الموت المبكر للشباب فى الوطن فى ذكرى دكتور محمد فتوح
الموت المبكر للشباب فى الوطن
----------------------------------------
فى ذكرى الدكتور محمد فتوح
------------------------------
بقلم دكتورة نوال السعداوى
-----------------------------------
تخلفت عن حضور حفل تأبين الدكتور محمد فتوح ( الذى أقيم خلال الشهر الماضى نوفمبر 2008 بمكتبة القاهرة بالزمالك ) لأنى هنا فى أطلانطا , فيما وراء المحيط الأطلنطى , لولا هذا البعد الجعرافى الكبير , عشرات الآلاف الأميال من الأرض والماء , لكنت ضمن الحاضرين , من الشباب والشابات , من جيل ابنى وابنتى , الذين زاملوا الدكتور محمد فتوح , أو عرفوه عن قرب أو عن بعد
, لا يمكن أن تعبره فى حياتك كما تعبر الشارع , كما تعبر الآلاف أو الملايين العابرة فى طريق حياتك , هناك وجوه أو شخصيات تلقاها لأول مرة فتصبح جزءا منك , لا تفارقك وان غاب الشخص فى المنفى أو السجن أو الموت , عاش محمد فتوح هذه المصائر الثلاثة , المنفى داخل الوطن مثل غيره من شباب الكتاب والمفكرين , السجن دون قضبان مثل العاشقين للحرية والعدل , لم يحظ أبدا بالشهرة أو المال أو المنصب , مات فقيرا مريضا لا يملك ثمن العلاج , كان يكتب المقالات والكتب دون أن يحصل على مليم واحد , مثل أغلب الشباب والشابات , كان يكتب فى الفلسفة والسياسة , يؤلف الموسيقى والألحان , كله ببلا ش , كان سعيدا فى حياته أكثر من أصحاب المال والنفوذ , يستمد سعادته من الابداع والخلق , هل هناك سعادة أكثر منهما ؟
اليوم السبت 6 ديسمبر 2008 , الشمس غائبة فى سماء أطلانطا على غير العادة , ودّعت الطلاب والطالبات فى الجامعة بالأمس , أعطيتهم جميعا الدرجة النهائية " عشرة على عشرة" , أو حرف " أ " باللاتينية , أول حصة قلت لهم : لا تفكروا فى الدرجة النهائية , لا تهتموا بالشهادة العليا , لا يحفظ التاريخ أسماء حملة الدكتوراة ولا أصحاب البلايين والبنوك , ولا أسماء رؤساء الدول والملوك , هل تذكرون اسم الملك أو رئيس الدولة فى عصر شكسبير أو فرجينيا وولف أو أنشتاين ؟ لم يحمل محمد فتوح درجة الدكتوراة الا قبل أن يموت بعام واحد , ربما أراد أن يهديها لأبيه , كما فعلت مع أبى , أردت لأبى أن يفرح بابنته الدكتورة , ثم ألقيت بالشهادة فى صفيحة القمامة بعد موته , لكن والد الدكتور محمد فتوح مات قبل أن يفرح به , قبل أن يرى أول كتاب يحمل اسمه , نشره الحاج مدبولى , يتميز مدبولى وسط الناشرين بشجاعة نادرة ( رغم أنه يحرق بعض الكتب بعد أن ينشرها ومنها كتابين لى العام الماضى ) لماذا يفعل مدبولى ذلك معرضا نفسه لخسارة الآلاف من الجنيهات ؟ ربما لأنه عاشق لنشر الممنوعات وان أعدمها فيما بعد , ربما من شدة العشق ( ومن الحب ما قتل ) , تجاوز الحاج مدبولى السبعين من العمر مثلى , يحتفظ بمرح وجرأة الشباب , لهذا ينشر للشباب غير المعروفين مثل محمد فتوح , لا يسعى الى الربح من كل كتاب , قال لى مدبولى قبل أن أغادر الوطن فى أوائل فبراير 2007 : - - كتاب يعوّض كتاب , أكسب فى كتاب وأخسر فى كتاب , يوم لك ويوم عليك , هى دى الدنيا يا دكتورة !
