والعودة به للحاضر، وتضافر المشاهد
بصورة غير متتابعة زمنياً هو أسلوب تشكيلي يتميز به الكاتب في أعماله الروائية
ومنها: الشبكة، العين ذات الجفن المعدني، الرئيسة، كريمة، قصة حب عصرية،
نبض الأشياء الضائعة، عمق البحر، ابنة الكومندان، عطر البرتقال الأخضر. أما
في النوافذ المفتوحة فقد اهتم الكاتب بسرد تفاصيل دقيقة، وبرسم صور سينمائية تشي
باختفاء الفاصل الحاد بين الرواية والسيرة الذاتية. فعندما تغيب ملامح الطفولة أو
المراهقة من الذاكرة يُحاول أن يُغذيها بالخيال. يقول: المهم عندي أن تكون السيرة
الذاتية مكتوبة بفن وبلغة فيها إبداع، فيها قدرة على الخيال وعلى الربط بين مختلف
نواحي الحياة. أن تكون فيها تلك الشحنة التي تُحرك عقل القارئ، ووجدانه، وتجعله
يتساءل عن أشياء لم يتساءل عنها من قبل. هذا النوع من السيرة الذاتية يدخل في باب
الأدب، فهو رواية حياة، والحياة أكثر ثراءً من أي خيال.
|