الحركا ت النسائية عام 2010 تطالب بفصل الدين عن الدولة مارس 2010
الحركا ت النسائية عام 2010 تطالب بفصل الدين عن الدولة ,
نوال السعداوى
فى 6 مارس خلال المؤتمر النسائى الدولى فى جوتنبيرج بالسويد , والمؤتمر الثانى فى كوبنهاجن 8 مارس بمناسبة يوم المرأة العالمى عام 2010 , التقيت بعدد كبير من نساء الشمال والجنوب والشرق والغرب , ونساء من السعودية والعراق وسوريا والمغرب و ايران وأفغانستان وباكستان وغيرها , أغلب الحركات النسائية جاءت لتتضامن معا من أجل تحرير العالم من قبضة النظام الرأسمالى العسكرى الاستعمارى الذى يستخدم الاختلافات الدينية والثقافية والعرقية لتقسيم الشعوب , وتقوية نفوذه الاقتصادى السياسى الاعلامى ,
, ,,
ارتفع وعى الحركات النسائية فى العالم رغم الاختلافات , لم تعد مطالب النساء فى التحرر منفصلة عن مطالب الفقراء والأجراء والمهاجرين , من كافة الجنسيات والاديان والعقائد والأعراق والفصائل والعناصر , تم الربط الوثيق بين القهر الجنسى والقهر الطبقى والعنصرى والاثنى والدينى والنوعى , ,,
منذ أكثر من أربعين عاما شاركت لأول مرة فى مؤتمر نسائى دولى فى نيويورك , هاجت ضدى الحركات النسائية الأمريكية والأوروبية , حين ربطت فى كلمتى بين القهر الرأسمالى الاستعمارى العالمى وقهر النساء , اتهمونى بالشيوعية , فى ذلك الوقت كان ذكر كلمة " طبقة " أو " فقر " تعنى الشيوعية , أغلبهن كانوا من الطبقة العليا أو الوسطى , يناضلن ضد القهر الذكورى ( البطريقى أو الأبوى ) , أو قهر الرجال للنساء فى انفصال عن أنواع القهر الأخرى , ,
وفى بلادنا كانت الفرق السياسية خاصة الشيوعية , تتهمنى بالبورجوازية أو الانشغال بقضايا ثانوية ( مثل قضية المرأة والجنس والختان ) عن القضايا الكبرى الاقتصادية والسياسية , مع أننى فى كل كتاباتى لم أفصل بين قضايا النساء الجنسية والاجتماعية والقضايا الاقتصادية والسياسية , الا أنه فى ذلك الوقت كانت كلمة جنس أو ختان , تكفى لتلويث سمعة من يذكرها , خاصة اذا كانت امرأة , ,
خلال الأربعة عقود الماضية تطورت المفاهيم عن قضية المرأة , سقطت محرمات كثيرة فى الغرب والشرق , تعددت المؤتمرات الدولية النسائية التى تنظمها الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات , كان الصراع يدور دائما فى تلك المؤتمرات بين الحركات النسائية فيما يسمونه العالم الأول , والحركات النسائية فيما أطلقوا عليه العالم الثالث , كنت أعترض دائما على كلمة العالم الثالث , أقول وأكرر فى كل مؤتمر : نحن نعيش فى عالم واحد يحكمه نظام واحد طبقى أبوى عنصرى استعمارى عسكرى , , , ,
كانت الكتلة اليمينية المسيحية اليهودية تتصاعد قوتها تحت حكم رونالد ريجان فى أمريكا , وفى مصر كان أنور السادات يعمل لفتح الأسواق المصرية للبضائع الأمريكية , وضرب الانتاج المصرى المحلى , تحت اسم الانفتاح , يشجع التيارات الاسلامية والمسيحية لتقسيم الشعب طائفيا تحت اسم الديموقراطية , وقعت الفتن الطائفية التى استمرت حتى اليوم فى مصر وبلاد أخرى , زادت خطورة فى هذا القرن الواحد والعشرين تحت اسم الديموقراطية والتعددية والحريات الدينية , مع تزايد الفقر والبطالة , خاصة بين النساء والشباب , , ,,,
تم ضرب الحركات النسائية فى العالم كله مع تصاعد التيارات الدينية اليمينية فى الغرب والشرق على السواء , من جميع الأديان اليهودية والمسيحية والاسلامية والهندوكية والبوذية وغيرها , وكانت النساء أول الضحايا , لسبب رئيسى هو أن وضع المرأة أدنى من وضع الرجل فى أغلب الأديان والعقائد , رغم اختلاف الدرجة ونوع القهر الذى تتعرض له النساء , خاصة الفقيرات منهن , فالقهر الطبقى يلازمه القهر الجنسى منذ نشوء النظام العبودى فى التاريخ حتى اليوم , , ,
تمرس الاستعمار البريطانى القديم فى استخدام الدين لتحقيق أهدافه الاقتصادية , فى المؤتمر النسائى الدولى فى نيروبى عام 1985 قالت لى امرأة كينية ريفية : حين دخل الانجليز بلادنا كنا نملك الأرض وكانوا يملكون الانجيل , حين خرجوا أصبحنا نملك الانجيل وهم يملكون الأرض ,