يا مدبولى لك وحشة أكثر من أقربائى من عائلة أمى و أبى ! لم تعد علاقات الدم أو صلات الرحم أو ما تسمى العائلة البيولوجية هى التى تحدد لنا الأصدقاء والصديقات , أصبحت الصداقة مثل الحب تموت أو تنمو بين الناس مع نمو العقل والانسانية والصدق والأمانة فى القول والعمل
بدأت صداقتى بالدكتور محمد فتوح منذ عام 1982 , حين بدأنا نكون الفرع المصرى لجمعية تضامن المرأة العربية , وفد الينا الكثيرون من الشابات والشباب , منهم محمد فتوح , انضم الى اللجنة الثقافية للشباب , والى فريق الموسيقى والشعر , كان عزفه على العود مثل صوته فى الغناء , يجمع بين القوة والرقة , مثل شخصيته وادراكه لمعنى الرجولة , لم يكن له شارب ولا لحية أو غيرهما ( مما يسمى فى علم البيولوجيا أو الطب " المظاهر الثانوية للذكورة " ) , كان واثقا فى نفسه الأصلية , لم يكن فى حاجة الى المظاهر الثانوية البيولوجية ليقول أنا راجل , كذلك أيضا لا تحتاج المرأة الواثقة فى أنوثتها الى ابراز نهديها و ردفيها , أو تلوين شفتيها وتكحيل عينيها , لكن كيف مات وهو شاب قبل أن ينتهى من كتابه الثانى ؟ ليس هو وحده الذى يموت شابا فلى بلادنا , أمى ماتت وهى شابة , وأبى مات شابا , وأخى مات شابا , وكثير من أصدقائى وصديقاتى ماتوا شبابا , أنا الوحيدة التى أعيش من زميلاتى فى المدرسة والجامعة , أغلبهن غادرن هذا العالم فى الأربعين من العمر أو الخمسين لمن يطول بها العمر , تنشد الموت كثير من النساء غير السعيدات فى حياتهن , من النادر أن تسعد المرأة فى ظل قانون يجعلها نصف رجل , أو يمنح زوجها حق خيانتها علنا وسرا , من النادر أن تسعد امرأة أو رجل لا يستطيع التعبير عما يجول فى عقله , أو لا يستطيع نشر أفكاره فى كتاب , أو السير فى مظاهرة سلمية شعبية تنشد العدل أو الحرية , أحيانا أشعر بالخجل أو تأنيب الضمير لأنى تجاوزت السبعين عاما من العمر , لأن الشباب يموتون وأنا لا زلت أستمتع بالحياة , لا أعرف ما السر فى طول عمرى رغم عشرات المآسى فى حياتى , ربما هو الحب المستحيل أنتظره قبل أن أموت ؟ ربما هى سعادة الابداع أو الكتابة تمسح من الذاكرة كل التعاسات , لا أدرى لماذا أعيش وقد نشرت سبعة وأربعين كتابا وشباب يموتون دون نشر كتابهم الأول , أو الثانى مثل محمد فتوح ؟ أ لهذا أدرك غياب العدل وغياب المعنى فى هذا الكون ؟ ألهذا أكتب ولا أمل الكتابة بحثا عن المعنى والهدف من الحياة ؟ وكم من فلاسفة فى الشرق والغرب ماتوا قبل أن يكتشفوا هذا اللغز !
وكم من فلاسفة أعلنوا قبل موتهم أن معنى الحياة ليس له معنى , أن نعيشها كما هى الحياة بالمعنى أو اللامعنى , أن نستمتع ونسعد بها دون أن نعرف لماذا , وان عرفنا لماذا فالأمر سيان , فى النهاية نموت كما تموت كل الكائنات الحية , أما الكائنات الميتة فهى لا تموت , لأن الموت لا يموت , ومن هى الكائنات الميتة ؟ هى التى تعيش وتموت دون أن يدرك العالم أنها عاشت وماتت , دون أن تفعل شيئا يغير العالم , دون أن تترك أثرا يشجع الناس على العدل أوالحرية أو الصدق , هذه هى كلمات محمد فتوح منذ عامين وأكثر , بعد أن نشر مقالا فى احدى المجلات فأصبح متهما بالالحاد والكفر , لأنه قال أن الله هو العدل وليس الدروشة والفتاوى الذكورية , نصحه بعض أصدقائه بعدم اثارة غضب التيارات الدينية والسياسية المتعصبة , والا تعرضت حياته للخطر , سمعته يرد عليهم قائلا : -
- الناس من خوف الموت فى موت والناس من خوف السجن فى سجن والناس من خوف الذل فى ذل ! !
