spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

2001

 

عدت إلى الوطن بعد غيبة شهرين تقريبا  لأواجه بحملة تشهير في إحدى الصحف الأسبوعية المصرية، أوحت للقراء بأنني خرجت عن الإسلام، ولأواجه أيضا بدعوى للتفريق بيني وبين زوجي الدكتور شريف حتاته.

تذكرت ما حدث للدكتور نصر حامد أبو زيد وزوجته الدكتورة ابتهال يونس وكنت قد تصورت أن مثل هذه المهزلة لن تتكرر، بل أن يسعى المثقفون المصريون إلى تصحيح الخطأ وإعادة الدكتور نصر وزوجته من المنفى إلى وطنهما واسترداد حقهما المهدر.

فلماذا يتكرر هذا الحدث الغريب اليوم؟ هل يشير ذلك إلى أن القوى المعادية لمصالح الوطن لا تزال موجودة ولها تأثير في بلادنا؟  هل هي محاولة لإلهاء الشعب المصري عن مشاكله الحقيقية؟ وبدلا من الانشغال بالمخاطر الكبرى التي تهددنا (وعلى رأسها التهديد الإسرائيلي الأمريكي ) ينشغل بقضية التفريق بين زوجين يعيشان داخل أسرتهما في وئام؟

بدأت الحملة وأنا غائبة عن الوطن بحديث نشر في إحدى الصحف بعد إخراج بعض أجزائه من سياقها التاريخي والمنطقي، وبهدف الإيحاء بأنني لا أحترم الأديان أو الحج أو تقبيل الحجر الأسود وذلك رغم أن حديثي تناول الكثير من الأمور الاجتماعية والسياسية والثقافية الهامة، والتي توارت كلها وراء غبار الإثارة الصحفية الرخيصة ومحاولة استعداء رجال الدين ضدي، ومنهم فضيلة المفتي، الذي لم ينتظر عودتي من الخارج ليسمع آرائي على حقيقتها في سياقها المنطقي والذي يتفق تماما مع جوهر الإسلام وصحيح الدين والأخلاق.

أما موضوع الحج وتقبيل الحجر الأسود فلم يكن هو الموضوع الذي أتحدث عنه، لكن جاء ذكرهما عرضا في سياق حديثي عن رابعة العدوية والفلسفة الصوفية التي انتمي إليها أبي وكان أستاذا كبيرا تخرج من ثلاثة مدارس إسلامية في مصر (الأزهر ودار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي) ومن المعروف ان الفلسفة الصوفية تعطي الأولوية لجوهر الأديان وهي العقيدة وليس مجرد الطقوس والمظاهر الخارجية.

كذلك أعتقد أن هناك مبدأ أساسي في الدين الإسلامي يقوم على أن الإنفاق على الأسرة والأولاد والبنات أهم عند الله والرسول من الصلاة ليل نهار، وأن العمل عبادة، وأن ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع، وأن لتغطية نفقات الأسرة أولوية على دفع تذكرةالسفر للحج إلى مكة، وأن تقبيل الحجر الأسود ليس فرضا بل هناك من الفقهاء من يمنعه باعتبار ان الحجر ليس إلا صنما، وان الله هو العدل والحب والحرية وان غطاء الرأس ليس له علاقة بالأخلاق الحقيقية.. إلخ.

كنت أتكلم من منطلق الإيمان الصحيح بجوهر الإسلام كما تعلمته على يد أبي منذ طفولتي، إلا ان الصحيفة استطاعت ان تقلب الأشياء رأسا على عقب لتعطي صورة خاطئة عني لأسباب تجارية أو سياسية لا أدري، وكان نتيجة ذلك تلك الشوشرة ومحاولات تشويه صورتي عند بعض القراء وبعض رجال الدين. وقد نشرت إحدى الصحف القومية الكبرى تقول أنني أدعو إلى تعدد الأزواج وكنت غائبة عن الوطن فأرسل زوجي ردا إلى الصحيفة، التي لم  تنشره في الوقت المناسب، ثم نشرته في بريد القراء بالخط الصغير حتى لا يقرأه أحد.