, هذه هى الخديعة الاستعمارية القديمة والحديثة وما بعد الحديثة , كانت النساء أول من تعلم الدرس لأنهن أول من يعانى الفقر والقهر , أدركت النساء فى الجنوب والشمال والشرق والغرب , الترابط الوثيق بين تصاعد القوى الدينية الداخلية وتصاعد القوى الاستعمارية الخارجية , تضامنت النساء لضرب الاستعمار الخارجى والداخلى معا , السياسى الاقتصادى الدينى العنصرى فى آن واحد , استعمار الأرض والجسد والعقل فى آن واحد , يشمل التحرير الثلاثة معا : الأرض والجسد والعقل , ,
هذا هو الوعى الجديد الذى اكتسبته الحركات النسائية العالمية وداخل كل بلد , لا يمكن تحرير نصف المجتمع من النساء فى ظل الاحتلال أو الاستعمار أو الحكم الطبقى أو الأبوى أو الدينى ,
أصبحت حركات تحرير النساء فى العالم كله ترفع شعار فصل الدين عن الدولة أو ما يسمى " العلمانية " , تعلمت النساء الدرس القاسى تحت نير الحكم اليهودى العنصرى فى اسرائيل , والحكم المسيحى اليمينى فى جنوب افريقيا , وفى جنوب الولايات المتحدة الأمريكية , ما يسمى اليوم " حزام الانجيل " , والحكم الاسلامى الاستبدادى فى ايران , وحكم الطالبان فى أفغانستان , وغيرها من الدول الدينية , , ,
بل فى البلاد التى تسمى نفسها ديموقراطية والتى يحكمها دستور وقانون مدنى , دأبت هذه البلاد فى الغرب والشرق على التضحية بحقوق النساء من أجل ما سمى " السلام الاجتماعى " , أو منع الصراعات الدينية والاثنية المتصاعدة مع تصاعد اليمين فى الحكم , مما أثار غضب الحركات النسائية , فأصبحت تنظم نفسها عالميا ومحليا من أجل الدفاع عن حقوقها المسلوبة , ,,
فى فرنسا مثلا لولا التضامن النسائى مع المقاومة الشعبية , لم يكن ممكنا اصدار القانون عام 2005 الذى يمنع التلاميذ والتلميذات من ارتداء الرموز الدينية جميعا سواء كانت يهودية أو مسيحية أو اسلامية أو هندوكية أو غيرها , , , ,
فى كندا نجحت الحركات النسائية الكندية مع تضامن القوى الشعبية العالمية فى اجهاض المحاولة اليمينية لادخال تعديلات دينية فى قانون محاكم الأسرة والأحوال الشخصية ,
تعرضت حقوق النساء لضربات متتالية فى معظم بلاد العالم خلال العقود الثلاثة الماضية , تعاونت قوى اليمين فى الكنيسة الكاتوليكية مع القوى الرأسمالية المسيحية فى أوروبا والأمريكتين مع التيارات الاسلامية اليمينية فى آسيا وافريقيا , رغم الاختلافات بينهم تعاونوا معا ,
( تحت اسم الهوية الأصلية والخصوصيات الثقافية واحترام العقائد والأديان ) لضرب الحركات التحريرية للنساء والشباب والفقراء والمهاجرين , والتدخل فى حياة الناس الخاصة والعامة , وفرض الدكتاتورية عليهم والاستبداد والاستغلال , وتم استبدال القانون المدنى بالقانون الدينى تحت اسم الله , , , ,
فى ألمانيا مثلا ( فى ابريل عام 2007 ) اعتمدت قاضية ألمانية يمينية على القانون الدينى فى حالة طلاق , مما شكل مشكلة للقضاء الألمانى , فى العام نفسه ( 2007 ) فى بريطانيا تم السماح بتطبيق القانون الدينى فى بعض المحاكم بدلا من القانون المدنى , ,, ,
نافقت بعض الدول ( فى الغرب والشرق) القوى الدينية اليمينية المتصاعدة سياسيا واقتصاديا , وتنازلت عن دورها فى حماية حقوق النساء القانونية , تحت اسم الحريات الدينية والتعددية , واحترام الهويات الأصلية , وما سمى النسبية الثقافية , واحترام الآخر , , ,
بل ان الأمم المتحدة ذاتها شاركت فى هذه اللعبة الخطيرة تحت ضغط القوى المسيحية اليمينية واليهودية والاسلامية , فقد أدانت الأمم المتحدة مؤخرا أى نقد يوجه لأى دين من الأديان أو لأى نبى من الأنبياء , أو لأى عرق من الأعراق , ,
بالطبع هناك فرق بين النقد العلمى البناء والشتيمة أو القذف , لولا النقد العلمى البناء للكنيسة فى أوروبا العصور الوسطى ما كانت النهضة العلمية والتقدم الانسانى الذى نعيشه اليوم , , , ,,
هذا القرار الأخير من الأمم المتحدة يعد تراجعا عن ميثاقها وعن جميع القوانين والدساتير فى كل بلاد العالم التى تكفل حرية الفكر والتعبير والنقد , , ,
فى المؤتمر الدولى النسائى الأخير 8 مارس 2010 فى السويد , طالبت النساء بحق التعبير وحق النقد البناء لأى معتقدات سياسية أو دينية أو غيرها , ورفعت النساء شعار : " فصل الدين عن الدولة قضية النساء " , " الدين علاقة خاصة بين الفرد وربه " , " لا مواطنة دون قانون مدنى كامل يحقق العدالة والمساواة دون تفرقة على أساس الدين أو الجنس أو الجنسية " ,
نوال السعداوى
8 مارس 2010