لم يمت محمد فتوح من الخوف بل مات بالفيروس الشائع الذى يأكل أكباد الشباب فى بلادنا " فيروس س " هذا المجهول الذى ينهش فى الظلام كبد الانسان , والذى يزيد ثمن العلاج فى شهر واحد على ضعف الأجر الشهرى للفرد العادى , أعنى الفرد الذى له عمل بأجر , فمال الفرد الذى ليس له عمل , أو يعمل دون أجر , مثل أغلب الشباب الذين يكتبون المقالات أو الكتب دون مليم واحد , مثل الدكتور محمد فتوح , كيف يقضى الشاب على فيروس " س " قبل أن يقضى الفيروس عليه ؟ ,
أعترف أننى كرهت الأطباء ومهنة الطب , فى ربيع عمرى كنت طبيبة أعالج مرضى السل الرئوى , بالمشرط أو بالأقراص , كلاهما المشرط أو الأقراص لم تكن تقضى على جرثومة الدرن , فهى لا تنهش الا رئة الانسان المحروم من الطعام أو المرهق بالعمل الجسدى والنفسى , الطعام الجيد والراحة الجسمية والنفسية يحميان الانسان من مرض الدرن , كلاهما يصنعان ( مع السعادة ) المناعة الحامية لنا من جرثومة الدرن , فهى جرثومة عديمة الانسانية , مثل العالم الرأسمالى الأبوى الذى نعيش فيه , تحكمها القوة وليس العدل , تنقض الجرثومة على الضعفاء فقط , تخشى الأقوياء , لا تختلف عن غيرها من الكائنات التى تتربى على نهش الضعفاء , خاصة فصيلة البشر , الرجال والنساء , أقسى الوحوش تتربى على الخوف والجشع , أكثر الحيوانات انسانية هو الأسد , لا يأكل الأسد فريسته الا اذا جاع , لكن الرأسمالى البليونير المشبع بالجشع والخوف لا يتتردد فى نهش الأضعف وان كان مصابا بالتخمة ! , , ,
هنا فى أطلانطا أدفع من راتبى مبلغا كبيرا كل شهر لشركة التأمين الصحى , وهى شركة رأسمالية قائمة على الربح , تستغل المرضى والأصحاء الخائفين من الأمراض , قلت لادارة الجامعة أننى سليمة الجسم والعقل ولا أريد أن أدفع شيئا لشركة التأمين , لكن القانون الرأسمالى يحتم علينا أن نؤمّن على صحتنا رغم ارادتنا , لصالح الشركة بالطبع , لأن الحكومة تعمل لحساب الشركات وليس لحساب الأغلبية من العاملين المكافحين والمكافحات , لم ينجح باراك أوباما فى انتخابات الرئاسة هذا العام 2008 الا لأنه رفع شعار " التغيير " , أغرق الناس بالوعود , أنه سيحكم بالعدل وليس بالقوة , أن يراعى مصالح الأغلبية الفقيرة وليس الأقلية الثرية , أن يقلب هرم الحكم ليكون من أسفل , من القاعدة العريضة , الى أعلى , وليس العكس , سوف نرى بعد 20 يناير 2009 ماذا يفعل أوباما حين يعتلى العرش رسميا , بعد حفل التتويج التى دفعت فيها الشركات الرأسمالية ملايين الدولارات , ,
قرأت بالأمس فى الصحف أن عشرات الملايين من الدولارات دفعتها الشركات لتأجير غرف فى الفنادق للمدعويين فى حفل تتويج أوباما فى يناير , ويقولون أن البلد فى أزمة اقتصادية ؟, لكن من يعانى هذه الأزمة ؟ , فى نوفمير , الشهر الماضى فقط فقد نصف مليون شخص أعما لهم وأصبحوا فى الشارع , فى طابور العاطلين , لماذا لا يلغى أوباما حفل تتويجه ويدفع هذه الملايين للعاطلين أو المرضى بدون تأمين صحى ؟ أو بتأمين صحى لكن وجوده مثل عدمه ! وكم دفعت لشركة التأمين الصحى دون أحصل على شىء , ثم قررت عدم الذهاب الى أى طبيب للكشف أو ما يسمى الوقاية من المرض , أدفع فى زيارة للطبيب خمسة وعشرين دولارا , أى ما يعادل مائة وأربعين حنيها , لماذا ؟ كى يرمقنى الطبيب من طرف أنفه باستعلاء , ويحولنى لعمل صورة أشعة للثدى أو جزء آخر من جسمى , يتصور فى خياله الطبى المريض أننى لا بد مريضة بالسرطان , لماذا ؟ لأننى تجاوزت السبعين عاما ! أول الأمر أطعت الطبيب مثل كل البلهاء ودفعت ألف دولار فى صورة الأشعة , ثم أكتسبت الوعى ولم أطع الأطباء ولم أعد أفكر فى صحتى , وما أن كففت عن التفكير فى صحتى حتى عادت الى الصحة والسعادة وأصبحت كما كنت قبل أن يقع بصرى على الطبيب ,
سألت الدكتور محمد فتوح قبل أن أغادر الوطن عن حا لته الصحية , قا ل أن حالته تتحسن , وابتسم تلك الابتسامة التلقائية التى يتميز بها أهل مصر من الريف , ابتسامة الانسان البسيط السعيد رغم قسوة الحياة , الانسان الأبى عزيز النفس الذى لا يشكو ولا يطلب شيئا وان شارف على الموت , وأنا أودعه رأيت الدموع الحبيسة تحت الجفون , قال لى , خلى بالك من نفسك يا دكتورة , احنا فى انتظارك , عودى الينا , فى صوته لأول مرة رنة حزن عميق دفين , هل دار فى خياله انه اللقاء الأخير , أننى سأموت فى الغربة قبل أن يرانى مرة أخرى , أم أنه هو الذى يموت فى الوطن قبل أن أعود ؟
سألت نفسى بعد أن قضى فيروس س على حياة الدكتور محمد فتوح قبل الأوان , أكان يمكن لو حصل على العلاج أن يعيش ثلاثين سنة أخرى أو أربعين ؟ , يكتب فيها كتابه التانى والثالث والرابع حتى الأربعين ؟ لو أن الدولة منحته ثمن العلاج كما تفعل مع القلة المحظوظة ؟ القلة من النخبة الحاكمة أو ما حولها من كتاب وصحفيين , يسافر الواحد منهم ان عطس الى لندن أو باريس , فمال أن يحتاج الى زرع كبد أو كلية تنقذه من الموت ؟ فى ولاية ميزورى العام الماضى أفتى أحد القسس من الكتلة المسيحية الرأسمالية , أن عملية زرع المخ تتعارض مع ارادة الله , تذكرت قولة الشيخ شعراوى فى مصر منذ أعوام : " زرع الكلية حرام لأنها تؤجل لقاء الانسان بربه " , وكم من نقاش دار حينئذ فى الصحف حول مقولة الشيخ الشعراوى , لكن الأغنياء لم يستمعوا الى فتاوى الشيخ , ونجحوا فى تأجيل لقائهم بربهم عشرات السنين , بعد أن دفعوا ثمن الكلية الجديدة ! , , ,
منذ أعوام كثيرة مات أخى فى شبابه بالفشل الكلوى , ومنذ أيام قليلة مات الدكتور محمد فتوح فى شبابه بالفشل الكبدى , وكم من شباب يموتون فى بلادنا دون أن تهتز شعرة فى جسد الدولة أو يطرف لها جفن , مما يجعلنا نسأل كم تساوى حياة الانسان ؟ ليس فى بلادنا فقط بل فى العالم كله , المحكوم بالمال والسلاح والاعلام والتعليم , هنا فى أطلانطا انتحر شاب بعد طرده من عمله منذ أسبوع بسبب الأزمة الراهنة , وفى لندن منذ أيام مات رجل بالسرطان لأن التـامين الصحى لم يدفع له ثمن العلاج , فى نظم التأمين الصحى الرأسمالى يحظى الرجل العجوز فى التسعين من عمره بحبوب الفياجرا لتنشيط ذكورته المتهالكة مع البنات الصغيرات , ولا يحظى الشباب المرضى أو ألأصحاء بضرورات الصحة أو الحياة .
دفع محمد فتوح حياته من أجل أن يغير هذا العالم القبيح , ومن يدفع حياته لتغيير العالم لا يموت . , ,
دكتورة نوال السعداوى ,
أطلانطا السبت 6 ديسمبر 2008