أهذه هي مبادئ الصحافة النزيهة في بلادنا؟ وهل من الضروري أن أكون صاحبة سلطة وأموال لأحظى بالحصانة والقوة التي أدافع بها عن نفسي وأسترد كرامتي؟

أما هذه الدعوى التي رفعها أحد الأفراد أمام المحكمة للتفريق بيني وبين زوجي فهي مهزلة تسئ إلى بلادنا ومجتمعنا أكثر مما تسئ إلى كفرد، وكان المفروض بعد ما حدث للدكتور نصر حامد أبو زيد وزوجته أن تسرع الدولة المصرية بإلغاء دعاوى الحسبة نهائيا، إلا انها أبقت عليها من خلال المادة الأولى للقانون رقم 3 لسنة 1996 بشأن تنظيم إجراءات مباشرة دعوى الحسبة في مسائل الأحوال الشخصية. تنص هذه المادة على الآتي:

"تختص النيابة العامة وحدها، دون غيرها، برفع الدعوى في مسائل الأحوال الشخصية على وجه الحسبة، وعلى من يطلب رفع الدعوى ان يتقدم ببلاغ إلى النيابة العامة المختصة، وعلى النيابة بعد سماع أقوال أطراف البلاغ وإجراء التحقيقات أن تصدر قرارا برفع الدعوى أمام المحكمة الابتدائية المختصة أو حفظ البلاغ".

وهكذا بقيت دعاوى الحسبة في القانون المصري سيفا مسلطا في يد الدولة لتعاقب من تشاء. والمفروض تطبيقا للدستور المصري أن تلغي دعاوى الحسبة تماما، لأنها تتعارض مع المادة رقم 40 من الدستور التي تنص على أن: "المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة."

ثم أنه حسب أصول دعاوى الحسبة فإنه لا يحق لغير الرجل المسلم أن يرفع الدعوى، إذ لا يمكن لامرأة أو رجل غير مسلم أن يرفع الدعوى، وبهذا تقوم هذه الدعاوى على التفرقة بين المواطنين المصريين على أساس الدين والجنس وبذلك تتعارض مع الدستور.

ومن المعروف ان المذهب الحنفي، المعمول به في بلادنا منذ الاستعمار التركي، هو مصدر دعاوى الحسبة، وليس المذاهب الأخرى في الإسلام، فكيف يحكمنا قانون مذهبي؟ ألا يتعارض ذلك مع جوهر الدين الإسلامي؟ ولماذا يسري قانون الحسبة على الأحوال الشخصية فقط وليس الأحوال العامة أيضا؟ وكأن الأصل في قانون الحسبة في بلادنا هو عقاب الزوجات فحسب وليس غيرهم من البشر.

كذلك تتعارض دعوى الحسبة مع المادة 46 من الدستور المصري التي تنص على أن:"تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية". كما تتعارض أيضا مع المادة 47 من الدستور المصري التي تنص على أن:"حرية الرأي مكفولة ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير." وكذلك تتعارض مع المادة رقم 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لأنها تشكل تدخلا تعسفيا في الحياة الشخصية للزوجين، وتتعارض أيضا مع المواد 18، 19، 23 من الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية وجميع المواثيق الدولية الأخرى التي تنص على احترام حقوق الإنسان واعتبار حقوق المرأة جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان.

إنني وزوجي الدكتور شريف حتاته نعلن ونؤكد على أننا سنواجه تلك المحنة معا ومع الأصدقاء والمتضامنين معنا في مصر والبلاد العربية والعالم، يدعمنا في ذلك إيماننا بحقنا وحق كافة البشر في حرية العقيدة والفكر والتعبير، ورغم ثقتنا في أن القضاء المصري لن يقبل تفريق زوجين لاختلاف أحدهما في الرأي عن طرف ثالث لا شأن له بحياتهما الخاصة ، إلا أننا نرغب في التأكيد على أننا في كل الأحوال سوف نكمل حياتنا معا على أرض مصر ولن نفترق ولو حاولوا تفريقنا.

كذلك فإنني، ومعي الكثيرون، ممن ينشدون مصلحة هذا الوطن الكريم، نطالب بالآتي:

1-      إلغاء دعاوى الحسبة، والقضاء على الثغرات التشريعية التي تسمح باستخدام المحاكم  لملاحقة المفكرين والكتاب والمبدعين وإضفاء حصانة تشريعية على الأعمال الفكرية والإبداعية في جميع مجالات النشر بما فيها البحوث العلمية والروايات الأدبية وأمثالها؛

2-      أن يرفض النائب العام الدعوى المقدمة ضدي والتي تهدف إلى تفريقي عن زوجي الدكتور شريف حتاته؛

3-      الإعمال الكامل  لبنود الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء.

د. نوال السعداوي

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism